ماكشفته مدرسة الراهبات !

Submitted on Thu, 08/09/2018 - 15:59

عارف معروف

1-      خلال يومين فقط تحول موضوع مدرسة الراهبات  او كاد ان يتحول الى قضية رأي عام ترّكز حولها الانتباه  عبر سيل من الكتابات التي كانت اقرب الى الصرخات والتي حفلت بها  مواقع التواصل الاجتماعي وتعززت بمئات التعليقات والتعقيبات والمشاركات التي ذهب بعضها بعيدا عن اطار المسألة ليحلق في آفاق أخرى تمليها اعتبارات لا علاقة لها بطبيعة الموضوع  !

2-      نعم ان مبنى ثانوية العقيدة او مدرسة الراهبات معلمٌ جميلٌ وتكوينٌ مميز وبارز في صورة مركز بغداد كما عهدها وتعّود عليها أبناؤها والعراقيون عموما  وهي جزء مهم من جماليات المكان وذاكرته واثره العاطفي الحميم ومن الطبيعي ان تثير اية إشارة الى التجاوز عليه او التفكير بإزالته لتحل محله كتلة أخرى من كتل الفوضى وانعدام الذوق باسم مول تجاري او غيره كل هذا التوجس والخوف وان تستدعي ردود أفعال شديدة ، خصوصا في أجواء عراقية مشحونه ويمكن فيها توقع الكثير مما هو سيء ، ولكن ذلك الامر لا يعفي موجهي وصناع الرأي العام من المثقفين والكتاب والفنانين من مسؤولية تبيّن واعتماد قدر مناسب وكاف من الوثوقية حول  الموضوع ، أي موضوع ، وان يكلفوا انفسهم تحري مصادره وجدارتها بالاعتماد بدلا من ان يتبنى معظمهم القضية وينافح عنها استنادا الى ما كتبه فلان او علان .

3-      الشيء الملفت للنظراكثر  اننا ذهبنا ، كالعادة ، اشتاتا وتعالت اتهامات وشتائم البعض  ليس فقط  ضد الطبقة السياسية والمؤامرات الخفية التي تريد محو وجه بغداد القديم من الذاكرة لتأسيس بغداد أخرى لا نعرفها ! بل والى نشر غسيل اسود من الكراهية والتحريض الذي يعتمل في دواخل معتمة ويجد له المتنفس في اية قضية فتحّدث البعض عن أصحاب الخواتم الذين يريدون تحويل المدرسة الى مول يعرض البضاعة الرديئة لدول الجوار ( لاحظ معنى الإشارة ) في حين اكد الكثيرون انها جزءٌ مؤكد من المخططات الطائفية الغادرة التي تستهدف بغداد والعراق ، واستنكر آخرون  واقع الغزو المغولي الذي تشهده العاصمة منذ عقد او عقدين بل وحدد احدهم الغزو بستة عقود ( الإشارة واضحة الى المغول المقصودين  ) في حين انهض آخر، بالمقابل ،  ساطع الحصري من قبره واصفا إياه بانه كان اول هادمي بغداد العباسية مع من سبقه من العثمانيين ولحقه من القوميين !( شغل الحصري منصب مدير الاثار العامة في 1934 وخلال سبعة أعوام من عمله المنظم  قدم خدمات جلى للآثار العراقية وانقذ بعضها من براثن الإهمال والضياع والسرقة) ناهيك عمن لمّح الى اطراف محلية وإقليمية ودولية في هذا المخطط الذي ربما اشتط بعضهم الى ربطه  ببروتوكولات حكماء صهيون !

4-      أي ان قضية او بالون او مسبار مبنى مدرسة الراهبات عكس واقعا مريرا لطبيعة وعينا وطريقة تعاملنا مع اية قضية وكيف يمكن لمطلب جاد وعادل او توجس حقيقي ومشروع ان يضيع ويستخف به في هرجة او فزعة  عامة تخلط الحابل بالنابل إضافة الى سهولة وبساطة اثارة فزعات اقوى واشد اثارة وتسليط الانتباه على قضايا مختارة بعناية  ! واذا كان ثمة " مؤامرة " فهي ليست المؤامرة التي تصور البعض انها تستهدف مبنى المدرسة من قبل مراكز قيادة تسعى لمحق اثارنا وهويتنا وذاكرتنا ، بل هي المؤامرة التي تستهدف وعينا وتنميطه واختبار مدى ما بقي فيه من حس نقدي وقدرة على البحث والتحري والتوثيق ...

