الانتفاضة العراقية سنة 1991 :وقائع وعقبات غيرت طابعهاو وجهتها

عارف معروف : نشر الصديق الاستاذ ابراهيم احمد مقالة قيّمة عن الانتفاضة العراقية لعام 1991 وما رافقها واعقبها من وقائع وفعاليات وكواليس غيرت من وجهتها وطابعها ، وقد علقت على الموضوع ، خصوصا وان وقائع ومجريات تلك الانتفاضة لم تحض بما يجب من درس وعناية وانما اعتراه تشويه ونسبة مغالطة للكثير من الوقائع ، وآل امرها الى ان ترسو في خانة محددة وتحسب على جهة معينة ، وتنوسي امر شعبيتها وعفويتها ، ورغم ان تعليقي قد اختلط فيه الحدث المشهود بالرواية المسموعة مع التحليل والاستنتاج ، فقد رأى الاستاذ العزيز ان يُنشر في مقال مستقل على صفحته وقد شكرت له تكرمه وحرصه الاخوي هذا ، وها انذا اعيد نشر المقال على صفحتي وتشر المقال الاصل للعزيز ابراهيم احمد في الهامش الاول اتماما لفائدة من يريد الاطلاع ، مع التاكيد ، ثانية ، على امتناني لمبادرته.

مقالة هامة ، كان الاستاذ عارف معروف، قد كتب أمس تعليقا على مقالتي "من أجهض انتفاضة 1991 " لكنني وجدت أن ما كتبه أكبر بكثير من تعليق عابر سريع ، أنه يحوي خلاصة تجربة حياتية ومعرفية عميقة وقد اقتطع الأستاذ عارف منها قصعة عسل رغم مرارة ما نحن بصدده، ولكي أحقق قراءة أوسع لما كتب رأيت أن أنشرها على صفحتي بكل اعتزاز، وقد وافقني وله الشكر بعد أن اضاف لها فقرات هامة أخرى :
قرأت مقالتك القيّمة باجزائها الثلاثة عزيزي الأستاذ إبراهيم احمد ، واجد انه من المفيد ان اكتب لك عن بعض مشاهداتي ومسموعاتي ، تلكم الأيام الحبلى بالامل والتطلع بداية والمفجعة بإحباط لاحق خلفَ المزيد من الدماء والاحزان والندوب في الجسد العراقي ، علها تنفع في دعم قسم مهم مما تفضلت به والقاء ضوء على القسم الاخر قد يستدعي المزيد من التعمق والاحاطة قبل التوصل الى حكم نهائي بصدده:
1- نعم كانت الانتفاضة عفوية تماما ، لا شعبانية ولا حكيمية ، وقد عكست عمق الألم العراقي والشعور بالعاروالعبث من استمرار العبودية لنظام الموت والاستهتار والمعارك الخطأ والهزائم المؤكدة . وكان الكثير من الضباط والجنود قد عادوا بنفس محملة بالمرارة والرغبة في الانتقام من النظام ، وقد حدثني اكثر من ضابط ومنهم صديقي وجاري الرائد الدرع في الحرس الجمهوري ، بعد ذلك باسابيع عن ان التململ بينهم قد بلغ اشده وان الجميع كان يتحدث عن ضرورة اطاحة صدام دون خوف وكان يؤكد : لوفقط كنا قد بلغنا بغداد واعيد تجميعنا ، دون ان نتعرض لما تعرضنا له ، لحصل شيء آخر ! ،لكن تطورات الانتفاضة العفوية ومداخلاتها خصوصا تهجم البعض على الضباط والانتقام من بعضهم ولد لديهم حالة من الخوف من التغيير واحتمالات ما يمكن ان يجيء به ، واستفاد منها صدام اقصى استفادة .
