اللامجتمعية الرافدينية: فك الازدواج والكونية الثانية

عبدالاميرالركابي
فرض على العراق ابان ما يعرف بالعصر الحديث، نمط من تقبل الرؤى الغربيه، ومن غلبة النموذج الغربي السائد، بمختلف تجلياته الكولونيالية الاستعمارية، او الليبراليه، او تلك التي تنتمي الى الاشتراكية التوهيمة، وكان مثل هذا النمط النموذجي من تبني النمط المستعار، قد تداخل اصلا، مع شكل من الصدام والاصطراع مع الغرب الوافد، بالاخص بعد حضوره عام 1914/1917 وما نجم عنه من اليات امحائية، وتحويرية للنموذج التاريخي.
هذا المسار يقتضي التوقف عند نقطة، هي الاهم، والفاصلة، المطموسة من بين تاسيسات الرؤية المعتمدة للغرب الاستعماري، وطريقة فعله، واغراضه في العراق، فمسالة وشكل ظاهرة "الاستعمار"، كما هي مشاعة، ومتعارف عليها، سواء لدى المنظرين الاقتصاديين، او التاريخيين، والسياسيين، مما يمكن تسميته ادب التحرر، او ادب توصيف الظاهرة الاستعمارية، ليس هو، او ليس بالحتم صائب، او مطابق للحقيقة، وكاشف حقيقي عن طبيعة الظاهرة العالمية المستجدة، المواكبه للثورة الراسمالية، واشكال تمظهرها، وتطورها، وكذا وبناء عليه، طريقة فعلها في المناطق والبلدان ماقبل الراسمالية، الساعيه لاخضاعها لهيمنتها، الامر الذي لاشيء يمنع من تحوله عند لحظة، او موضع استثناء، الى غير ماهو عليه، على المستوى العام، ويفترض مثل هذا الشكل، او النوع من الفعل المختلف، احتمال وجود اليات فعالة، خارج الغرب، لم يجر، لابل تم تعمد طمسها، لصالح فكرة احادية، تقول بان الغرب هو الظاهرة الوحيدة الحية، والصاعدة، والمتمتعة بما يمكن احالته الى المظهر الحي الكوني.
وينطوي مثل هذا المفهوم، على كل مامتعارف عليه، من نزوع مركزي اوربي، حديث، قد لايكون بحد ذاته، مهما، اذا تعلق الامر بالحقيقة الواقعية، المرتقية الى مصاف الحقيقة العلمية، فالقول بان الغرب ظاهرة كلية، قد يكون من قبيل الاستغلال الالي، المضاد لمقومات المعرفة، بالاخص اذا كرس مثل هذا المفهوم، فكرة استحاله احتمال "مابعد غرب"، واقفل التاريخ كليا، واوقفه عند اعتاب ظاهرة بعينها، مهما يكن مستوى فعلها، اوضخامه منجزها، وما قديصعب بالاصل مقاربة مثل هذا الاحتمال، قبل الكشف عنه، عدم تجسد، لابل واختفاء اعراضها في الممارسة، تحت ثقل الافكار الشائعه والمتداولة، كأن مثلا يتعذر التفريق بين علاقة تقوم ميكانزماتها، واشكال تطبيقها، على غرض "الهيمنه"، واخرى يكون شكل مقاربتها،مشروطا بعملية تحوير بنيوية، كما حصل في حالة العراق، بحيث اضطر الاستعمار البريطاني من اليوم الاول، لان يغير شكل مقاربته الاستعمارية المعتادة ليتبنى، نمطا اخر مختلفا كليا.