5-      لقد حاولت ، كالعادة ، ان اتحرى ما يمكن عن الموضوع قبل الادلاء بموقف او رأي ، فلم اهتدي الى اصل او سند يعتد به ، سوى ان وزارة التربية أصدرت توجيها بنقل ثانوية العقيدة الى مدرسة اخرى وترك المكان الى ثانوية كلية بغداد للبنات كونه لا يتحمل دوام ثلاثة مدارس ، كذلك ثمة إشارات أخرى ، غير موثقة ولا مؤكدة من جهة ذات علاقة  ، الى تلكؤ وزارة التربية  في دفع مبلغ ايجار المبنى الى مالكيه ومنذ 2014 ، لكن هذا كله شيء وما تم تداوله والتحريض باتجاهه شيء آخر مختلف  فمن اين جاء خبر التخلي عن البناية وبيعها الى " الطائفيين " لغرض هدمها وتحويلها الى مول تجاري ؟ ولماذا هذه البناية بالذات ؟

6-      في أجواء  مثل التي نعيشها وفي صراعات محتدمة وضارية لقوى وجهات عالمية وإقليمية ومحلية على الثروة والسلطة والنفوذ  في العراق ، يجد القول بنظرية المؤامرة أساسا واقعيا له ، ولكن ليس من خلال التصور بان  مدرسة الراهبات عرضة لمؤامرة بل من خلال احتمال ان تكون كل هذه الزوبعة حولها قنبلة دخان يراد بها التعمية على مؤامرة حقيقية او العمل باتجاهها ، او ستر وتحويل الأنظار عن مؤامرات ونتائج  نعيش عواقبها على مدار الأيام والساعات ، وهي جديرة بتوجيه الاهتمام اليها وتركيز الأنظار عليها واثارة اهتمام الرأي العام بها .

7-      ان قضية مبنى مدرسة الراهبات ، حتى لو كانت صحيحة ، فهي غيض من فيض نغرق فيه وجودا وآثارا وافكارا ونمط حياة ، فثمة العشرات بل والمئات من الأبنية التراثية النفيسة والمعالم الجمالية الثرية والمميزة في بغداد ، قد تحولت وتتحول ، الى مخازن ستوكات وقطع غيار مستعملة هي في الحقيقة نفايات سامة وملوثة او حتى كراجات ومواقف سيارات ، وتشهد مناطق السراي القديم والبتاويين وتحت التكية والسنك وشارع الرشيد امثلة مؤلمة على هذا القضم والتآكل الذي يمثل صعود طبقة طفيلية جديدة لا حظ لها من المعرفة ولا نصيب من الذائقة ولا شغل غريزة متنبهة لديها سوى غريزة النهب ، وهذه الفئة الاجتماعية الطفيلية لا دين لها ولا طائفة ، وهي تستفيد وتتعشق بحالة الفساد العامة وتتخادم معها منذ زمن طويل ، وليس اليوم ، رغم ان الواقع الحالي منحها الأجواء المثالية للتسرطن والنمو الآكل عبر غياب او ضعف رقابة الدولة وغياب الضوابط وانعدام التطبيق السليم للقوانين واليكم بعض الأمثلة :

8-      في منتصف الثمانينات كانت الكثير من المعالم في الشورجة وتحت التكية ومنها معابد يهودية قد تحولت الى مخازن للبضائع واندثرت تكوينات عمرانها المميزة وفنون ريازتها البغدادية الاصيلة بل وحتى القيمة الاثارية لبعضها وما توفره من قراءة ممكنه لواقع المجتمع العراقي خلال مطلع القرن وحتى منتصفه قد اندثرت وتلاشت رغم نشاط وفاعلية أجهزة الدولة وخصوصا امانة العاصمة المفترض .

9-      شهدت بنفسي كيف تحولت تحفة فنية رائعة مثل كنيسة اللاتين الكاثوليك في السنك الى مخازن للخردة ثم كيف غرقت تدريجيا حتى اختفت واجهتها تحت ركام المخازن التي نمت كالفطر حولها وعليها في منتصف التسعينات وكيف ان الشخص المسؤول عن ادارتها واحد  المالكين قد عملوا المستحيل من مراجعات وتوسط ورشاوي لكي يفتحوا باب الاستثمار او بالحري الاستغلال الذي كان مغلقا من قبل الدائرة المختصة في امانة بغداد وذلك باسم تحقيق مورد مالي مهم للكنيسة رغم ان الدافع الحقيقي كان الاستفادة والجشع الشخصي .والمثل ، كذلك ، حصل لمبنى كنيسة مريم العذراء الكلدانية والتي شيدت عام 1866 في الشورجة وبنفس الاليات ، والتي اغرقت بالمحلات ومخازن البضائع الرخيصة بصورة محزنة للغاية .وكان كل ذلك نتيجة جشع وشرهة  المالكين اوالمشرفين و وكلائهم ، كما اشرت .