2- شهدت بنفسي واقعة يمكن ان تكون ذات دلالة مهمة ، فقد كانت لدى اخي عمارة في سوق كربلاء وكنا قد توقعنا ان البعد عن بغداد وفي مدينة يعلم الامريكان بطابعها ،خلال المعركة اسلم لعائلتنا ، فذهبنا قبل بدء القصف بيوم او يومين الى هناك وفي احد الليالي التالية ولم يكن صدام قد هزم بعد فوجئنا بصراخ احد الشباب من الجيرة في ساعة متاخرة من الليل وهو ينهال بالشتائم على النظام والبعثية وصدام ويدعوهم للخروج لمواجهته ( كووايد بعثية اطلعولي )، لقد اعتقل الشاب من قبل الحزبيين ويمكن ان يكون قد قتل بعد ذلك .لا اعرف ان كان مجنونا ام ان زمام انفعاله قد افلت وعبر بشجاعة عما كان يدور في دواخلنا جميعا ولا اعرف ان كان قد سمع شيئا من الاخبار ام غيره لكن دلالة هذه الواقعة ان احتمالات ان تندلع الشرارات هنا او هناك لتشعل الجو المفعم بطاقة انفجارية من الغضب كان واردا .
3- وقد حدثني من اثق به من الحلة لاحقا ان الانتفاضة حصلت في الحلة نتيجة سماع اخبار الجنوب وان الانتفاضة قادمة وقد بادر بضعة افراد او بالحقيقية شخص واحد معروف باندفاعه الى اطلاق النار على المنظمة وسرعان ما تبعه آخرون ثم تعاظم العدد وفر كل الحزبيين من المدينة ولم يعد بالإمكان السيطرة على دوافع الانتقام لدى الكثيرين .
4- كان بيتي في الغزالية وقد تحرك عدد من الافراد في الشعلة بالفعل لغرض اشعال انتفاضة لكنهم كانوا قليلين وامكن للمنظمة الحزبية والشرطة السيطرة وقد أوقفوا في مركز شرطة ذات السلاسل وجاء وطبان وقتل بعضهم بمسدسه الشخصي ، وقد أشار الى ذلك صدام حسين بالقول ، لاحقا ، ان رفيقا واحدا تمكن بحزمه من وأد تحركات العملاء في احدى مناطق بغداد . أورد هذه الوقائع لكي اشير الى ان الامر حتى الان كان عفويا ولم يكن لإيران او " خلاياها النائمة " أي دور .
5- بحسب بعض اقاربي في الأجهزة الأمنية فان صدام كان قد ارسل عناصر متنكرة وبعضهم من تلك المناطق لغرض الانضمام الى المنتفضين وتسجيل وتصوير ما يدور وقد استفيد لاحقا من هذه التسجيلات في التحقيقات والشهادات .وكذلك اطلاق شعارات ودعوات . 6- في تلك الأيام بدأت تشيع تحذيرات النظام من ان ما يحدث هو محض تدخل إيراني وبدأت تنقل شعارات " السادة وغيرها .لقد كان لي مع بعض الأصدقاء امل او رغبة في تحين الفرص والمساهمة في اسقاط النظام ان سنحت الظروف ، لكنني لمست بالفعل ، تردد وشك البعض بل ورفضهم لاحقا لاي فعل مضاد ،وجلهم من المحمودية او الرمادي او القائم او سامراء ليس حبا ولا ولاءا للنظام او صدام وانما خوفا من ايران او الشيعة ، وكان صدام وبضعة مسؤولين آخرين قد التقوا بوجهاء وشيوخ من تلك المناطق وحذروهم من ان " أولاد المتعة " سيهتكون اعراضهم وان لا خير في حياتهم ان هم ترددوا في الدفاع عن شرفهم ، وقد تم تجنيد الكثيرين وتسليجهم للدفاع عن تلك المدن في وجه " الإيرانيين والشيعة " .وهذا لا يعني ان هؤلاء العراقييين كانوا متعصبين طائفيا او انهم موالين للنظام بل لان صدام استثمر مخاوفهم وغذاها لغرض حشدهم لصالحه او تحييدهم على الأقل ، وهو ما حصل .وهو امر يمكن ان يحصل في كل مكان من العالم بتعبئة وحشد قسم من السكان على أساس مخاوف حقيقية او مفتعلة ضد القسم الاخر او تحييدهم على الأقل .
