عن الاستقلال وخياراتنا الصعبة

Submitted on Tue, 10/30/2018 - 00:59

رعد أطياف

من ضمن الأسئلة التي تشغل حيزاً واسعاً في طريقة تفكيرنا يحتل السؤال التالي أولوية قصوى: لماذا لا نأخذ بأسباب التقدم الغربي وننهض بشعوبنا ونساهم بحركة الحداثة؟. وبالطبع على الرغم من أهمية السؤال، تأتي الأجوبة، عادةً، مبتور وانطباعية وانتقائية، وتتعرض إلى فصل نظري لا وجود له في الواقع، وهي أقرب للحصص المدرسية منها إلى الوقائع التاريخية. فنحن، على سبيل المثال، نفصل بين الحداثة والاستعمار، بين النهب والسلب والحروب التي قامت بها الإمبراطوريات والدخول الهائلة التي راكمتها حملات القرصنة على شعوب العالم. يستشهد الباحث الفلسطيني د.سيف دعنا بنص لعالم الاجتماع الأميركي إيمانويل والرشتاين الذي يقول فيه " لم تحقق أوروبا هذه الإنجازات التاريخية (تحديدا بناء "دولة الرفاه" و"الديمقراطية الليبرالية"، أو "حق الانتخاب العام") بشكل مستقل واعتمادا على مصادرها وثرواتها فقط. بل، كانت هذه الإنجازات ممكنة التحقيق فقط اعتمادا على نظام عالمي أوروبي المركزية سهل باستمرار عملية انتقال الثروة وتدفقها من مجتمعات الجنوب إلى مجتمعات الشمال. فمنذ ما سماه والرشتين "القرن السادس عشر الطويل" (١٤٥٠ـ١٦٤٠) تأسس نظام رأسمالي عالمي مكن أوروبا من نهب ثروات شعوب دول الجنوب بشكل مباشر، عبر الاستعمار الكلاسيكي، وغير مباشر، عبر منظومة عالمية (الاستعمار الجديد) سهلت انتقال وتدفق الثروة عبر آليات متعددة كالتبادل غير المتكافئ للقيم الاقتصادية والتقسيم العالمي الإجباري للعمل لصالح أوروبا..". إنها عملية تتم فيها، كما يقول سمير أمين، السيادة للمركز على حساب الأطراف ضمن عملية التبادل اللامتكافئ التي فرضتها القوى الدولية المتحالفة استراتيجياً لغرض الهيمنة على دول الأطراف وتركها في دائرة الفقر والتخلف ويمنع عليها الدخول في" نادي الأقوياء". لضمان فاعلية المركز وهيمنته تجري عملية الاحتكار الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والإعلامي و مراكز البحوث الإستراتيجية وخلق يد عاملة متطورة وبيئة رفاه اجتماعي، شريطة أن تبقى تلك الدول الطرفية مرتبطة بالمركز الاقتصادي المهيمن لدول المركز لضمان تدفق السلع والهيمنة على مصادر الثروة عبر عملية التبادل غير العادل. وتبقى البلدان الطرفية تعاني من العمالة الرخيصة وسوء توزيع الثروة والاعتماد على اقتصادات ريعية وفقدان أمنها الغذائي والدخول في حروب عبثية وعجز كامل عن توفير الأمن بكل مستوياته؛ فالدول العربية، وبالخصوص مشايخ الخليج بكل ما تملكه من ثروات هائلة، لا يمكنها توفير أمنها الغذائي والعسكري ولا تتمتع بنية صناعية وتقنية، إنها معرضة للسقوط في أي لحظة إذا ماتم التخلي عنها من دول المركز. إذا فهمنا كيف تشكل العالم وكيف توزعت مناطق النفوذ وما هو دور سياسة القوة في بناء هذا البلد أو ذاك سنفهم، على الأقل، سياسات المصالح والاستيلاء كيف تحدث. نتصور أن العداء الأيديولوجي للغرب هو أس البلاء وجذر معاناتنا، والحقيقة أبعد من ذلك بكثير؛ فأوربا حينما تطاحنت في حربين عالميتين كانت كلها دول رأسمالية ومتماثلة أيديولوجيا. نحن لا نملك ترف الاختيار في صناعة السلم والحرب ولا يحق لنا التصرف خارج نطاق النفوذ العالمي. هذه ليست نظرة عدمية وإنما قراءة الواقع كما هو، وحينما تفرض على شعب ما حرب مدمرة، كسوريا والعراق واليمن وليبيا، فهو لايملك ترف الاختيار. بعبارة أخرى، اليمنيون لا يعشقون الحرب والمقاومة، لكنها فرضت عليهم فرضاً، فهذا خيارهم الوحيد والمتاح للحفاظ على ما تبقّى من وجودهم. والقارّة الأفريقية حينما تم تغييبها بالكامل ونهب ثرواتها من قبل المستعمرين ومراكمة جهلهم وتخلفهم ليس لأنهم شعوب" متخلفة" بالجوهر، وإنما عمدت سياسات القوة إلى تدميرهم كلياً. بالمناسبة، الغربيون لا يحترمون الدبلوماسي العربي، هم يحترمونه بالقدر الذي يناسب نفوذهم، ولا يحترمون أي قوة تظهر في الشرق الأوسط تميل إلى الحلول الدبلوماسية، فهذا يعني أن هذه الدبلوماسية تتصرف خارج نطاق نفوذهم، فعلى " المارق" أن يدفع الثمن، وتركيا مثال ساطع ما إن ضغط الأميركان الزر حتىتهاوت تلك البنية الاقتصادية الكرتونية. شعر الأميركان بإهانة بسبب نجاح الدبلوماسية الإيرانية على خلفية الأزمة النووية بين البلدين، فلم يهدأ بال الأميركان، ومن خلفهم لوبيات الضغط، إلى أن ألغوا الاتفاقية، وعلاوة على ذلك فرضوا على الشعب الإيراني عقوبات مذلة. السلام والحرب ليس من اختيارنا، والبناء والهدم أمر موكول لنا بالنيابة!، وتراكم الأرباح في منطقتنا يجري حسب منطق التنمية المعكوسة؛ فماذا ينفع الشركات الاستثمارية البناء في اليمن قياساً إلى الأرباح الطائلة التي تراكمها شركات السلاح؟. تدميرالعراق وسوريا وليبيا واليمن تجني من وراءها شركات السلاح أرباحاً هائلة، فضلاً عن المشاكل المروعة التي ستتركها هذه الحروب؛ ديون، بنية تحتية منهارة، انقسامات مجتمعية حادة، فوارق طبقية، نخب تابعة، ومهجرون تتوجه حياتهم للمجهول. تكمن المفارقة في هذا الواقع المأساوي هو أنه مأسوي بلا رتوش!، أعني أنه يجري بلا زيادة أو تأويل. لكن هذا الواقع يجري تلميعه وتركه وإهماله، لأن بعض الأقلام اكتشفت أن مشكلتنا عي الإسلام السياسي!.