محاولات تغيير اسمي المدرستين البصرية والكوفية الى الشامية والمصرية... السياق والدلالات!

Submitted on Tue, 10/30/2018 - 09:45

علاء اللامي

 يصرُّ بعض المدونين والنشطاء على مواقع التواصل والمواقع الشعبية على النت من المصابين بالكره الممزوج بالحساسية المرضية من العراق، والأرجح أن أغلب هؤلاء من الكتبة والموظفين الباحثين عن "أكل العيش" في مدارس وجامعات وصحف وتلفزيونات دول الخليج العربي، وبعضهم من المبشِّرِين بالشعوذات الفينيقية والفرعونية والسورية...الخ، يصرون على تغييب اسمي المدرستين العراقيتين الأصيلتين والتأسيسيتين في النحو العربي، البصرية والكوفية، اللتين لا سابق ولا لاحق لهما، كجزء من سعيهم لتغييب اسم العراق، وتلك أمنية يتنافس فيها صهاينة "إسرائيليون" وعرب متصهينون خليجيون وغير خليجيين.

*تنتشر منذ سنوات مقالات وكتيبات ومنشورات هدفها نشر وترسيخ اسمين بديلين لهاتين المدرستين التأسيسيتين للنحو العربي يسمونهما المدرسة الشامية والمدرسة المصرية أو النحو الشامي والنحو المصري. ونحن هنا لا ننكر وجود إضافات واجتهادات لاحقة للنحاة واللغويين في بلاد الشام ومصر ولكنها تبقى إضافات وتنويعات على ما قدمته المدرستان البصرية والكوفية، وليست مدارس جديدة مؤسِّسة لعلوم النحو والإملاء وقواعد اللغة العربية عامة، فالمدرستان العراقيتان تأسستا واكتمل بنيانيهما قبل أكثر من ألف عام في العراق، وهذا تاريخ لغتنا الذي لا يمكن التلاعب به أو الشطب عليه بل يمكن دراسته وتحليله والاجتهاد فيه بأساليب علمية بعيدة عن الغرضية الأيديولوجية!

وحتى ما يوصف بالمدرسة النحوية المصرية القديمة التي ولدت مع قدوم عبد الرحمن بن هرمز إلى الإسكندرية وهو في الثمانين من العمر، بعد ان تتلمذ على يدي أبي الأسود الدؤلي البصري، حتى هذه المدرسة لم تكن سوى استمرار للمدرسة البغدادية الانتقائية الآخذة من المدرستين البصرية والكوفية، وهو ما استمر بفعله في القرن الرابع الهجري النحوي المصري الأشهر أبو جعفر النحاس، والذي رحل إلى بغداد وتتلمذ على أيدي الزجّاج والأخفش الأصغر والمبرد ونفطويه، واستمر الحال على ما هو عليه حتى عصر المماليك وهو مستمر في عصرنا الحالي حيث اكتمل واستقر النحو العربي الكلاسيكي قبل أكثر من قرن.

*أما في بلاد الشام فلم تعرف فيها مدرسة خاصة بها للنحو العربي ولم يبدأ الاهتمام بالنحو فيها إلا في عهد الدولة الحمدانية في القرن الرابع الهجري ويذكر من بين علماء النحو الذين عاشوا في الشام لفترات: أبو علي الفارسي من بغداد، وابن جني من الموصل، وابن خالويه من بغداد.

*إن أقل ما يمكن قوله حول هذه المحاولات الحديثة لشطب اسم المدرستين البصرية والكوفية وحتى وليدتهما البغدادية في الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي إنها محاولات ساذجة وصبيانية تأخذ قواعد وأحكام وآراء علماء البصرة وزملائهم علماء الكوفة، وحتى من علماء المدرسة البغدادية، والتي هي مدرسة توفيقية بين المدرستين البصرية والكوفية، ثم يُطلَق عليها اسم المدرسة الشامية أو مصرية. وقد سهَّل القيام بهذه المحاولة كونُ العراقِ مختطفاً ومحكوماً في أيامنا هذه من قبل حكّام الرثاثة والجهل، يصول ويجول فيه "مثقفو" المليشيات الطائفية ومنظمات المجتمع المدني المشبوهة. وللتعريف بهاتين المدرستين العراقيتين وتاريخهما، هذه نبذة مختصرة:

*المدرسة البصرية: تاريخياً، يمكن اعتبار علماء البصرة هم المؤسسون الفعليون للنحو العربي، فهم واضعو أسسه الأولى وقواعده الرئيسة. وعلى هذا، فعلم النحو القائم في عصرنا الحاضر هو النحو البصري بشكل رئيس وعام، قواعد ومصطلحات، والنحو الكوفي مشتق منه، فهو تنويعات واجتهادات واعتراضات وتوسعات فيه وعليه. لقد وضعت المدرسة البصرية جميع ما يتعلق بالمصطلحات والأصول النحوية، وقد سبقت المدرسة الكوفية فهي أمها، وما جاء به الكوفيون يعتبر استدراكات بسيطة تتعلق بالفروع النحوية، وسبب ذلك أنهم أخذوا علمهم عن البصريين، كما إننا لم نؤثر عن الكوفيين كتبا نحوية جامعة وشاملة في النحو العربي.

