ما بين زمنين - تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالية /ج 8

Submitted on Mon, 11/26/2018 - 22:21

د.زياد العاني

رأي عامة الناس بالتغيير

السيدة كرالوفا صاحبة البيت الذي سكنت فيه لفترة سنة ونصف تقريبا 1985-86 في الحي الدبلوماسي، كانت تبلغ حوالي الستين من العمر أو أقل بقليل أمرأة محترمة لطيفة المعشر وخفيفة الدم وجهها بشوش تضحك بأستمرار خلال اي حديث . وهي أرملة زوجها كان قاضيا تعيش مع ولدها وهو محامي وأبنة متزوجة و لديها كلب صغير لطيف أسمه ريتشانك. كنا نشغل شقة الدور الاعلى المكونة من غرفتين و صالة وندفع أيجارا قدره مائة دولار شهريا ندفعه بالكرون وكانت لا ترغب الدفع بالدولار. كان لديها بيت ريفي (يسمى بالتشيكي خاته) كمعظم التشيك من ذوي الدخل المتوسط تذهب اليه خلال عطل نهاية الاسبوع مع أبنها و ريتشانك. كانت السيدة كرالوفا لا تتحدث الانكليزية و كنت أعتمد على زوجتي التي تجيد التشيكية في الترجمة و أحيانا عندما لاتكونأم وسام موجودة تتكلم معي و تضحك و أفهم منها بعض الكلمات التي تعلمتها مع الوقت او القريبة من الانكليزية و أضحك معها حتى و ان لم أفهم شيئا. كنت أشعر بأنها سعيدة ولم تحصل لنا معها أية مشكلة ولم تبدي تذمرها يوما من شيء او من زيارات الاصدقاء لنا أو غير ذلك مع ان المدخل الخارجي بابه مشترك.

في صيف 1990 عندما قمنا بزيارة براغ لفترة قصيرة أتصلنا بها قبل سفرنا فأستضافتنا في بيتها لمدة شهر في الطابق الاسفل (توجد غرفة مع المنافع) حيث كانت شقتنا السابقة مؤجرة ، لاحظنا أنها قد تغيرت و لم تعد تضحك الا نادرا و شعرنا أنها حزينة نوعا ما، لدى الاستفسار قالت أنها منزعجة و لا تشعر بالامان وتشكو من غلاء الاسعار و السرقات و الاعتداءات التي حصلت مؤقتا وقد سرق ريتشانك "كلبها المحبب وهو يتجول في الشارع خارج البيت و أختفى لمدة شهرين و لكنه تمكن من الهرب و العودة، وقامت بعمل قفل أضافي و وضعت أسلاك شائكة فوق السياج الخارجي وأوصتنا عند العودة ليلا بأن نحذر اللصوص خاصة و ان محطة الترام تبعد مسافة 500 متر عن بيتها. كانت تلك أول سنة بعد التغيير.

في ذلك الصيف قمت بزيارة البروفيسور فيروفيتش والدكتور بدناش في الكلية وأذكر أنني كنت أحمل حقيبة صغيرة أضع فيها جواز سفري وبعض النقود فحذراني بأن هذه قد تكون صيدا ثمينا للصوص.
أبلغني فيروفيتش بأن هناك موجة عنصرية واعتداءات من قبل أصحاب الرؤوس الحليقة (سكن هيد) Skin Head وبعض الشباب من اليمين المتطرف ويستهدفون بالاخص الروس و الفيتناميين المقيمين في براغ و ذكر لي بأن فتاة روسية كانت تدرس عندهم تم الاعتداء عليها و أغتصابها هي و صديقتها عندما سمعاهما يتكلمان بالروسية ليلا قريبا من احد الأقسام الداخلية (كنت أعرف تلك الفتاة عندما بدأت في مشروعها قبل مغادرتي بقليل) حيث كانت موجة عداء شرسة ضد السوفيت و علق الدكتور بدناش الذي لا يحب الروس ايضا قال بأنه خلال الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا في سنة 1969 لم تسجل حالة أغتصاب واحدة أو أعتداء على مدنيين من قبل الجنود والضباط السوفيت. ولماذا الاعتداء على الطلبة الفيتناميين؟ أجابني فيروفيتش لانهم من شعب أنتصر على أمريكا.

أستغربت أن الامور تغيرت بهذه السرعة قبل مرور عام على التغيير. كنت و أنا أستقل المواصلات العامة و التجوال في الساحات الاحظ تلك الظواهر الغريبة و أصبح منظرا معتادا وجود تجمعات و سماع موسيقى صاخبة وعروض ستربتيز في الساحات. وعند الاستفسار عن الذي حصل وهذا التغير المفاجيء و المنفلت يقولون أن طاقة هؤلاء 
الشباب كانت مكبوتة انفجرت مع أول نافذة حرية.

