اجتماع النواة إنجاز ام فشل؟

منتظر ناصر
زاد التصدع السياسي بين الجبهتين الشيعيتين: الأولى الفتح برئاسة هادي العامري ودولة القانون بزعامة نوري المالكي، والأخرى ائتلاف سائرون بزعامة مقتدى الصدر، والنصر برئاسة حيدر العبادي، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، بعد الاجتماع الذي دعت اليه الأخيرة بحضور ممثل ائتلاف الوطنية صالح المطلك في فندق بابل وسط العاصمة بغداد.
فبعد غزل وحوار بين قطبي الجبهتين "سائرون" و"الفتح" دام لشهور، بات من المرجح تشكيل ائتلاف حكومي من أحد الجبهتين، وذهاب الأخرى جبراً، الى المعارضة، وهذا ما أظهرته التطورات الأخيرة التي رافقها تكتم شديد، لأسباب عديدة أبرزها التدخلات الخارجية، وتقاطع المصالح، وازدياد الفجوة بين الخصوم السياسيين.
نهاية اجتماع فندق بابل مساء أمس الأحد، دون إقامة مؤتمر صحفي، زاد من شكوك المتابعين بامكانية حسم الأمر سريعا، فقد روج المناوئون لفشله تحت ذريعة العجز عن تحقيق الهدف بتشكيل الكتلة الأكبر، وعدم حضور المدعوين، أما أنصار المجتمعين، فقد أكدوا نجاحهم "الباهر" بقطع شوط كبير لتشكيل "نواة" الكتلة الموعودة والتي سيوكل اليها أمر تشكيل الحكومة القادمة.

بدعة "النواة"!!
يمكننا اعتبار فكرة "النواة" ثاني أسوأ مفهوم تبدعه القوى الشيعية المشاركة في السلطة بعد تأسيسها لمفهوم الكتلة الاكبر والذي عرّفها بأنها التي تلتئم في أول جلسة داخل البرلمان، وليست هي من تحصد أعلى الأصوات في الانتخابات، وذلك في العام ٢٠١٠ على خلفية حصول قائمة علاوي "السنية"، أو ما عرفت بـ"الوطنية" على أعلى الأصوات، بنحو 100 مقعد، ما انعكس سلبا على الأداء السياسي الذي صار مرتهنا بتشكيل هذه الكتلة، فضلا عن إفراغ النظام السياسي من روح التنافس الانتخابي وإطفاء جذوته بين الناخبين، وزاد من حضور المحاصصة والتوافق، لأن الفوز بأكبر عدد من المقاعد لم يعد هاجسا للكتل السياسية ولا للناخبين، كونه لا يضمن الحصول على منصب رئاسة الوزراء.
تأتي اليوم فكرة "نواة الكتلة الاكبر"، في ظل هذا الوضع العقد، المليء بالمشاحنات والانسداد السياسي، كفكرة جديدة لم تكن مطروقة سابقا، ربما يكون مردّها لعجز وتأخر المجتمعين في تأليف التحالف الحكومي المرتقب، واعتبارها مخرجا لهم من الاحراج الذي قد يكون أصاب الصف الأول من قادة تلك الكتل، لكن الغاية الأبرز فيما يبدو جاءت لقطع الطريق أمام الجبهة الشيعية الأخرى (الفتح، ودولة القانون)، ومنعها من القيام بخطوة مماثلة قد تكون مدعومة من شركاء سياسيين اخرين، لاسيما بعد إعلان الأخيرة اليوم الاثنين، في تأكيد عزمها السابق على تشكيل الكتلة الاكبر اعتمادا على وعود تلقتها من كتل سنية وكردية قطعت شوطا كبيرا في مشوارها التفاوضي.

"النواة" حل أم مأزق؟
قد تكون فكرة "النواة" خطوة سياسية ذكية لليّ ذراع الخصوم، لكن انبثاقها يطرح أسئلة عدة أبرزها: كم ستصمد هذه النواة اذا لم تجد التربة والماء المناسبين كي تثمر؟ وماذا سيفعل اصحابها اذا أقدمت الجبهة الأخرى على تشكيل نواة مناهضة؟ وما هي الية التعامل معها في ظل ازدياد المشهد سوءا وتعقيدا؟
هذه الفكرة ستؤسس بالضرورة الى إرساء تقليد جديد وخطير نسبيا، وهو إمكانية اجتماع ممثلين لكتل كبيرة أو صغيرة، واعلان "النواة"، حتى لو لم تكن متفاهمة فيما بينها على مشروع سياسي محدد، لقطع أي طريق أمام الكتل الأخرى، وقد تضطر الآخرين للانضواء فيها.

الموقف من "النواة"؟
يبدو أن صمت الأحزاب السنية والكردية، وعدم حضورها لاجتماع قادة "النصر" و"سائرون" و"الحكمة" و"الوطنية"، كان مناورة للضغط من اجل الحصول على مكاسب أكبر، أو هو مراوحة في المكان لعدم التوصل الى اتفاق داخلي، فالأنباء شبه المؤكدة تشير الى ضغوط أميركية بضرورة التحالف مع جبهة العبادي والصدر والحكيم، الا أن عيون الحزبين الكرديين ترنو الى زيادة الموازنة، والمرونة في ملف المناطق المتنازع عليها، عبر إشراك قوات البيشمركة الى جانب القوات الاتحادية. فيما تعيش الأحزاب السنية عاصفة من الخلافات حول المناصب التي تتوقع الحصول عليها، وأبرزها رئاسة البرلمان ووزارتا الدفاع والتجارة.
وربما يندرج في هذا الاطار، ما أعلن عنه اليوم الاثنين، من مباحثات لممثلين عن "الفتح" في اربيل مع مسؤولين في الحزبين الكرديين الرئيسين (الديمقراطي والاتحاد الوطني) والمحور السني، لكن الإصرار على عدم الحضور طويلا ربما سيفاقم التعقيد، وينهي مفهوم "الكتلة العابرة" التي نادى بها المجتمعون طويلا.

الأغلبية السياسية
المضي في مقاطعة الفتح ودولة القانون سيضع خطوة أولى، وان كانت خجولة في مشروع الأغلبية السياسية الذي ينادي به الجميع، لان ذلك يعني عدم مشاركة كتلتين مهمتين في الائتلاف الحكومي لأول مرة في تاريخ العملية السياسية، الأمر الذي قد يفرز أول كتلة برلمانية قوية معارضة.
ختاما.. يظل اجتماع "فندق بابل"، علامة مهمة في سير العملية السياسية، لا من حيث النتائج، بل لكونه أول اجتماع لقادة الكتل السياسية خارج المنطقة الخضراء، وهذا مؤشر جيد على استتباب الأمن في العاصمة بغداد عقب ١٥ عاما من الاٍرهاب والتفجيرات والاغتيالات.

العالم الجديد