ما بين زمنين – تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي: ج/9

Submitted on Mon, 12/03/2018 - 20:59

د.زياد العاني: أحاديث مع الجواهري وقصة اقامتي شهرا في شقته

كانت أول مرة أشاهد فيها الجواهري وجها لوجه هي في نهاية صيف 1985 عنما صعدت في نفس الترام الذي كان جالسا فيه وكان لابسا لباسه التقليدي وطاقيته الطاجيكية. و اكتفيت بالسلام لدى مروري بجانبه مع أنني تعرفت على أبنه نجاح و أبن شقيقته الاستاذ رواء الجصاني قبل ذلك حيث كانت زوجة رواء وشقيقتها على معرفة بزوجتي و عائلتها. وبعد ذلك كنت أشاهده جالسا (غالبا لوحده) في مقهى سلافيا الشهيرعلى نهر الفلتافا مقابل المسرح الوطني الذي خلد ذكراه فيما بعد بوضع صورته مع صور المشاهير من الادباء و الفنانين الذين أرتدوا ذلك المقهى من أمثال الاديب كافكا و الفنان التشيكي الشهير موخا ومن ثم فاسلاف هافل وغيرهم. هذا المقهى هو واحد من أقدم المقاهي والذي أصبح معلما سياحيا، وهو الذي ألهمه بكتابة قصيدته الخالدة "دجلة الخير" عندما كان يجلس في مكان محدد يطل على نهر الفلتافا الجميل. كان الجواهري في معظم الاحيان يجلس وحيدا أو مع عدد محدد من أصدقائه المميزين أو أحد أقاربه مثل أبنه نجاح أو أبن شقيقته.

في صيف 1986 دعاني رواء للقاء أنا و الاستاذ عبد الآله النعيمي الذي كان يعمل مترجما في مجلة قضايا السلم و الاشتراكية وهو يعمل معه في مركز بابل الذي كان يصدر مجلة بابل وهي المجلة العربية الوحيدة في براغ في ذلك الوقت و كنت أزورهم هناك في مقر المجلة بين الحين و الآخر.، و المقر هو عبارة عن غرفة مكتب واحدة. كان مكان اللقاء في مقهى سلافيا و عندما ذهبت وجدت الجواهري يجلس معهما فقدمني له معددا أقاربي من الشخصيات المعروفة وعندما ذكر له أن زياد هو أبن شقيقة الشهيد المحامي توفيق منيررحب بي بحرارة وقال (خالك كان بطلا) وبدأ يعدد مناقب المرحوم خالي عندما كان نائبا لنقيب المحامين وكيف كان يدافع مجانا عن الفقراء وقصته مع الزعيم عبد الكريم قاسم وقال لي " أنا وخالك كانت لدينا ظروفا متشابهة كلانا نصح الزعيم فاضطهدنا، خالك سجن بضعة أشهر و أنا تعرضت الى المضايقات ولكننا بقينا محبين له لانه كان وطنيا نزيها. قال الجواهري " قال له خالك بالحرف الواحد – أنت تحفر قبرك بيدك يا زعيم (هذه الجملة نقلها المحامي الوطني المعروف خالد عيسى طه في ذكرى استشهاد المرحوم توفيق منير) وأنا (الجواهري) كنت أكتب مقالات أنتقده فيها بحدة و أنتقد تهاونه مع العناصر الرجعية و المتآمرة وتصرفات رجال الشرطة والامن. ردد السيد رواء قصيدته الشهيرة :
وشدد الحبل في خناقهم لان في ارخائه ضرر
تصور الامر معكوسا لو أنهم نصروا فما عن كريم وأصحابه الخبر
لاصطل زيد باسم زائدة ولاقتيد عامرو المبتغى عمرو
وهذا ماحصل مع أن ماكان يطالب به الشهيد توفيق منير هو اطلاق الحريات و الانفتاح على النقابات و استقلالية القضاء.

في حديث ظريف آخر في تلك الجلسة طلب مني الاستاذ رواء أن أقرأ البيتين من شعر الرصافي التي يهجو فيها أهل عانة بسبب سرقة عباءته من الجامع التي كان ينام فيه بضعة ايام. فقال " هم زين موصلت ليمكم " فعقب أبنه نجاح "لكانوا سرقوا منك العرقجين". 
رفضت قرائتها ضاحكا و قلت أن الرصافي لم يقل تلك الابيات فأصر الجواهري أن يسمعها مع أنه قال بأنه يحفظ شعر الرصافي كاملا و لم تمر عليه قصيدة يهجو فيها أهل عانة ولكن ربما قالها ولم يدونها و بعد أصرار منه لم أستطع الا أن أذكرها له وطلب مني الاعادة وفي كل كلمة كان يصحح وبعدها قال من المستحيل أن تكون تلك للرصافي وعقبت أنا قائلا" ومن المستحيل أن يكون أهل عانة المشهورين بدوواينهم و مضافاتهم وكرمهم سرقة عباءة" قال الجواهري ضاحكا " هاي عاد ما أعرف ( في الحقيقة من سرقها كان بدويا مارا كان ينام في ركن آخر من الجامع في محلة الجميلة التي يسكنها الجميلات و الذين هم امتداد لعشيرة الجميلات التي ينتمي اليها الرصافي في الفلوجة).