كان منظر الشحاذين أصبح مألوفا، كنت نادرا ما أشاهد من يرمي عقب سيكارة في الشارع أيام الاشتراكية فوجدت في ذلك الصيف أن الشوارع مليئة بأعقاب السكائر و غير نظيفة مقارنة بتلك الفترة وفي الليل كان منظر المدمنين و بنات الهوى يعرضن الخدمات بشكل مقزز اعتياديا يجعلك تشعر وكأنك تزور مدينة أخرى غير التي تعرفها. أذكر أنني في ديسمبر 1986 سافرت الى لندن و التي كنت أدرس قريبا منها خمس سنوات سابقا ولم أكن أشكو من نظافتها الا أنني في تلك الزيارة وجدت أن مترو لندن هو عبارة عن مزبلة نسبة الى مترو براغ الفائق النظافة والمبهج في محلات و مقاهي محطاته. 
كان ذلك الانفتاح الليبرالي المبالغ فيه من قبل الحكام الجدد هو قصر في النظر أملته عليهم سياسة العداء الاهوج لكل ماله صلة بالاشتراكية و ثقافتها وعدم الادراك بأن التحول من ثقافة أو حضارة الى أخرى يتطلب مراحل عديدة لتحقيقه وقد عبر وقتها زعيم الحزب االشيوعي الجديد الذي تشكل بعد التغيير يرجي سفوبودا بقوله في البرلمان مخاطبا رئيس الحكومة في الذكرى الثانية للتغيير" اذا استمر التغيير على هذا المنوال فمن الاجدر تسمية هذا التغيير "بالانحطاط المخملي " بدلا من الثورة المخملية.

في عام 2013 قام الرئيس السابق فاسلاف كلاوس (عراب التغيير السريع و الخصخصة عندما كان وزيرا للاقتصاد في الحكومة الاولى بعد التغيير وصاحب مقولة ادارة أسوأ تاجر هي أفضل من ادارة أقوى دولة) وبمناسبة عيد رأس السنة وقرب انتهاء فترته الرئاسية بالعفو عن سبعة آلاف سجين مدانون بجرائم جنائية وايقاف محاكمات مئات آخرين من بينهم مدراء شركات ورجال أعمال كبار متهمين بالفساد مما حدا بمجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه اليسار بطلب احالته الى المحكمة الدستورية بتهمة الخيانة العظمى حيث أتهمه بعض الاعضاء باشتراكه في صفقات فساد. 
في عام 1992 عندما رجعت للدورة التدريبية الثانية كانت الامور أفضل من صيف 1990 حيث أختفت بعض هذه المظاهر الغريبة عن المجتمع التشيكي و أصبح الوضع أكثر انضباطا بعد الاحتجاجات التي قام بها اليساريون والمنظمات النسائية و التذمر الذي كان سائدا بعد كل جريمة و اعتداء كانت تنشرها وسائل الاعلام الا أن المظاهر الاخرى بقيت سلبية فرغم البهرجة التي زينت شوارع براغ باعلانات شركات الموضة والماركات العالمية و العطورات ومساحيق التجميل و مكدونالد و المولات الجديدة وغيرها الا أن الوجه الآخر المخفي كان أقبح من أي مظهر سلبي للحياة خلال الحكم الاشتراكي.

هذا لا يعني أن زمن الاشتراكية لم يكن خاليا من المظاهر السلبية فقد أدى الجمود الاقتصادي و اختفاء بعض السلع خلال الثمانينيات الى ظهور سوق سوداء وحتى منشآت اهلية غير شرعية و فساد اداري في المنشآت الصناعية الحكومية حيث كان يتم سرقة ادوات ومواد من المصانع الحكومية وتهريبها الى منشآت أهلية صغيرة قسم منها غير مرخص أو حتى منتجات يتم تهريبها الى المحلات الحكومية لبيعها من الباطن. كنت تجد مثلا بعض منتوجات الكريستال تباع للسواح من قبل المحلات الحكومية بسعر أرخص مقابل عدم اعطاء وصولات للمشتري. وهناك أمثلة كثيرة لمنتوجات أخرى فخلق ذلك سوق طفيليا يعتاش على سوق الاقتصاد الحكومي الموجه وخلق طبقة من الفاسدين و المرتشين داخل منشآت القطاع العام فأدى الى التخريب الاقتصادي أدى الى مظاهر سلبية انعكس تأثيرها اجتماعيا و أخلاقيا.

الصورتين أخذتها الصيف الماضي الاولى لشحاذ وهو يجثو ويمد يده و الثانية يظهر فيها وهو ينظر الى ما حصل عليه من أحد السواح والثالثة على جسر تشارلس ويظهر شحاذ يجثو و يظهر تلفون آخر موديل أفضل من تلفوني الذي أخذت به الصورة و هذا المظهر شائع حيث يبدو وكأن الشحاذين يتبعون بروتوكولا موحدا في الحركات وطريقة الاستجداء