10-  ان الخطر الذي يمثله تكالب الفئة الطفيلية على المساطحات واستثمار الأملاك القديمة يمثل جانبا واحدا فقط من المسألة ، اما الجانب الآخر ، المهم والذي ينبغي تسليط الضوء عليه وحشد الرأي باتجاهه فهو مساهمة الفاسدين في امانة بغداد في تمرير هذه الصفقات واستحصال الموافقات وتقديم الذرائع لتغيير طبيعة المكان . ان القانون  كان يحفظ هذه الأماكن ويجعل من صيانتها والحفاظ على هويتها الزاميا لكن أولئك الفاسدين كانوا ومازالوا  يخدمون كأدلاء وشركاء لمن يريد تجاوز القانون من المالكين او المشرفين او المستغلين تحت ذريعة ان المباني قديمة وآيلة للسقوط وتشكل خطرا على حياة الناس وما ان يبدأ الهدم حتى يتم تناسي الامر وتحويل طبيعة المبنى او جزء مهم وحيّ من واجهته الى مباني تجارية قد تخفي معالمه وتبتلعه بالكامل .

11-  ان الفاسدين  والمتواطئين في امانة بغداد كذلك يسهلون منذ 2003 وبشكل غير مسبوق ،  التجاوزات التي تغرق بها العاصمة ومحيطها وتحولها الى حالة مرّوعة من الرثاثة ، فحتى ارصفة السابلة  تختفي لصالح المتجاوزين وكذلك الحدائق والفضاءات الصغيرة المتروكة في المناطق السكنية . وتتحول المساحات الزراعية والبساتين الى كتل شوهاء من البلوك والطابوق  وكل ذلك يتم بعلم وتواطؤ ورشى الموظفين المسؤولين عن الرقابة والمتابعة.

12-  ان معظم المباني التراثية والمعالم الجميلة المعروفة لبغداد وسواء كانت كنائس او مساجد او مقامات او أملاك عامة ومساكن ، بساتين او محلات تجارية ، تتبع او تعود ملكيتها حاليا اما الى اوقاف الطوائف ، وهي مباءات رهيبة للفساد والاثراء الشخصي غير المشروع مما يجعل هذه المباني عرضة للهدم وتغيير الطابع او الاستيلاء تحت شتى الذرائع ، من قبل المفوضين او القائمين عليها ، فالجشع والشراهة والفساد لا دين او طائفة او قومية لها ،او هي من أملاك الدولة و هذه  ذات مواقع مهمة  وفي افضل المواقع في بغداد لكنها أضحت هدفا لسعي الفاسدين واللصوص من المتنفذين والسياسيين والذين استولى بعضهم بالفعل على الكثير منها بتسهيل ودراية من الجهات المختصة والمكلفة بحمايتها والرقابة عليها ، خصوصا وانها بمثابة أملاك لا مالك جقيقي وراءها ، أي انها بلا مالك شخصي معروف يمكن ان يدافع عن ملكيتها ويهمه امرها ، وهو شان كل أملاك الدولة .

13-  لذلك يتعين ان تنهض سلطة الصحافة بدورها الرقابي ورسالتها الاجتماعية في حماية هذه الأملاك والمعالم وتسليط الضوء على الوقائع  والتصرفات المشبوهة بحقها وكذلك يتعين على المثقفين والناشطين والكتاب ان يؤازروا هذا الدور ويوسعوا مداه للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه .والتزام جانب المسؤولية والتوثيق في هذا الامر مما يعطي للكلمة وقعها وللمطالبة زخمها ولا يغرقها في حمأة الشعارات والشتائم والتحيزات والمواقف المسبقة واوهام التآمر العرقي او الطائفي مما يضيع علينا الخيط والعصفور ويحمي في الواقع الفاسدين والمستغلين واللصوص والمتواطئين ويتستر عليهم باثارته زوابع دخانية غير معينة  الهدف وموثقة الحجة ومحددة الاتجاه ، مثلها مثل هتافات لا للفساد ، التي تعلق الامر على متهم شبحي يلعنه الجميع ويبرأ منه الجميع في الوقت الذي يسخر فيه هو من الجميع !