*اعتمد علماء البصرة على السماع والقياس، وكانت طريقتهم في السماع أنهم قيدوا ذلك بقيود وشروط قاسية ودقيقة تتعلق بالبيئة والمكان والثقة بالمصادر وكثرتها، وقد اشترطوا، وحددوا صفات المصدر الذي عنه يأخذون اللغة، وقيدوا ذلك بالقبائل البدوية التي حافظت على لغتها، وكانت بعيدة كلَّ البعد عن مخالطة الحواضر والعجم وحددوها بقبائل أسد وتميم وقيس، وأخذوا من قبيلة هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين. وقد روي أنَّ الكسائي أعجبه علم الخليل الفراهيدي البصري، فسأله من أين علمك؟ فأجابه: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، وهذا يجسد دقة البصريين في الأخذ عن القبائل العربية الخالصة البداوة. وأما القياس فقد اعتمدوا فيه على أسس عقلية منطقية فهم لا يقيسون إلا على الكثرة المطَّردة، وأغفلوا القلة والشاذ حتى أنهم كانوا يقفون مع ذلك بالتأويل، والتعليل حتى ينقاد مع أقيستهم المطردة، وقد عرف عنهم ولعهم بالقياس حتى أنَّ بعض النحويين المحدثين وصفوهم بغلبة القياس عليهم.

*من أشهر نحاة المدرسة البصرية: أبو الأسود الدؤلي ت 69 هـ، وأبو عمرو بن العلاء ت 154هـ، والخليل بن أحمد الفراهيدي ت 172هـ، وعمرو بن عثمان بن قنبر سيبوية ت180هـ، وأبو الحسن الأخفش ت211هـ، ، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد ت285هـ، وأبو إسحاق بن سهل الزجاج ت311هـ، وأبو بكر محمد بن السري ابن السراج ت316هـ.

*المدرسة الكوفية: يمكن لنا أن نصف المدرسة الكوفية بمصطلحاتنا المعاصرة بأنها أكثر ديموقراطية وانفتاحا وتجديدا من المدرسة البصرية. صحيح أنها نشأت لاحقة لزميلتها البصرية، ولكن علماءها نجحوا في وضع أسس خاصة بمدرستهم النحوية وأوجدوا لهم مذهباً نحوياً أصبح له قيمة في درس اللغة العربية، خاصة وأنَّ كثيراً من المحدثين النحويين قد أشادوا ببناء الصرح النحوي الكوفي، وجعلوه موافقاً للمنهج الوصفي الحديث للغة، ومن هؤلاء أستاذنا الراحل مهدي المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة) والأردني عبد الفتاح الحموز في كتابه (الكوفيون في النحو والصرف) والمصري أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام) وغيرهم كثير.

*لقد اعتمد الكوفيون على السماع والقياس كزملائهم البصريين ولكنهم حطموا القيود ورفعوا أو خففوا كثيرا من الشروط البصرية على القياس والسماع، فهم سمعوا ورووا عن معظم القبائل العربية بادية وحاضرة. وهم بذلك ألغوا قيود السماع البصرية، فكانوا أقرب إلى المنهج الوصفي الحديث في التعامل مع اللغة الذي يقوم على أساس وصفي استقرائي لظواهر اللغة في أيِّ مكان، أو زمان. رحل العلماء الكوفيون إلى القبائل العربية البدوية في مواطنها، وأخذو، ورووا عنها.

أما جانب القياس، فحين توسع الكوفيون في السماع كان حتماً عليهم التوسع في القياس، فقد كانوا يقيسون على أقوال العرب قليلة وكثيرة، ووجدنا الكسائي يعلن ذلك في قوله شعراً: إنما النحو قياس يتبع ...... وبه في كلِّ أمرٍ ينتفع.

ولم يقف أمر القياس عند هذا الحد بل كانوا يقيسون على الشاذ والنادر، وعلى شواهد شعرية عرف قائلها أم جُهِلَ، ومن ذلك وجدنا العلة عند الكوفيين قليلة لا تكاد تخرج عن النوع الأول من العلل، وهي علل سماعية تعليمية، وكان نحوهم صافياً بعيدا عن الجدل وأساليب المتكلمين والفلاسفة، ومن أبرز النحاة الكوفيين وأشهرهم: أبو جعفر محمد بن أبي سارة الرؤاسي ت175ه، وأبو مسلم معاذ الهراء ت187هـ، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي ت189هـ، وأبو زكريا الفراء ت207ه، وأبو جعفر الضرير ت231ه، وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت ت244ه، ومحمد بن أحمد بن عبد الله الطوال ت243ه.

*والواقع فإن الغرض من هذه الفائدة ليس الدعوة الى تكريس قواعد النحو القديم والمتحجر سواء كانت بصرية أو كوفية، بل هو الدفاع عن حقائق التاريخ اللغوي العربي ضد الملفقين والمحرفين المعاصرين، فكاتب هذه السطور واحد ممن يؤمنون ويعملون على تحرير اللغة العربية من القواعد والأحكام الميتة وشبه الميتة والتي وصفها المعجمي العراقي الراحل هادي العلوي بـ "قواعد الإكليروس اللغوي" ولذلك اقتضى التنويه.

*للمزيد حول الموضوع والاطلاع على بعض الفروق والاختلافات بين المدرستين البصرية والكوفية تراجع الدراسة القيمة لمجموعة من الباحثين النحويين في الجامعة الوطنية الماليزية - كلية الدراسات الإسلامية /قسم الدراسات العربية والحضارة الإسلامية :

http://www.albadeeliraq.com/node/1571