الثورة اللامجتمعية:العراق يقود العالم؟ 

عبدالاميرالركابي : مع انتهاء القرن العشرين، تحول العالم نحو مابعد غرب، كانت العتبه الاوربية بممكناتها الاقصى، قد بلغت نهايتها، ودخلت مسار التحلل الطويل مع كل مرافقاته، مع وصول التاريخ زمن الانتقال، من اشكال الانتاج اليدوي الالي الى "المعرفي/ التكنولوجي"، ومايرافق انتقالات من هذا القبيل، من تبدلات في الشروط المعاشة، ومن تناقض حاد، وتضارب بين الرؤى والافكار، القديم منها الذي مازل موجودا وطاغيا، والحديث الذي يشق طريقة صاعدا وسط التعثرات والموانع، ومن يومها، لم يعد ايقاع الافكار، يوازي، او يقارب عالم الواقع والحدث، وصارا متجابهين، فكأن التطورات والوقائع تجري بدون تفسير، او هي بانتظار قرب انبثاق التفسير الذي يضعها ضمن الاحاطة، بعد الادراك.
لايجد الغرب الراسمالي، وقد تجاوزته حركة التاريخ موضوعيا، الا ان يتمسك ضمن سياق تاخري، مضاد لحركة التاريخ، و ( رجعي)، بميكانزمات منتهية الفعالية، محاولة اطالة عمر وامد الراسمالية، باضفاء انواع من التحويرات عليها، بجانب مساعي التاقلم مع الطور التالي على المرحلة البرجوازية الراسمالية المنتهية الفعالية، ومحاولة ادغام الكنولوجيا والانتاج المعرفي بالاله التقليدية الراسمالية، وبتعظيم وجوه من الممارسة الراسمالية، والايغال في تدويلها، واسباغ طبيعة هذه، وروحها على مايضادها ويناقض، وينهي وجودها.
ان مفهوم التحول الاكبر، على هذا الصعيد، وبحس ما هو متنام وحاصل اليوم، مستبعد من النظر، يعالجه الغرب بانماط من المتابعات والافكار التزويرية، المستندة في الجوهر الى افتراض رسوخ وفعالية الطور المنتهي من التاريخ، وطابعه الراسمالي الغربي. ولعل الاهم والاخطر في العملية الانتقالية الكبرى ومايسبغ عليها طابعا خاصا، على صعيد التفارق الهائل بين المعاش والمفتكر، كون الانتقال الحالين لايجري ضمن طور واحد من التاريخ، مقسم الى حقب ومراحل، كما ظل عليه الحال، خلال مايقرب من سبعة الاف عام، بدات بالثورة السومرية التحولية، وتعددت مراحلها وفتراتها. فما نحن بصدده وعلى اعتابه، هو انتقال من زمن، الى زمن اخر، وفي المشابهه يمكن ان نقول، ان مايجري راهنا،هو اشبه بالانتقال من الصيد واللقاط، الى التجمع وانتاج الغذاء، لامن الانتاج اليدوي الى الالي مثلا، او التحول في اوربا الطبقية، من الاقطاع الى الراسمالية. اوانتقال العراق بين الدورتين الحضاريتين الكونيتين: الاولى السومريه البابليه، والثانية العباسية القرمطية.
ويجب هنا التذكير بنوع الفارق، بين الافكار التي تظهر ضمن السياق التاريخي الموحد، وتلك التي تتشكل على مدى نوعي طويل، بين الازمان الكبرى، فلسنا اليوم امام الماركسية المواكبة للراسمالية، او الابراهيمية في طورها النبوي الالهامي، وقراءاتها الكبرى الثلاث، واخرها وختامها النبوي، المحمدية، ولا حتى البوذية، او الكونفوشيوسية، فتلك العلائم والمحطات، ومارافقها، واتصل بها من متغيرات وثورات، حصلت كلها داخل زمن واحد، يجمعها ويوحد خاصياتها، وفعلها من حيث الجوهر. وهي كما نعلم، لم تتحقق هي ذاتها بيسر وسلاسه، ولا جرى تقبلها من الناس بطواعية، وبلا مقاومه، او من دون تضحيات كبرى، وزمن انقضى في العمل والجهد المضني، فكيف والحال هذه سيكون اليوم، نوع ماسيحدث من تضاربات، في اطار الانتقال التحولي بين زمنين وتاريحين؟
تقول السردية الاحادية الباقية، كاثر حتى الان، بان التاريخ، او ماايعرف تاريخ الحضارة، تنتظمه وحدة سائرة الى اعلى، قمته، الغرب الحالي، وتلك بحد ذاتها فكرة اساس مضللة، فالتاريخ البشري، هو وحدة وطور واحد، متغيراته وتحولاته، تنتظم ضمن سياق وغرض نهائي اخير، وفي حين بدات التحولية البشرية، بالتحولية الكونية الاولى، غير القابلة للتحقق، بسبب غياب العامل المادي التحولي، فانها قد حكم عليها بالسيرنحو تحقيق المفقود، وكل سيرورات التاريخ البشري، وتبادلياته، بالاخص على ضفتي المتوسط، هي سيرورات متجهه نحو انبثاق العامل التحولي المادي، ولعل مابسطة ماركس في مراحله الخمسة، من تعاقب يبدأ مع "الشيوعية البدائية"، الى "الشيوعية العلمية"، كما تسمى، يذكر بنوع السيرورة التاريخية الحقيقية، من "التحولية الاولية"، الطبيعية، غيرالقابلة للتحقق"، الى " التحولية العلمية القابلة للتحقق"، الامر الذي بدا اولا في ارض الرافدين، وسينتهي متحققا في الموضع نفسه.