دعانا الاستاذ رواء بعد هذا الحديث الى مطعم شعبي مفضل لدى الجواهري قريب خانتني الذاكرة ولا أتذكر أسم المطعم ولكنه كان مليئا بلوحات فنية للفنان الشهير الفونسو موخا. علق الجواهري على الطعام قائلا " هذه المرة لم يجيدوا طبخ الكندليك" (نوع من قطع معجنات خاصة في مرقة لحم البقر) اللحم غير مطبوخ و الكندليك رخو تفتت بسرعة لو طابخة آني بالبيت أطيب. و الجواهري معروف بأنه كان يطبخ في بيته معظم الاحيان.
التقيت بالجواهري مرة أخرى على غداء في بيت المرحوم الاستاذ عامر عبد الله في دمشق سنة 1988 أو 89 وكان الاثنان صديقان حميمان وذكرته بجلسة براغ وشعر الرصافي عن أهل عانة فشرح له المرحوم الاستاذ عامر القصة والشعر المفبرك عن أهل عانة. كان المرحوم عامرأحد أصدقائه المقربين في براغ و في دمشق وكان يناكفه كثيرا و الحديث عنهما بعيدا عن السياسة يطول وكان قد أرتجل له بيتين مديح بعد غذاء باجة في بيته لم أتذكر سوى أول مقطع: يا عامر الخير تشهد لك الندوات و الصحف .......
والحقيقة سمعت من المرحوم أبو عبد الله الكثير عن قصصه مع الجواهري ومناكفاته له يطول الحديث عنها.

في شهر تموز سنة 1992 بعد عودتي للمرة الثانية على بعثة اليونسكو سكنت لفترة مؤقتة مع العائلة لمدة أسبوعين في شقة مؤثثة وخلال تلك الفترة كنت أبحث عن سكن دائم. في يوم ما التقيت مع الاستاذ رواء و السيد نجاح الجواهري في مكتب السيد رواء وسألتهما ان كانا يعرفان شقة للايجار فوعداني بالمساعدة . تعرفت خلالها على شخص مقيم في براغ أسمه يعقوب متزوج من تشيكية فقال لي أنه مقيم في براتسلافا – سلوفاكيا و زوجته لديها شقة و ستتلتحق به في براتسلافا بعد شهر ايجارها 400 دولاربعد الخصم (نفس مساحة الشقة التي كنت قد استأجرتها في الحي الدبلوماسي قبل ست سنوات بـ 100 دولار و الاخيرة موقعها أفضل) ذهبنا لرؤية الشقة وهي بعيدة نسبيا واتفقت معه، ولكن علي تدبير شقة لمدة شهر. أتصلت بالسيد نجاح فسألني وذكرت له الموضوع فقال لي ربما أجد لك حلا وسألتقي بك يوم غد. وعلى الموعد في المقهى المفضل عرض علي أن أسكن في شقة والده الذي أستقر في دمشق في منزل حكومي كان مخصصا لسكن رئيس الوزراء حسب ما قاله لي نجاح. سألته عن الايجار قال لي غذاء في مطعم و شرط وحيد هو أنك ستتلقى اتصالات من والدي من دمشق وهو عادة يتصل صباحا وسيسألك فقل له أنا صديق نجاح ومن برنو(أعطاني أسم) وباقي أيام قليلة سأنتقل قريبا الى سكن دائم الخ. واوصي زوجتك أن لا ترد على التلفون قبل التاسعة صباحا. سيسألك عني قل له سيأتي بعد يومين وسآتي و أتصل به من الشقة لانه سيطلب مني أن أبحث له عن شيء ما بالشقة . كان الجواهري خلال اقامته متعلق بشقته كثيرا ويقول نجاح أنه يسميها شقيقتي أحيانا وكان لايستضيف فيها الا أصدقائه المقربين من الكتاب و الشعراء و أصدقائه من كبار الشخصيات. و قد استضاف فيها الشاعر الكبير مظفر النواب و الشاعر سميح القاسم و ومحمد سعيد الصكار وفي الستينيات عزيز الحاج و فيصل السامر وزكي خيري و شمران الياسري(أبو كاطع) الذي سكن في شقته فترة من الزمن وكان الجواهري يقيم أمسياته الشعرية فيها أحيانا.

أتفقت مع نجاح أن أستلم منه مفاتيح الشقة بعد يومين وأعطاني موعدا في المقهى ومن هناك ذهبنا الى مطعم يقع في شارع قريب من الشقة لتلبية شرطه وسكنت في تلك الشقة المتواضعة شهرا كاملا وفي كل يوم أحييه من خلال الصورة و كان هناك عرقجين معلق على الحائط بجوار الصورة. ولم تمر سوى بضعة أيام ويتصل صباحا ليسأل عن نجاح وفي الاسبوع الثاني يسألني " انت لازلت بالبيت؟" و في الاسبوع الثالث طلبت من نجاح أن يأتي مبكرا هو عادة يتصل يوم أحد ليضمن وجود نجاح في البيت تأخر نجاح وأضطررت أن أرد و شعرت بأمتعاضه وفي المرة الثالثة أضطررت للرد فشك وسألني جنابك شوقت تطلع؟ قلت له بعد أسبوع بعد أسبوع خرجت قبل أن يتصل. تندمت بعدها على عدم سرقتي للعرقجين الشهير مع أنني أخذت بعض الصور في تلك الشقة لم يحالفني الحظ بالعثور عليها.
الصورة لمقهى سلافيا الشهير في الجناح الذي يضع صور المشاهير ومنها صورة الجواهري الخالد.