المتعصب الجاهل و المثقف المتعصب – دروس من واقع المشهد السياسي

زياد العاني

يقول أبن رشد "أذا أردت أنت تتحكم في جاهل فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني"
التعصب يعمي و يصم ويسد كل منافذ العقل، و يعطل التفكير ويصبح المتعصب سهل الانقياد لان عقله اصبح أسير أفكار جامدة غير قابلة للنقاش مغلفة بمقولات الحلال و الحرام فيضيق العقل و يتعطل التفكير و " العقل الضيق يقود دائما الى التعصب" كما قال أرسطو .

الخطورة هنا تكمن في أن يتحول المتعصب الى شخص مؤذ و مخرّب قد لايدرك ما يقوم به بسلوكه و أفعاله نتيجة توقف عقله عن التفكير " و العقل المعطل هو ورشة الشيطان" كما يقول المثل الصيني. لذلك يسعى المستعمرون لتحقيق غاياتهم من خلال تجهيل الشعوب و خلق مجاميع متعصبة ضيقة التفكير يقودها أفراد يبثون أفكارا وينشرون رسائل دعائية يتقبلها هؤلاء الجهلة بمشاعرهم فقط لانعدام وسائل التفكير لديهم، هؤلاء الافراد (القادة) يجمعهم حب المال و هوس السلطة أو الهوس بأفكار دينية متطرفة تسيطرعلى أفراد أو جماعة معينة ويتميز بعضهم بثقافة خطابية تستثير عاطفة الجمهور المجهّل (بضم النون) هؤلاء هم المثقفون المتعصبون.

يقول تشومسكي في تلخيصه لوثيقة " الاسلحة الصامتة للحروب الهادئة" و التي سماها بالوصايا العشرة للسيطرة على الشعوب بأن أحد تلك الوصايا هي: " مخاطبة العاطفة بدل العقل حيث أن التوجه الى العواطف هو الاسلوب الكلاسيكي لتجاوز التحليل العقلاني، و بالتالي قتل ملكة النقد. بالاضافة الى ذلك فأن أستخدام السجل العاطفي يفتح الباب أمام اللاوعي ويعطل ملكة التفكير، و يثير الرغبات أو المخاوف و الانفعالات"

يتولى المثقفون المتعصبون العمل على خلق أبواق دعائية لهم ( الجيوش الالكترونية مثالا) تعمل على بث و نشر أفكارهم من بين فئة من الاعلاميين الذين يتقبلون بطريقة ما أفكار هؤلاء القادة المخادعين حيث تنطوي عليهم أو ربما ينزلقوا بمحض أرادتهم بتبني هذه الافكار و الشعارات الرنانة التي تخاطب تلك العواطف فتتعطل لديهم ملكة النقد والتحليل العقلاني كما يتقبلها المتعصبون الجهلة.

الدروس من الواقع نجدها في المشهد السياسي و الاجتماعي العراقي والعربي عموما،المتعصبون الجاهلون بالملايين و المثقفون المتعصبون بالآلاف أو عشرات الآلاف. وقد تجلى ذلك من خلال المواقف الاخيرة من الحصار الامريكي على ايران حيث الانقسام بين مؤيد يراه فرصة للتشفي ومعاقبة ايران على دورها في حماية النظام السياسي الطائفي الفاسد وتدخلاتها واستيلائها على مياه وآبار النفط العراقيةولا يرى اي تأثير سلبي لهذه العقوبات على العراق ومعارض يعتبرها مؤامرة لتقويض نظام ايران الذي يعتبره صِمَام الأمان لاستقرار وحماية العراق و ينكر اي دور سلبي لايران ويكذب ابسط الحقائق . وقلة هم الذين يتبنون. مواقف متوازنة.

هؤلاء المثقفون في تعصبهم الفكري لايرون.. فيما يتعصّبون له إلا الإيجابيات والمحاسن حتى ولو لم يقتنعوا داخليا بما يتعصبون له، وفي حالة التعصّب ضد الآخرين، فإنهم لا يرون سوى المعايب والسلبيات، وهو شعور داخلي يجعل الإنسان يرى نفسه على حق ويرى الآخر على باطل، ويظهر هذا الشعور في صورة ممارسات ومواقف ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الإعتراف بحقوقه وإنسانيته ويتهرب من المناظرة والنقاش؟

من منشور كتبته قبل عام قمت بتعديل بسيط يتناسب مع الأوضاع الحالية.