ما حدث بين الصدريين ورئيس الحكومة المكلف يعني الكثير لمستقبل العراق

Submitted on Wed, 10/31/2018 - 01:58

صائب خليل
الفضيحة البرلمانية المدوية التي كان بطلها "نصار الربيعي"، مع الأدوار الثانوية لرئيس الحكومة المرشح عبد المهدي ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، كشفت الكثير جداً من الحقائق الخطيرة عن ما وصل اليه وضعنا السياسي، والتي لا يمكن الإلمام بها ولا الحديث إلا عن أهمها، مع ملاحظة ان الكثير منها لم يكن في الحقيقة "كشفاً"، بل يصح تسميته بـ "إعادة اكتشاف" أو "توكيد" لفضيحة ما سبق ان عرفناه عن الوضع العراقي الخطير. من تلك الحقائق: 
.
أولاً، مادام نصار الربيعي لم يعاقب على فعلته ولم يتبرأ مقتدى منها، فهي تمثل سياسة التيار الصدري، ويمكننا ان نتحدث عنها بهذا المفهوم. 
.
ثانياً، شخصية عادل عبد المهدي المهزوزة، والذي تفوق فيه حتى على العبادي، توكيد لما ذكرناه في مقالة سابقة، بأن ما قاله الحلبوسي حول "قوة" رئيس الوزراء المنتخب بعيداً عن الكتل والأحزاب، هو كلام فارغ والعاب لفظية بهلوانية لا اكثر.
.
ثالثاً، ان جهة ما، تدير الأمر، وتمكنت من وضع عبد المهدي على هذا المنصب، رغم انه لم يستحقه انتخابيا، تريد كما يبدو رئيس وزراء هزيل وضعيف قدر الإمكان. إنها تكرار طبق الأصل لقصة تعيين العبادي. 
.
رابعاً، خضوع الحلبوسي وبقية الحضور، لتعليمات مبعوث الصدر بهذا الشكل المذل وبدون ابداء أي اعتراض، يعني ان هناك "إرهاب" صدري قد شمل الكتل السياسية حتى لم يعد ممثلوها يجدون حماية لهم حتى في تلك الكتل. 
.
خامساً، ان كلام مقتدى الصدر عن حرية رئيس الحكومة في اختيار وزرائه وعدم تعرضه للضغط، كان ليس فقط غير صحيح، بل هو امر مقلوب على رأسه وأن الرجل ليس سوى العوبة بيد التيار ومن يوجه التيار، وأنه يخضع بإذلال ليس لمقتدى بل حتى لـ "شبح" مقتدى متمثلا بمن يمثله، حتى لو لم يكن لهذا أية صفة رسمية. 
.
سادساً، ثبت أن ما قاله مقتدى الصدر عن خيار المعارضة في حالة عدم قناعتهم بالحكومة المرشحة، غير صحيح، وغير صحيح أيضا كل الادعاآت باحترام القانون والدستور وغيرها. إضافة إلى ذلك فقد قدم التيار البرهان بأن الكلام عن الاهتمام بـ "البرنامج" ليس له اية مصداقية، فالصراع تم على تحديد المناصب ولم نسمع أو نرى أي صراع على أية نقطة من نقاط "البرنامج"، إن صح تسمية ما قدمته الجهات المختلفة بأنه "برنامج". 
.
سابعاً، إنه يشير إلى ان عبارة "الحكومة الأبوية" قد لا تكون مجرد واحدة من الشطحات البريئة لمقتدى الصدر، وإنما كان هناك تحضير لها وراء الستار، وبناء في داخل النفوس، وأنها لا تعني فقط الابوية بمعنى العطف، بل أيضاً الرهبة من العقاب، وأن الجميع يجب ان يشعر امام مقتدى وحتى من يمثل مقتدى، بأنه "طفل" عليه ان "يسمع الكلام" و "يطيع"، وإلا غضب "بابا" عليه، والويل له. 
.
