في وداع سمير أمين"2"

نصير المهدي

لم أكن أنوي في الجزء الاول من هذا المنشور أن أقدم دراسة عن سمير أمين واسهاماته الفكرية الكبرى ذات الطابع العالمي وإنما أردت القيام بواجب الوفاء لقامة عملاقة في الفكر وقضايا الشعوب فضلا عن أن أذكر به لمن يعرفه وأنبه اليه من لا يعرفه ولا غنى عن القول حقا من لم يقرأ سمير أمين لن يعرف طبيعة العلاقات الدولية وخاصة دور الإقتصاد فيها وفي الأمور ذات الطابع السياسي كالحروب والهيمنة والإستغلال والإحتلال والنهب والحصار . 
وحيث أن عرضا وافيا لأفكاره تضيق به مثل هذه المساحة المحدودة والخشية من الضجر التي يبديها القارئ الكريم إزاء الموضوعات الطويلة والمتشعبة فضلا عن مواضيع الاختصاص لكني أحاول هنا إبراز أهم الملامح لمشروعه النظري الكبير حقا داعيا من لديه الرغبة في تطوير معارفة حول طبيعة الأنظمة الاقتصادية السائدة والعلاقات الدولية الراهنة التي لا تقتصر على الوجه الإقتصادي إنما تلم بكل جوانبها الأخرى أن يقرأ منجزاته الفكرية الكبرى المتوفرة على هذه الشبكة العنكبوتية .
وإن كانت هذه العلاقات تقوم بداهة على إختلال كبير لصالح الغرب ليس بسبب التفوق التقني والمعرفي ولكن بتدبير أيضا وهذا العالم اليوم ضحية لمثل هذه السياسات التي وإن كان تنادي بالحرية الإقتصادية سواء في العلاقات بين الدول أو في البناء الداخلي فإنها في الواقع العملي لا تترك أي دور لهذه الحرية لتحرك مفاعليها الخاصة بل وتستخدم وسائل أخرى كثيرة في هذا الصدد أقلها الحصار الإقتصادي وأكثرها الإحتلال وبينما تستخدم دول كبرى عديدة وسائل غير إقتصادية فإنها تستخدم دعاوى الإقتصاد الحر في تدمير منظم لاقتصادات بلدان عديدة والعراق يقدم نموذجا صارخا لهذه الوسائل .
ومن يقرأ سمير أمين سيجد نبوءات حقيقية عن هذه الأوضاع التي هيمنت على المنطقة العربية والتطورات التي شهدتها المنطقة وخاصة لشراهة وشراسة الهجمة الاستعمارية التي تتعرض لها وإنهيار التجارب القائمة وصعود الاسلام السياسي وزيادة الإرتباط والتكيف مع شروط الهيمنة الاستعمارية . 
وحقا سيجد المراهنون على رافعة أميركية أو غربية تدخل العراق في عصر الإزدهار والتطور والنمو أن آمالهم لا أساس واقعيا لها فهذه ليست مهمة المركز الذي يقوم على نهب العالم والسيطرة على مقدراته حتى بدون مقابل خاصة في مرحلة الاستعمار الجماعي والمشترك كما يسميها سمير أمين بقيادة اميركا . 
ولا يتوقع بالطبع من الطبقة السياسية الحاكمة في العراق أن تضع معالجات وطنية لمشكلات العراق الإقتصادية المتفاقمة لأنها جزء من المشروع الأميركي وغاياته من إحتلال العراق وفي مقدمها ربط العراق ربطا محكما بشروط الغرب المجحفة وتدمير إمكاناته على النهوض والسيطرة على موارد الطاقة فيها في إطار السعي للسيطرة التامة على هذه الموارد والتحكم من خلال هذه السيطرة في مصير العالم وإجهاض التطلعات المستقلة التي تخطها دول عديدة في الأطراف . 
والبديل لهذا هو سياسة إستقلال إقتصادي تمتلك إمكانات داخلية ودولية حين يتم تغيير نمط الحياة الإقتصادية في هذا البلد أو ذاك من نموذج إستهلاكي تصنع توجهاته ورغباته الدعاية والإعلام خاصة في زمن العولمة فضلا عن تكيفه مع حاجات ومتطلبات التوجهات الغربية عموما الى آخر منتج يقوم على تلبية حاجاته الداخلية وهدف رفع مستوى المعيشة لمواطنيه وتحقيق هدف التمنية وتعزيز علاقات تكافؤ إقتصادي حقيقية مع الاطراف الخارجية وتقدم الصين والهند نموذجا واقعيا لمثل هذه السياسات كما أن مجموعة البريكس BRICS التي تضم البلدان التي تحقق معدلات متصاعدة في النمو والتي تبحث عن عالم يسوده العدل وتنتهي فيه الأحادية القطبية التي تسعى اليها أميركا وتحاول فرضها على العالم حتى حلفائها تشكل البريكس أملا حقيقيا في القدرة على تعديل شروط الوضع الإقتصادي العالمي المجحفة بحق البلدان النامية والمتخلفة ولست هنا في معرض تبسيط الأمور فعلى الأقل أدرك تعقيدات الوضع الدولي سياسيا وعسكريا وإقتصاديا ولكن هذا في معرض الإشارة الى أن البدائل متوفرة وممكنة .
من المصادفات المهمة أن يرحل سمير أمين مع أوضاع إقتصادية متدهورة في ثلاثة بلدان هي العراق وإيران وتركيا ورغم إختلاف معطيات الأوضاع الإقتصادية والسياسية في البلدان الثلاثة ولكنها بدون شك تدفع ثمن غطرسة الغرب ولتركيا خصوصية متميزة " سأخصص لاحقا منشورا مستقلا عن وضعها " كونها حليفا إستراتيجيا للغرب وجزءا من منظومته العسكرية " حلف الناتو " وأداته في الكثير من خططه في المنطقة الملتهبة ومع ذلك لم تشفع كل هذه الأمور لتركيا في تلافي العقوبات والإجراءات التي نالت من إقتصادها واستقراها والمهم في كل هذا فإنها تقدم جوابا على أسئلة كثيرة في الوضع العراقي والأوهام التي تطلق في فضاء العقل العراقي منذ الإحتلال منها أن العلاقات الإقتصادية مع الغرب وإعتماد ما يسمى بالإقتصاد الحر والاندماج في المنظومة الإقتصادية الغربية لا يخلق وضعا إقتصاديا صلبا قادر على تجاوز الأزمات وحتى لو قامت البلدان الغربية الصناعية بتحويل العديد من صناعاتها من المراكز الى الاطراف لأسباب موضوعية كرخص اليد العاملة والقرب من المواد الأولية ومصادر الطاقة وغيرها أو صدر الغرب حجما كبيرا ملموسا من استثماراته ورؤوس أمواله بإتجاه بلدان الجنوب فإنها لا تعصم هذا البلد من هزات كبرى عند الضرورة وقد لا تكون هذه الضرورة إقتصادية كما أن العلاقات المفتوحة وغير المقيدة مع الغرب لا تؤدي حتما الى الرفاهية المنتظرة كما يتوقع الكثير من العراقيين والخلل في العراق بالطبع من طبيعة مختلفة حيث ليست هناك سياسة إقتصادية سواء حرة أو مقيدة أو حتى مجرد تفكير أو توجه لوضع مثل هذه السياسة .
للكلام صلة ..