مائيا: العراق لايحاج لتركيا وايران"1"

Submitted on Sun, 08/26/2018 - 17:58

عبد الامير الركابي

مقدمة في تاريخ الوطنية الثانية:
ربما يظن البعض ان مسارات الواقع العراقي، بين نهايايت زمن الدكتاتورية الصدامية، وصولا الى الاحتلال عام 2003، ومابعده، الى اليوم، كانت خالية من التبلور المضاد او ان الوطنية العراقية، لم تعرف خلال هذه الفترة وعلى ايقاعها التبلورات الضرورية المواكبه والمفضية الى الوطنية العراقية مابعد الايديلوجية، ومايزال الفرز بين نهايات دور قوى الوطنية الحزبية الايديلوجية الثلاينية، ونهاية دورها التاريخي عمليا،بالاخص وعلى وجه التحديد منذ ثورة تموز 1958 الى الوقت الراهن، يشوبه قدر كبير من عدم الاتساق، والافتقاد للعمود الفقري، ووحدة الايقاع والملامح، وبالدرجة الاولى، مقومات "التعسكر" المقابل، بما يتطلبه من افتراقات، وانفصال فكري وسياسي، وعلى صعيد المواقف، واجمالي الحركة.
ولايعود مثل هذا النقص الاساسي، لقدرة القوى الاخرى المنتهية الصلاحية تاريخيا ووطنيا، او ارجحيتها، على اي من الصعد الاساسية، واذا كانت هذه ماتزال الى الان حاضرة، وتمثل المرتكز المتوفر الجاهز للنظر والاحكام والتصورات، بما يخص المواقف العامة والتفصيلية، فان ذلك لايعود الى تميزها الاستثنائي، او لطاقتها، في اي من الميادين الحيوية، وهي بالاحرى قوى محكومة الى التراجع، لدرجة الخروج من نطاق الفعل، منذ اكثر من نصف قرن، وانتهت في الحصيلة، وكمآل من حيث طبيعة مشروعها، الى الكارثة الوطنية الراهنة، والتي يفترض على الاغلب، ان تفضي من حيث فداحتها، والتردي الشامل المتولد عن استمرار حضورها، الى الطامة الاقصى، والى الشرط التاريخي، حيث لا بعود الانسان العراق، قادرا على البقاء حيا، من دون العثور على المنفذ، وعلى السبيل الضائع المتعذر منذ قرون.
وقتها، لابل واليوم، يمكننا ان نرى بان معضلة التشكل الوطني الثاني، وتميز ملامحة، وسرديته التاريخيه، واستقلال معسكره، ناجم عن شبه استحالات مزدوجة، وانقلابيية استثنائية، منها عالمية تخص اللحظة المعاشة اليوم، ضمن سياقات التحول الحاصل، من بدايات القرن المنصرم، وماقد طرأ على المشروع الحداثي الغربي، من مظاهر الافول والتراجع، بمقابل شبه استحالة، تبلور الرؤية المقابلة الكونية، او ( الوطن /كونية) العراقية على وجه الخصوص، ( قد يكون كتابنا "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ " الصادر عام 2008عن دار الانتشارالعربي / بيروت ـ هو اول محاولة انفصال فكري ومفهومي وطن كوني عراقي، عن اجمالي المنظور الغربي، وعما يتصل به من تصورات ايديلوجية، ارسيت بعد العشرينات، ارتكازا الى مخطط استعماري، براني، مفبرك، لعراق لم يكن قد اكتمل تشكله الوطني، ولا شارف على التشكل بعد الامر الذي مايزال مستمرا الى الان) وماتزال الرؤية الغربية الاستعمارية الحديثة للعراق، هي الغالبة، وتتمتع بالقدرة على طمس الحقيقة الوطنية التاريخية.
والعراق عراقان، عراق بدا يتشكل من القرن السابع عشر، مع عودة الاليات التاريخية للعمل من جديد، اثر تراجع مفاعيل طور الانقطاع الحضاري الثاني( الطور الانقطاعي الاول يبدأ بسقوط بابل، حتى الفتح الجزيري في القرن السابع، ونتحدث هنا عن قانون ملازم لتاريخ مابين النهرين، وهو قانون موافق للكونية التحولية اللامجتمعية، الخاصة بهذا الجزء من الكوكب )، المستمر من القرن الثالث عشر وسقوط بغداد، بظهور الاتحادات القبلية في سومر الحديثة. وهو تشكل ودورة حضارية، مستمرة الى اليوم، لم تكتممل عناصرها بعد،. وعراق نشأ، وجرت فبركته بناء على المنظور الغربي، وفي سياق تحويري، قام على مبدا اجبار العملية التاريخية العراقيىة، على الاندراج تحت مفاعيل واليات المشروع الغربي الحديث، واقصى تشكلاته، "الدولة الامة" البرجوازية، او الاشتراكية التوهمية، بالضد من نظام "امة اللادولة" المطابقة لبنية وكينونة العراق التاريخية، والعالم كهدف نهائي تحولي.