ثامناً، إنها تبدو محاولة لنشر موجة من الترهيب على الساسة العراقيين جميعاً، أكثر مما هي اعتراض على توزير ما. إنها استعراض قوة يأمرهم ان يطيعوا تعليمات مقتدى بدون مناقشة أو سؤال. وهذا ليس سوى "تعميم" لنفس الأسلوب الذي ينتهجه مع اتباعه. فمقتدى لم يشرح يوماً لتابعيه سببا لقراراته ولم يناقشها ابداً معهم. يكفي ان يقول لهم أي شيء، مثلا "ان ايتام الولاية الثالثة يريدون للعودة" أو يوحي بهذا بجملة غامضة، مثل "انها مؤامرة خبثاء"، أو حتى ان لا يشرح أي شيء ويكتفي بإبداء غضبه، حتى يندفع أمامه قطيع هائج لا يلوي على شيء (أو هكذا يراد ان يعطي انطباعاً). وحسب علمنا، فأن نصار الربيعي لم يشرح للنواب ورئيسهم الذليل او مرشحهم لرئاسة الحكومة الأكثر اذلالا، أي سبب رسمي او منطقي او قانوني لتبرير فعلته، ولا اعطاهم حتى "حجة" ولو سخيفة، بل تركهم حائرين يبحثون بأنفسهم عن الأسباب. 
.
تاسعاً، لقد صارت أيضاً، سواء بقصد او بغير قصد، عملية ترهيب ضمني لأبناء الشعب العراقي ككل حين يرون ساستهم المدججين بالحمايات يصمتون، فكيف سيجرؤ المواطن العادي ان يفتح فمه في انتقاد الصدر؟ لقد كنا نرى هذا الخوف من الصدريين جلياً في العراقيين الذين يعيشون في العراق حيث اعرب الكثير منهم عن خشيته من التصفية أو من تهديد اهله حين ينتقد مقتدى بشكل قد يفسر بأنه ينقصه الاحترام، واليوم قامت هذه المسرحية بنقل الخوف ونشره عبر شاشات التلفزيون. 
.
عاشراً، التراجع والخنوع امام الترهيب الصدري وتمكنه من تحقيق غرضه بكل تفاصيله وبدون أية خسائر معنوية أو غيرها، يعني أن الصدريين اكتشفوا طريقة كفوءة لفرض ارادتهم، ومن الطبيعي أنهم سوف يكررونها مستقبلا، كلما دعت الحاجة، أو عجزوا عن فرض وجهة نظر من يقودهم بالمناقشة والمنطق والتصويت. 
.
أحد عشر، هذا يعني، ووفق منطق التطور باتجاه النماذج الأكثر كفاءة، أن "الفتوات" بين ساسة وقادة التيار الصدري سوف ترتفع اسهمهم ومكانتهم في التيار وسوف يحظون بالاحترام على حساب الأكثر هدوءاً وتفكيراً من أعضائه، والذين سيجدون انفسهم أمام خيارين: أما التقوقع أو ترك التيار، وفي الحالتين سيتجه التيار نحو التحول الى كتلة خطرة معادية للبلد، ما لم يسارع البعض الى التنبيه إلى الخطأ وتعديل مساره، وهو ما لا يبدو محتملا في الوقت الحاضر. 
.
إثنا عشر، جمهور الصدر لا يبدون منزعجين من هذا الحدث، في حقيقة الأمر، بل يدافعون عنه ويبررونه. واجزم ان معظمهم، ولأسباب نفسية اجتماعية تعود لما تعرضوا له من تهميش طويل، سعداء بهذا المشهد الذي يجعل منهم "كباراً" ويعطيهم دور "المخيف" بدلا من "الخائف". وهناك بالفعل كما يبدو من يحاول بث هذا النوع من "السعادة" في داخلهم عمداً. وهذا يعني ان هذا الأسلوب سيأخذ زخماً اكبر في المستقبل على مستوى الشارع أيضا.
.
ثلاثة عشر، رد فعل الجمهور العراقي أيضاً ليس كما يتوقع من الرفض، بل يغلب عليه أو يحيده شعور ببعض "الإعجاب" بـ "البطولة" التي يفتقد اليها الشعب واشتاق الى وجودها طويلا بعد تعريض قادته للمذلة المتتالية خاصة في مواقفهم أمام توابع إسرائيل مثل خنوعهم لابتزاز كردستان او حكومة الأردن أو الدور المهين الذي يلعبه السفير الأمريكي في البلد. إذا سيطر هذا الشعور، ونرجو ان لا يفعل، فأن ذلك يعني أن هذا السياق لن يجد استهجانا شعبيا كافياً لردعه، وان المجتمع بشكل عام سوف يستسلم لهيكل سلطة غامض ودكتاتوري (إن شئتم تسميته "ابوي") في خليط من العشائرية والعنف المسلح الغامض. وفي مثل هذا الظرف النفسي سيمكن تمرير كل مخططات اميركا وإسرائيل في البلد بلا اعتراض، وسيمكن اخفائها بأتفه الحجج، حتى لا يعود ردعها ممكنا.
