انتفاضة الجنوب المغدورة والاتهامات ضدها

علاء اللامي

كتب أحد الأصدقاء معقبا على مقالتي حول تفكيك نظام المحاصصة الطائفية ومتطرقا إلى موضوع انتفاضة الجنوب وعاصمته البصرة وقد علقت عليه بعدة أسطر وتطويرا وتوسيعا للنقاش حول موضوع هذه الانتفاضة الشجاعة والمغدورة والتي تحمل بصيص أمل سيتوهج مجددا بكل يقين طالما بقي نظام الفساد الطائفي التابع للأجنبي أعيد هنا نشر تعقيب صديق الصفحة وتعليقي عليه. كتب الصديق (ماجرى في البصرة ليس ثورة ولا انتفاضة كان هناك حراك محدود استغل من أطراف خارجية وانتهى إلى الفشل وكل حركة جماهيرية لابد لها من قيادة تقودها وتوجهها الوجهة السليمة نحو الهدف أما ذلك الحراك فقد كانت أهدافه محدودة في تحقيق مصلحة وليست هناك أي حاضنة لهذا الحراك كون الشعب منقسم على نفسه ومتعدد الولاءات وهناك قوى داخلية وخارجية لها تأثير كبير على الساحة العراقية).

تعليقي : نعم، ما حدث في البصرة لم يكن ثورة بل كانت انتفاضة عفوية ورد فعلية ضد واقع الحكم الفاسد واحزابه الطائفية ونتيجة لأسباب عديدة تلخصها كلمات من قبيل: خراب وفوضى وطائفية متخلفة. والانتفاضة لم تحدث في البصرة فقط  بل في عدة محافظات حتى في كربلاء والنجف اللتين تعتبران معاقل للقوى والأحزاب والشخصيات الطائفية والعوائل الدينية السياسية ... بعض ما تقوله صحيح فالشعب منقسم وبشدة وهذه من نتائج نظام الحكم القائم على تقسيم الشعب وصعود الهويات الفرعية الطائفية وتمزيق مقصود للهوية الرئيسية العراقية فالمجرم الحقيقي ليس الشعب المنقسم بل هو الاحتلال الأميركي وحلفاء الاحتلال الطائفيون الذين قسموه ومزقوا هويته الرئيسية العراقية وأججوا الهويات الفرعية الطائفية والقبلية ولكن غالبية الشعب توحدها المصائب والكوارث التي جاء بها الحكم ومثلما توحدها الأخطاء المحدقة بالعراق الوطن والعراق الشعب والعراق الرافدين والعراق الثروات ومستقبل الأجيال...

جوهر الموضوع هو أن ما حدث في الجنوب وتركز لاحقا في البصرة له من مواصفات الانتفاضة الشعبية الحقيقية الشيء الكثير، وهو لم يكن حركة احتجاج عابرة فقد استمرت هذه الانتفاضة عدة أشهر، وقد رأينا ما حدث خلال أيام سيطرة الانتفاضة على شوارع البصرة ورأينا جميع الساسة ينزوون ويهربون وبعضهم من خرج في الإعلام وراح يقدم الاعتذارات للناس ويتعهد بإصلاح ما حدث من تخريب وتقصير وفساد ولكن وبعد أن قمعت الانتفاضة وحدثت فيها بعض الخروقات والأعمال غير المنضبطة في أيامها الأخيرة كإحراق القنصلية الإيرانية حتى استأسد الساسة وخرجوا من جحورهم وراحوا يشتمون المتظاهرين ويصفونهم بالعمالة ويرسلون قناصتهم ليقتلوا قادتهم أمام بيوتهم ... و ما تقوله بصدد (العمل والنشر والنشاط في الإعلام الإلكتروني المفتوح) صحيح وهو من طبيعة هذه الأساليب والوسائل الإعلامية الجديدة ولكن العامل الأهم هو انعدام القيادات المتمرسة للانتفاضة و فقدان التوجيه والبرنامج العام الرابط لأهداف الناس خصوصا بعد أن خان ادعياء الإصلاح والتغيير من ذات اليسار وذات اليمين تطلعات الناس والتحقوا بالنظام ويقوموا بدور مهرج السلطان!

إن الحاضنة الاجتماعية للانتفاضة موجودة وهي المشاركين في الانتفاضة وأهاليهم والبلدات والعشائر والتجمعات التي احتضنت المتظاهرين ولكن القيادة المتمرسة غير موجودة لأن الانتفاضة كانت عفوية كما قلنا ولم تفرز قياداتها ولأنها جوبهت بالقمع والتضليل وخسرت العشرات من المشاركين الشجعان الذين قتلوا بالرصاص أما الأطراف الخارجية التي اتهم أهلُ النظام بها المنتفضين فهي حاضرة وبقوة في النظام نفسه وهي التي تحمي هذا النظام فالولايات المتحدة وإيران هما حارستا النظام ولنتذكر كيف تدخل السفيران الأميركي والإيراني لإحباط وإفشال الاعتصام البرلماني في نيسان 2016، وحري بنا ألا نكرر مزاعم المليشيات والأحزاب الطائفية ونعمم الاتهامات المضادة والتركيز المقصود والمبالغ فيه على العامل الخارجي فإذا كان هناك شخص واحد مدسوس من قبل جهات خارجية في تظاهرات الجنوب فيقابله مائة جاسوس وعميل لأميركا وإيران وتركيا وقطر والسعودية وحتى " لإسرائيل" في النظام الفاسد وأحزابه ومليشياته الشيعية والسنية والكردية، بل هو نظام مدسوس ومرفوض على الشعب من ألفه إلى يائه !

مجدا ووفاءً لشهداء انتفاضة الجنوب وحاضرته البصرة التي ستعود فيحاء كما كانت.