7- بتقديري ، ان كل ذلك قد حصل بسبب ضعف قدرات الحركة الوطنية والديمقراطية وهجرتها الى الخارج وقضاء النظام على اية إمكانية لبديل سياسي أساسا ، إضافة الى ما تفضلت به من تصرف القوى الموالية لإيران واطلاقها لشعارات طائفية اثارت مخاوف عراقيين كانت الانتفاضة احوج ما تكون اليهم لتصبح انتفاضة وطنية شاملة حقا وأفاد منها النظام لأغراضه، النظام الذي اعتقد انه ضخم كثيرا من تلك الوقائع والاقوال . كما يجب ان لا ننسى ان النظام كان قد غذى الكثير من المشاعر المؤسفة والمخاوف الجدية والوساوس لدى العراقيين قبل ذلك ، فلم يكن ابن الجنوب ، مقتنعا ، مثلا ، بان التكريتي او ابن الرمادي يمكن ان يشاركه الثورة ضد النظام فقد تعود ان يراه ضابط استخبارات او مخابرات او مسؤولا او محافظا ، مثلما لا يتصور ابن الموصل او تكريت اليوم ان ابن كربلاء او العمارة قادر على فهم معاناته او مخاوفه او التضامن معه الى الحد المطلوب كما يمكن تسليحه وحشده بسهولة تحت شعار " جوك السنة ، وسيفعلون كذا وكذا " وهذا كله امر مرتبط بالحالة العامة للوعي وممارسة الأنظمة الحاكمة . . 8- يدرك كل من يحتكم على قدر مناسب من الوعي السياسي والفحص الواقعي للتجربة السياسية في العراق ان نظام صدام حسين لم يكن نظاما سنيا ولا قوميا باي معنى من المعاني وكذلك فهو لم يكن حتى تكريتيا ، وانما هو نظام تمكن فيه فرد من تطويع كل شيء لذاته المتضخمة ووجوده الفردي المطلق وانه كان يصبح مرّة قوميا ويعادي مرات أسس القومية ومتطلباتها ، ويغازل الأممية والاشتراكية وبرجنيف حتى تخاله قد ارتبط عضويا بها لكي يشتط عنها لاحقا الى افق مناقض يتمثل في السعودية وفهد ، وفي سلوكه العملي الذي كانت تمليه هواجس الامن الشخصي اكثر من أي شيء آخر كان يزعل من هذه العشيرة السنية فيعزل من ينتسب اليها ليقرب تلك ، ويتوجس من هذه المنطقة ليبارك ولاء تلك ، فرأيناه يقرب الجبور ليبعدهم لصالح الدليم ثم يتشكك بهؤلاء فيقرب المشاهدة وهكذا ، وكذلك كان الحال مع سامراء او عانة او راوة او حديثة ...وبناءا على ذلك لا اجد انه من الغريب ابدا، ان يتبنى، ذات يوم ، نهجا متشيعا يزاوج بين الشيعة والسنة بنسبٍ يرتأيها وبكيفية يرتاح اليها ، خصوصا وانه كان قد بدأ يصدق ويروج لكونه من سلالة اهل البيت . والطريف ان اصل هذه الحكاية التي اعتمدت شجرة نسب روج لها خير الله طلفاح واصدر وفقا لها في منتصف السبعينات كراس بعنوان " أولئك آبائي " لم تكن من بنات أفكار طلفاح نفسه ، بل " اخترعها " وسعى بها الى طلفاح دعي وانتهازي شيعي ، ادعى انه نسابة ، وقد سخر منه طلفاح اول الامر وانكر ذلك ، كما روى لنا في حينه صديق العائلة السيد " زكي التكريتي " الذي كان مرافق طلفاح وسائقه خلال أيام مجلس