يقول نوح كريمر في لفتة غير عادية، "الحضارة بدات في سومر"، والحقيقة انه كان يجب ان يذهب للحديث عن بدء التاريخ التحولي الانساني، المتعذر تجسده في صيغة معاشة، وشروع دورة، او تاريخ الذهاب الى عصر التحولية القابله للتحقق، بمعنى ان ارض مابين النهرين، قادت العالم والكوكب الارضي بداية، وانها اسست مقتضيات الوجود الانساني، بحسب، ووفقا لاليات بنيتها ووجودها، وبما يتلائم مع هدف الانتقال الاعظم، الى مابعد مجتمعية، ومابعد بقايا حيوانية، عالقة بالكائن البشري.
وليس هنالك مكان بالامكان التدليل على قيادته الكونية، وانطواء بنيته على غرض الوجود البشري على الارض، مثل ارض مابين النهرين، فلقد ظلت لقرابة ثلاثة الاف عام، وهي في صدارة الوجود المجتمعي الانساني، الى ان شكلت ملامح الوجود المجتمعي التحولي على مستوى الكوكب، بما هي ثنائية، اصلها الكينونه المزدوجه، الارضية الاحادية، وتلك المفارقة، العائدة الى "مملكة السماء على الارض"، وبين سرجون الاكدي، اول القائلين "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع"، وابراهيم ونبوات التوحيد الكبرى، لايوجد في القاموس المجتمعي البشري، اي منجز اخر، او ثالث، ويجب عد بيوت الله، كنائس، وجوامع، وبيع، على امتداد الارض، مع دنيا الملوك والامبراطوريات، حتى نقف على الاثر الباقي من الخطى الرافدينية الاولى، والتي لاثالث لها، يصيغتها الافرادية الاحادية المتفارقة، وصولا الى "الديمقراطية"العتبة الاخيرة الانتقالية، ماقبل تحقق "امة اللادولة" ، والتحول. 
يحكم البشرية قانون التحولية، ابتداء من ممكن التحول المنقوص، المتعذر التحقق، وانتصار الاحادية، وتاقلم التحولية بصيغة التوحيدية النبوية الالهامية، كامكان متوافق مع زمن انتصار الاحادية المجتمعية الطويل، لكن المؤقت، الى حين انبثاق المفقود المادي الانتاجي المنتظر، حيث بدء تحقق التحولية، مع اكتمال عناصرها، وقاعدة تحققها المادية. وكل تصور، او راي يركز على استهدافات، او منطويات للعملية الوجودية البشرية على الارض، من نوع تلك التي تنكر، او تنفي النشوئية العقلية، وحتمية انتقال الانسان الى الاكوان العليا، ودخوله الزمن مابعد الارضي، بكل مايترتب عليه من انقلاب هائل، خارج الاستيعاء العقلي الراهن، هي بالاحرى من نمط ونوع اللحظة النكوصية الانتقالية، الضرورية، قبل قفزة تحقق نتائج مادية، من غير طبيعة الافكار التي يتيحها التشكل المجتمعي الاحادي.
في البصرة اليوم في عام 2018، عند اريدو، اول مدن الانسان، مدينه "دولة اللادولة الالهية" الاولى، عند مشارف التشكل العبيدي، الاسبق على التبلور السومري، تبدأ الاشارة الى قرب الذكرى القرنيه، للثورة الكونية الحديثة العراقية الاولى، عام 1920. والتي اعقبتها ثورة اخرى، من نفس طبيعتها في 14 تموز 1958، مع تبدل نوعي زمني، في الحالتين والظرفين، فثورة العشرين قبل قرن، ومعها ثورة تموز 1958 ،تفجرتا قبل اوانهما، وضمن اشتراطات كانا ضمنها، مفتقرتين الى الرؤية المطابقة، المضمرة، والمتعذرة بظل الانتصار الكاسح للرؤية الاحادية، ولاخرها واكثرها تبلورا ودينامية، الرؤية الغربية الحديثة للحياة والتاريخ. 
بعد قرابة قرن من الثورة الكونية الحديثة الاولى، يشيع بين المنتفضين عند الطرف الاقصى الجنوبي، اعتقاد مشتت، ونزوع كوني غير مفسر، بينما روح الثورة الكونية الكبرى، تعتمل بعد ثلاث هبات متوالية، تنتظر انبلاج اوان "قرآنها" المؤجل، الخافي على مدى سبعة الاف عام. بانتظار الذكرى المئوية الاولى لثورة العشرين، حين سيكون العراق قد صار على مشارف الرؤية التحولية الكبرى، وتاخذ نواة الرؤية الكبرى التحولية، طريقها نحو عقد مؤتمرها التحولي الاول، وهاهو العالم يعود للدوران من نفس البقعة، والانسان يتهيأ للانتقال الى الاعلى.
يتبع 
ـ اللامجتمعية الرافدينية: فك الازدواج والكونية الثانية