بين زمنين- تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظامين الاشتراكي والرأسمالي/ج5

Submitted on Fri, 11/09/2018 - 14:17

د. زياد العاني: الجزء الخامس –سر المخطوطة العبرية فوق صليب تمثال المسيح على جسر تشارلس‬
‫ ‬
‫قبل بدء البرنامج التدريبي نظمت لنا جولة سياحية للتعرف على معالم براغ المعروفة بمتاحفها و مسارحها و أبنيتها المميزة وهي كثيرة ومن الصعب حصر عددها حيث لديهم متحف لكل شيء يخطر على البال فعدا عن المتحف الوطني الشهير توجد متاحف لجميع أنواع الفنون والصناعات و أهمها متاحف الزجاج و الكريستال التي تشتهر بها تشيكوسلوفاكيا، لديهم متحف صغير للشيكولاتا يقع في المدينة القديمة ولديهم متحف صغير لادوات التعذيب التي كانت تستخدم في السجون خلال القرون الوسطى و توجد كابينة على شكل قفص حديدي على جسر تشارلس، وفيها تماثيل لثلاثة سجناء من الرهبان المسيحيين مربوطين بسلاسل سجنهم الاتراك.‬
‫ وقبل عشر سنوات أفتتح متحف خاص بجسر تشارلس لوحده‬‪ ‬‫ومتحف للاديب التشيكي كافكا و متحف للرسام موخا، نقلت محتوياتها من المتحف الوطني‬
‫ ‬
‫بدأت الجولة (ودليلتنا كانت موظفة تشيكية من اليونسكو) من المدينة القديمة و ساحتها الشهيرة التي يوجد فيها عدد كبير من المعالم السياحية و الكنائس و أشهر هذه المعالم هي الساعة الفلكية العجيبة التي يعود تأريخها الى أوائل القرن الخامس عشر و هي أقدم ساعة لا زالت تعمل الى الوقت الحالي. و على رأس كل ساعة يتجمع المئات لمشاهدة التماثيل (12 تمثال) تخرج من شبابيك الساعة في كل مرة يخرج أثنان منها وكل تمثال يمثل شيئا ما كالجمال والمرح و البخل و الغرور والموت (يخرج هيكل عظمي يمثل نهاية الحياة) الخ. وهناك أيضا تماثيل مثبتة على واجهة الساعة تمثل هي الاخرى رموزا مختلفة لبعض الرسل و الملائكة.‬
‫ ‬
‫جسر تشارلس الاسطوري‬
‫ ‬
‫جميع المسارات السياحية في براغ لابد أن تمر من جسر تشارلس (كارلوف موست بالتشيكي) المقام على نهر الفلتافا بطول يبلغ حوالي 520 مترا وعرض 10 أمتار وارتفاع عن سطح الماء بحدود 15 مترا وهو يصل بين الساحة القديمة مركز براغ التاريخي، والساحة الصغيرة الواقعة تحت قلعة براغ. ‬
‫يعبره يوميا بحدود أربعين ألف شخص يوميا خلال فصل الصيف وقد أستغرق بناؤه حوالي 43 عاما بين سنتي 1357 و 1400م وتعرض الى التدمير ثلاث مرات منها واحدة خلال الغزو السويدي في أوسط القرن السابع عشر و مرتين خلال فيضانات كبيرة. الجسر هو الوحيد المخصص للمشاة (من بين 15 جسر في براغ على نهر الفلتافا) يزيد من روعة المشهد البانورامي الذي يستمتع به السواح 30 تمثالا و ثلاثة أبراج على بوابتيه ويعود تاريخ أقدمها وهو تمثال كالفاري (تمثال السيد المسيح) إلى منتصف القرن 14 أما أحدث تمثال على الجسر فقد أقيم في ثلاثينات القرن الماضي‬‪ ‬‫. في أسفل الجسر يمكن مشاهدة قضبان معدنية موضوع عليها أقفال للعاشقين كما هو حال الجسر الشهير قرب كنيسة نوتردام في باريس.‬