الخدمة العامة والذي كان يخبر اخي الأكبر انه ابن اخت خير الله الثانية وابن خالة صدام ، ولا اعرف مدى صدق هذا الادعاء بالقرابة الحميمة ولكنني واثق من صلته العائلية القريبة بعائلة طلفاح ، اما من ناحية انكار خير الله لذلك الادعاء في البداية فقد أكده لي، شخصيا ، مصدر آخر بعد سنوات عديدة ، وهو السيد " منيب العبيدي ، أبو رهيب " والذي كان معاونا لخير الله في مجلس الخدمة ورئيسا للجنة بيع السيارات الحكومية فيه . على اية حال ، سرعان ما تبنى خير الله هذا الادعاء واقتنع به صدام وروج له ، ووجد له في الاعلام الرسمي من يلفق حوله القصص مثل " المعجزات " او ما يشبهها والتي شهد ببعضها حميد المطبعي ، على سبيل المثال ويلوح لي الان ان صدام كان سيطير فرحا لو ان القيادة الإيرانية الإسلامية قد اقرته على ملكه ودعمت ادعاءه بانه سليل العترة ، اذن لعرفنا وعشنا تاريخا آخر ! لكن وكما تفضلت بالنسبة للحكيم كان هؤلاء يحرصون على زعامة أخرى وولاء من نوع آخر ! 9- يبدو لي ان ثمة إرادة خارجية في استثمار الأمور وتوجيهها توجيها معينا يخدم غاياتها القريبة والبعيدة ويمعن في العراق وشعبه تمزيقا وتشظية ، والاّ فلماذا حوكم صدام في اقل الدعاوى مناسبة لمحاكمته وهي " قضية الدجيل " ولماذا تم تناسي الوف الضحايا منذ سبعينات قصر النهاية الى مذبحة القيادة القطرية لحزب البعث مرورا باعدامات مئات الشيوعيين وابادة عوائل كاملة منهم الى جرائم الإبادة ضد الاكراد ومنها حلبجة الى تصفية واعدام القوميين العرب والبعثيين من اتباع القيادة القومية السورية ،...لماذا تم تناسي اعدام الدكتور رياض الحاج حسين بتهمة الاتفاق مع الخميني ضد الجرحى العراقيين (!!) وقتل راجي التكريتي بطريقة بشعة بل واعدام عمر الهزاع وولديه دون تهمة او محاكمة ورقص الطاغية الجوبي وهو مخمور في بيت الضحية في اليوم التالي ؟! لماذا سُلم صدام ،بعد تَمنع ، الى المالكي مع ايحاءات قوية بانه سيتم تهريبه خلال أيام ولكي يسارع المالكي الى تنفيذ حكم الإعدام به في اقل الأوقات مناسبة لذلك خوفا من تهريبه ولماذا سمح بالهوسات ذات الطابع الطائفي لمن شهد إعدامه ومن ثم تسجيلها وتسريبها ليتحول الضحية الى جلاد ؟!ولماذا قدم ممثلين وناطقين باسم " العرب السنة " للعملية السياسية وضدها كان مثلهم الأعلى صدام حسين وكأنه كان حامل لواء العرب السنة ؟! 10- كل هذا ، أيها العزيز ، وهو نزر قليل على سبيل المثل لا الحصر ، مما لا يخفى عليك وعلى كل لبيب ، خيوطا مقصودة في نسيج ضام واحد ، علينا تفكيكه بأكبر ما يمكن من الحرص والعناية ونقده بوعي وطني عراقي ينأى بنفسه عما يراد له من حبائل الفئوية والهويات الفرعية ، مهما تعاظمت الضغوط وكبر حجم المعاناة .مع خالص مودتي وتقديري .