واي قراءة للفترة من تاريخ نزول القوات البريطانية في الفاو، عام 1914 وهي معباة بنظرية الاستعمار الكونيالية الهندية، المتغطرسة، الاستملاكية، شبه الاستعبادية، حتى 1921 انقضت الثلاثة الاولى منها، في حرب الصعود من البصرة، الى بغداد بصعوبه، وسته اشهر من الثورة الشعبية، كتبت المس بيل في غمرتها تقول واصفة حال الجيش الريطاني " ان نهاية الامبراطورية الرومانية، تعتبر اقرب حدث تاريخي يقارن بوضعنا في الوقت الحاضر" لتبادر الهيئة الاستعمارية في لندن، للتفكير الجدي بالانسحاب، او اقامة نوع من "الاستعمار الجديد " المبكر، مختارة احتمال الخمسين بالمئة من فرصة البقاء في العراق، بشرط "الحكم من وراء ستار"، والعمل على اقامة حكومة من "اهل البلاد"، قبل المبادرة لاعتماد قانون التسوية، الاساس الاهم من حكومة بغداد، كقاعدة لاامل باستمرار الحكم من دونها، اي "تغيير البنية الكيانية المجتمعية"، وشكل ملكية الارض الزراعية، وتحويرها، وهو ماسيصبح المبدأ الاساس في كل مقاربة الغرب اللاحقة، للعراق واوضاعه، بالاخص بعد ثورة 1958، التي كررت نفس مازق ثورة 1920، واوجبت قبول حكم عقائدي، ريعي، عائلي، من احزاب اعيد تحويرها لتوائم اغراض الحكم، ومقتضيات استكمال عملية تحوير البنية المجتمعية الوطنية، على ركيزتي، الريع، والعقيدة اليسارية، والقومية.
ونحن نضع اليوم وهنا، نمطا اخر من انماط قراءة تاريخ العراق، وظواهره، والافكار والقوى والتيارات التي عرفها، خلال القرن العشرين. في محاولة هي الاولى والتأسيسية للمنظور الوطني الغائب، والمطموس على يد قوى الاستعارة والتحوير، دعية تمثيل الوطنية العراقية، من امثال اشكال الحزبية الايديلوجية الزائفة : الماركسية المصادر، والقومية، والليبرالية. وحيث نركز النظر على العامل التحويري، في العلاقة مع الغرب، فاننا نلفت النظر الى الخاصية الكونية، التعاقبية، لطبيعة الصراع الواقع على ارض الر افدين، وقتها واليوم، والمتاججة مع حضور الغرب المباشر، مع مايتصل بمثل هذا النوع من التصادم، ويترتب عليه، من ابعاد تاريخية ومفهومية، متجاوزه لما هو معتمد، سواء في النظر للظاهرة الاستعمارية، وتجلياتها، وموقف الشعوب المستعمرة منها، او بما خص ظاهرة الغرب الحديث بالاجمال، والحقيقة الكونية المتصلة بالزمن الاوربي، وابعاد وحقيقة حضوره على مستوى الكوكب، واذا كان انتقاليا، او من قبيل الظاهرة القاطعة، الباته، التي تنهي اي مظهر يمكن، او يحتمل ان يوميء الى مابعدها.
احتلت بريطانيا مصر، باهلها، وبملاك الارض فيها، مدة 75 عاما، ولم تضطر لاختلاق " طبقة" من ملاك الارض، تنتزعهم من ارضهم، ومن بين ابناء جلدتهم، بعد ان هيات الاطار لسلخهم، من موقعهم التاريخي، وشكل علاقاتهم المشاعية الديمقراطية بمحيطهم، ضمن مجتمعيتهم، ودولتهم التاريخية "اللادولة"، ولم تتوقف عملية التحوير، عند هذا النطاق، بل تعدته الى قاعدة اللادولة المشاعية، مع الاختلاق المفهومي للعراق الحديث، المنبثق من " الارتباط بالسوق الراسمالية العالمية"، على وفق ماقرر فليب ويرلند، الضابط الملحق بالحملة البريطانية، ووافقته عليه كل الاحزاب الحديثة الايديلوجية، ماركسية، وليبرالية، وغيرها، من تلك الثي ظهرت وتعاظمت مكانتها، منذ الثلاثينات من القرن المنصرم. وبهذا تكون عملية التحوير، قد اتخذت طابعا شاملا، وصارت القوى المعروفة بالتحررية، والمضادة للاستعمار كما ظلت توصف، جزءا اساسيا من عملية التحوير الدائرة، بحسب مقاييس التصادم الكوني الاشمل، بغض النظر عما يقال عنها، بحسب مقاييس مستعارة من خارج الحالة، ونوع التجربة.