.
اربعة عشر، هناك سؤال قد يبدو غريبا: هل ان ما جرى هو مسرحية مقصودة لبث الإرهاب في المجلس وفي الناس، أم هو فعلا مجرد اعتراض شخص متخلف على تعيين وزراء محددين، ومحاولة لمنعهم؟ غرابة السؤال تقل قليلا حين نتساءل: إن كان القصد هو فقط منع توزير الوزراء، فلماذا لم يعترض نصار الربيعي على القائمة قبل ان يصعد عبد المهدي لقراءتها؟ فإن كان له من السلطة والرهبة ما يجعل رئيس الحكومة المكلف يرضخ لأوامره الأكثر صلافة، وأمام النواب ورئيسهم ليمتنع عن تقديم الأسماء، فلا شك انه سيكون اسهل عليه ان يمنعه من ذلك عندما يكون الحديث بينهما، وبشكل اقل إحراجاً لرئيس الحكومة! 
ما لم اجد جواباً على هذا السؤال فسأعتبر احتمال كون المسرحية معدة مسبقاً وبغرض الإرهاب، احتمالا وارداً جدا. 
.
خمسة عشر، عطفاً على النقطة أعلاه، يمكننا ان نتذكر الأغاني التي ظهرت قبل فترة من انتاج جهة مجهولة والتي، استخدمت الحاناً عسكرية ظهرت في فترة حرب صدام على ايران، وكانت تحمل بصمات إرهاب لا تخطئ. ولنلاحظ ايضاً التشابه الكبير بين تفاصيل هذا الحدث وما اسمته نعومي كلاين "مبدأ الصدمة" المستعمل لفرض قرارات ترفضها الشعوب في الظروف الاعتيادية. ونحن مقبلون بالضبط على صراع لفرض مشاريع شركات وسياسة خصخصة من هذا النوع تماما، (قانون شركة النفط الوطنية العراقية الذي قاده عبد المهدي). ولا ندري ان كانت تلك التشابهات مجرد صدف. إلا انه من المؤكد ان ما حدث في البرلمان، هو شيء جديد تماما ولم يحدث شيء مثله او قريب منه في أي وقت مضى. 
.
ستة عشر، سواء كان الحدث عفوياً يعبر عن توازن القوى، او مخطط من اجل الإرهاب، فإنه يعني أن حرية الرفض وحتى الكلام لم تعد مضمونة حتى داخل مجلس النواب ومجلس الوزراء، وان الأمور قد لا تدار بالتصويت إن شعرت القوة المسيطرة ان التصويت لن يخدمها، أو لن ينتهي بالنتيجة التي تريدها. قد يبدو هذا السيناريو خياليا وبعيداً، لكننا بلا شك قد خطونا بما حدث خطوة كبيرة نحو استعادة "جمهورية الخوف".
.
واخيراً، أن سارت الأمور بهذا الطريق، فهذا يعني أن على من ينوي رفض الخضوع مستقبلاً، ان يكون مستعداً لمجابهة قوة مقابل قوة إن تطلب الأمر، وأن المجابهة قد تتجاوز مرحلة "البلف". على من أراد ضمان حريته في الكلام والقرار، ان يستعد للدفاع عن حريته تلك مسبقاً، وإلا فعليه ان يقبل ويستعد لموقف ليس له فيه خيار سوى أن يرضخ! أي أن القوة ستكون اكثر مما سبق، عاملاً حاسماً في مستقبل البلاد، وقد يدفع الشعب ثمناً غالياً لذلك، ما لم يتغير هذا الاتجاه. 
.
نصار الربيعي يتحكم بإدارة جلسة الثقة لحكومة عبد المهدي
https://www.youtube.com/watch?v=wEa1XNzNB-E

طلب من رئيس الوزراء التوقف عن استعراض أسماء الوزراء, وترك المنصة والذهاب والجلوس معهم
https://www.facebook.com/alliwayzi/videos/1958563910894734/