‫تضيف الروايات الأسطورية التي تحكى عن الجسر وتاريخه طابعا سحريا إضافيا عليه، أما اشهرها فتقول إنه تم خلط البيض بالاسمنت أثناء إشادته كي يصمد في مختلف الظروف والأوقات .‬
‫ ‬
‫أبرز التماثيل هو تمثال السيد المسيح عندما تنظر اليه تجد على الصليب عبارات ذهبية باللغة العبرية . قصة هذه المخطوطة هو أن حاخامأ يهوديا كان يرفض خلع قبعته احتراما للمسيح وكان يبصق على التمثال كلما مر بجانبه؛ فعلم الملك بالحادثة فامره ان يكتب باللغة العبرية وبماء الذهب عبارة ( لا قداسة الا ليسوع ) ففعل الحاخام وباللغة العبرية وبماء الذهب، وبقيت حتى هذا اليوم.‬
‫عدد اليهود في براغ لايتجاوز 5000 ولكن لهم تاريخ ومعابد ومقبرة شهيرة في الحي اليهودي في المدينة القديمة و يزورها اليهود من معظم دول العالم.‬
‫في العام 2000 حاول يهود براغ إزالة العبارة باللغة العبرية فوق الصليب فرفضت بلدية براغ التي كان يسطر عليها الاشتراكيون؛ وبعد كل الضغوطات من قبل حاخامات أمريكيين وافقت البلدية ان تكتب ملاحظة صغيرة اسفل التمثال ( الحاخام اليهودي الذي كتب هذه العبارة كان مرغما). وفي عام 2007 سرق اليهود (متنكرين بملابس موظفي صيانة في البلدية) الحروف وخلعوها لمسح التاريخ فقامت البلدية بطباعة احرف بدلا عنها واعادتها الى التمثال‬‪. ‬
‪بعد التغيير الذي حصل في بداية تسعينيات القرن الماضي برز اليهود الصهاينة كقوة مؤثرة في الحياة السياسية التشيكية بفضل صعود اليمين الى السلطة وبعد ان كانت براغ مركزا لنصرة قضايا التحرر و منها قضية الشعب الفلسطيني بفضل وجود منظمات عالمية مركزها في براغ من أهمها اتحاد الطلاب العالمي والاتحادات العربية اليسارية الطابع ومجلة قضايا السلم والاشتراكية أصبحت بعد التغيير وكرا للموساد والصهيونية العالمية الى درجة ان ينظم الصهاينة تظاهرة كبيرة قبل بضع سنوات يتقدمها رئيس الوزراء اليميني زيمان احتجاجا على قرار البرلمان الأوربي بمقاطعة بضائع المستوطنات في فلسطين.‬
‫ ‬
‫بعد الجسر تدخل في حي مالا سترانا بين ضفة نهر فلتافا الغربيّة وقلعة هرادساني، يكمن فن القرون الوسطى في كنائس باروكية ذات فن معماري ساحر و تحت أسقف حمراء و حدائق تسحبك إلى شوارع ضيقة مرصوفة بالحجارة وبيوت عتيقة ذات واجهات متعددة الالوان ومداخل مزخرفة بسلاسل برونزية ثم تصعد درجات لا نهاية لها لتجد نفسك في قمة الهضبة التي تعلوها قلعة براغ التأريخية و مقر الملوك و الرؤساء الى الوقت الحاضر..‬

‫في شهر أيلول الماضي قمت بنفس الجولة تقريبا ‬
‫ولم اجد فرقا كبيرا باستثناء عدد كبير من الشحاذين يجلسون بجوار الفنانين الذين يرسمون الوجوه للسواح حيث تجد بجوار كل فنان تقريبا شحاذ يقبع بوجههه على الارض وعندما يدفع له السائح يرفع رأسه ليشاهد حصيلة الاستجداء قبل ‬
‫ان يرجع الى وضعه بانتظار الغنيمة من سائح آخر وهو منظر شائع في معظم الأماكن السياحية و لم يكن موجودا ايام الحكم الاشتراكي.‬

‫وزرت القلعة مرة أخرى وحسبت الدرجات فكان العدد 220 درجة . وفي طريق العودة وقفت أمام التمثال مرة أخرى وتذكرت حادثة الحاخام وفكرت هل سيأتي اليوم الذي يجبر به الصهاينة أن يكتبوا على بوابة المسجد الاقصى وبماء الذهب" القدس عربية - نعتذر منكم يا أهل فلسطين"؟‬