ولايغير من الامر في الجوهر، كون بعض هذه القوى، او الاحزاب، قد اكتسبت ضمن ظروف بعينها، مكانة شعبيه، ووجدت قبولا جماهيريا، فعملية التحوير الطويلة، لم تكن لها وجهة وحيدة، وهي لاتسير بحسب ارادة احد الطرفين دون الاخر، فالواقع العراقي المزدوج التحولي، اللاثباتي، واللامجتمعي، لم يتوقف عن مواجهة ماقد طرا، من اعتراض داهم ذي طابع تاريخي، غير عادي، لمسار تاريخه الحديث، ولدورته الحضارية الحالية الثالثة، المبتدئة من القرن السابع عشر، ولم يكن هو قد استسلم، او كان من الممكن جعله يستسلم، بدون اختبار تاريخي كانت نتائجه النهائية، ستحدد لامصيره، بل مصير العملية التاريخية على صعيد الكوكب، وبخلاف المنظورات والاحكام الايديلوجية، والمدرسية الببغاوية، وحتى الاكاديمية المرتكزة للمنهجية الغربية، فان مااتصل بمصدر القوة، او الطاقة الحية القصوى، الكامنه في الطرفين، الغربي بحداثته، والتحولي الازدواجي اللامجتمعي العراقي بلامجتمعيته التاريخية، كان قد اوجد لوحة غاية في الدينامية، والدراماتيكية غير المسبوقة، او المماثلة في اي مكان من العالم، غطى عليها، وازاحها من المشهد، قصور الادراك الآني، والرضوخ التصوري، وليس الواقعي لافتكارات الغرب عن نفسه، وعن العالم.
ان تاريخ العراق الحديث، لم يقرا بعد، وبالاخص على قاعدة، ووفق منهجية التحويرية الغربية، لا الاختلاقية التبسيطية الغربية، المسطحه، والمصممة لخدمه اغراض التحوير. والحزب الشيوعي مثلا، الذي وجد كاساس في مجتمع اللادولة الجنوبي، لافي بغداد العاصمة،/ المفترض بها ان تكون اكثر تبلورا طبقيا/ كان قد حضر بصفته ضرورة راهنة، بحسب مقاييس اللحظة التحويرية، وضغوطها، قبلتها المشاعية الجنوبية، ومجتمع اللادولة المحاصر، برغم غربتها عن البنية التي "استخدمتها آنيا"، وبغض النظر عن شكلها التحويري، الاكراهي الحزبي اللينيني، واجمالي منطويات النظرية الماركسية، باعتبارها مفهوما نكوصيا على المستوى الكوني، بمقابل الغايات التحولية الرافدينية. ماقد اوجد حالة استعمال للشيوعية من قبل مجتمع اللادولة، ومجالها المجتمعي التاريخي، بمايوائم لحظة صراعها الرئيسي، من دون التخلي عن الصراع معها، والسعي لوضعها داخل اليات تحوير معاكس، وصولا الى التصادم معها، واخراجها من نطاق الفعل الشامل، قبيل وبعد ثورة 14 تموز 1958( بدا الصدام ابان انتفاضة 1956 بعد الكونفرنس الثاني للحزب، والذي اعتمد يناء على ماكان اشاعة المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، اسلوب النضال السلمي، واضطر الحزب للتراجع عنه، تحت ضغط الجماهير، وانتفاضة الحي، ودفع بسلام عادل لاصدار بيان يتراجع فيه عن مقررات المؤتمر السلمية) وصولا لانقلاب هذه الاداة، من موقع الى موقع اخر، مضاد، ومندرج ضمن وسائل التحوير الغربي، والامر لهذه الجهة، وان اختلف من حيث التجليات التفصيلية، والمآلات، ونوع الادوار، ينطبق ايضا، على بقية القوى الحزبية الايديلوجية، وعلى مصيرها، ومسارات حركتها المنتهية اليوم، الى الاندراج الكلي المعلن، ضمن مشروع الغرب الاحتلالي، الابادي للعراق ووجوده، منذ الغزو الامريكي عام 2003 وقبله منذ 1990. 
افلست التحويرية الغربية، وتراجعت قدرتهاعلى ادارة الصراع بحسم، مع البنية الرافيدينية، مادفعها لان تنحو نحو الابادة الوجودية، مستعينه بقوى مايسمى الوطنية الحديثة، الحزبية الايديلوجية، والاسلاموية، بينما الافق ينفتح على الطور النهوضي الرافديني العراقي، وعلى الحركة الوطن/ كونية العراقية، المتعدية للتحويرية الغربية، والمتجاوزة لها. وهو ماسيكون مشروطا ومترافقا، مع انقلاب تاريخي، يشهد عملية" فك ازدواج" المجتمعين، لصالح مجتمع اللادولة التاريخي، وانتصاره اخيرا، ايذاننا ببدء الدورة الكونية التحولية الثانية.