عملية التشكل الرافديني، في الطور الحضاري الختامي الراهن/ الثالث،هي عملية كونية مقابلة، متجاوزة للغرب ومشروعه، وذاهبه الى مابعده، وهي بناء عليه، حالة انقلابيه شامله للمنظور الوجودي الانساني، محركها عبقرية موضع مؤهل، وموجود اصلا، لهذه الغاية، وهي تنتمي للرؤية الكونية الاولى الاشمل، على مستوى المنظور الانساني، التوحيدية "الابراهيمية"، نظرية التحولية ابان اشتراطات وظروف ماقبل التحقق التحولي الاعظم. اي انها لاتنتمي لمثل ممارسات الافكار والايديلوجيات التحويرية الغربية، بالاخص المستعارة، والتي لاتتطلب اكثر من الاطلاع على المصادر الجاهزة، الغربية، كايديلوجيات: ماركسية، وقومية، وليبرالية، تتمتع بقوة القياس على نموذج قائم، وعلى حضوره، وقوة فعله على المستوى العالمي، بما في ذلك وبالاساس، قوة مصادرته للحقيقة، وللممكنات التاريخية، خارج العملية التاريخية الاوربية، بصيغتها الحديثة المتاخرة.
مااسهل تحول من تحولوا منذ الثلاثينات الى: "ماركسيين"، و "قوميين"، و " ليبراليين" افذاذ، خلال بضعه سنوات، قضوها، اما في الدراسة، او الاطلاع على بعض موضوعات غربية، استعمارية وبرانية، ليصبحوا فجاة، منظرين خارج نطاق، وزمن وتاريخ، وبنية المكان الذي هم منه، من دون ان يعتبر هؤلاء كخونه لمجالهم التاريخي، والبنيوي، وللحقيقة المضمرة فيه، بحكم كونهم مرتكزين بالاساس، لا الى الواقع او ممكناته، او احتمالاته، بقدر ماكانوا جزءا من عملية برانيه، مفروضة باشكال متعدد، مباشرة، او مفهومية ونموذجية، غير مباشرة، والواقع والمعاش بعرف هؤلاء، "متاخر"، مصيره الذي يستحقه، ان يخضع للنموذج السائد الغالب، والاهم ان هؤلاء، يصرون على نفي والغاء، لابل وتحريم التفكير، او النطق باي حاضر مواز، يرفضه ويحرم الغرب التفكير به، او تصوره كممكن.
الامر الاهم الذي لم ينتيه هؤلاء الماخوذون بالتشبه المستحيل القسري بالغرب ، له، ان واقعهم العراقي، وراهنهم الواقعي، غير المتخيل،أو المستبدل، كان اعلى من طاقة النموذج الغربي على الاحتواء، ماقد فرض عليه، منذ اللحظة الاولى، نمطا من العلاقة، ينتمي لعالم التحوير البنيوي، وليس المعروف من اشكال الهيمنه الاستعمارية العادية الممارسة، الامر الذي منح هؤلاء نوعا من الحضور الايهامي، فزادوا من جرعة اعتقادهم بالفعاليّة، والاصرار على نسبتها للايديلوجيات التي يتبنونها. ماقد حولهم، هم بالذات، الى ادوات "احتواء"، اضطر الغرب لاستعمالها اخيرا، بالاخص بعد ثورة تموز 1958 .
مر العراق خلال تشكله الوطني الحضاري الثالث، الراهن، بحقبتين: الاولى قبلية، والثانية دينية تجديدية، بينما اتسمت الثالثة المتبناة مع طلائع القرن العشرين، بالتحويرية الغربية، فكانت الدولة والكيان، والايديلوجيات، وقوة الحضور النموذجي الغربي، محكومة في الجوهر لنفس الاليات المحركة، خلال الحقبتين الاولى، والثانية، فمجتمع واليات "اللادولة"، والازدواج المجتمعي، ظلت هي الطاغية، وهي التي تعين الوجهة التشكلية، وتمنح الفعالية المجتمعية طابعها، وسماتها الاساسية، وهو ماينطبق على حضور مختلف الظواهر الاحتوائية الغربية، في مجال الدولة والافكار والتيارات الحزبية الايديلوجية، فلا الحزب الشيوعي هو حزب الطبقة العاملة، ولا البعث قوة تمثل النوع المسمى قوميا ، كما ان القبلية الاولى، لم تكن قبلية تغلبية، ولا الدين التجديدي دينا بحتا، خارج تحويرات الايلة للادولة المدينية النجفية، التي تذكر بالدولة المقدسة الاولى، اريدو مدينة الالهه.
ذلك لايعني ان الحقبة الاخيرة، الايله للانتقضاء الان، تشبه كليا، ومن حيث التفاصيل، الحقبتين السالفتين، واللتين تحققتا بناء على العوامل والديناميات الذاتية البحته، فحضور الغرب الحديث، اختلف جوهريا، ومثل نوعا من التهديد للاليات البنيوية التاريخية، وهذه الاسباب نفسها، وانعكاساتها الخطرة، هي التي استثارت، واستفزت البنية التاريخية، ووضعتها على طريق الافصاح عن المؤجل، والخفي، اي عن ذاتها بعد سبعة الاف عام من التعذر.
ان تاريخ العراق الحديث، هو تاريخ الانقلاب التحولي الاعظم، وهو ومعطياته، وموضوعاته، لايتحقق كما الحال مع تشكل الايديلوجيات الحديثة، بالنقل والحفظ، ولان "قران العراق المؤجل"، هو صيغة ونص التحولية الزمنية البشرية، على مستوى الكوكب، فانه ليس مقدرا له ان يتبلور خلال سنين، او عقود، واشكال تجليه، وحالات وظواهر تبلوره، خلال العقود، سيحمل طبيعته الانقلابيه العظمى الكونية، الذاهبة بالانسان الى مابعد الحاضر الاوربي المتراجع.
ـ يتبع ـ