ما بين زمنين – تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي  الجزء العاشر 

Submitted on Thu, 12/06/2018 - 11:31

د.زياد العاني
أحاديث عن الجواهري -2

في صيف 1986. كنت ألتقي بأستمرار بأحد الاصدقاء المقيمين في براغفي مقهى سلافيا أو أوبسني دوم ، و أسمه عباس --- كان أحد ركاب قطار الموت المشهور في صيف 1963، ويعرف المرحوم خالي " جميل منير" أكمل دراسته في كلية الزراعة و تزوج من تشيكية و استقر لاجئا وعمل مترجما لسنوات طويلة في السفارتين اليمنية و الليبية. 
في ذلك اليوم ذهبت فوجدت عباس يجلس بجوار الجواهري فأستغربت لان الجواهري لا يرتاح لاحد لايعرفه جيدا ويفضل الجلوس وحيدا و يكتفي بالسلام لدى مروره بالقرب من رواد المقهى من العراقيين وينضوي في زاويته المفضلة. تشحعت وسلمت عليهم فأجابني الجواهري " أهلا بالعاني" تعال خلصني من هالبلوة ليش هذا رواء (ابن شقيقته) تأخر؟ وكان يحدث نفسه ممتعضا من عباس. سألت ان شاء الله خير أستاذنا قال " كعد بالكوة يمي وقال " انت ملك الشعب العراقي مو ملك رواء ونجاح بس" وكان عباس يخبط بالكلام فانزعج الجواهري لكنه لم يشأ أن يحرجه. قال له عباس " أنا من ركاب قطار الموت وردت أعرف أنت ليش ماعندك قصيدة عن القطار؟" فأجابه الجواهري " وشمعرفك ما عندي؟ قال عباس "ماقاريها" فأجابه الجواهري يعني حتى لو قاريها شمعرفك هي عن قطار الموت؟" فضحكنا أنا و عباس . سأله الجواهري أنت متأكد كنت بقطار الموت لو انت سكران؟ قلت له نعم هو كان أحد الركاب. بعد بضعة دقائق جاء رواء وخرج الجواهري معه مسرعا. سألت عباس كيف تجرأت على التحرش به قال لي " أردت أن أغيظه لعله يهجوني ببيتين من الشعر ولكن مزاجه لم يكن سيئا جدا. 
السيد نجاح ابن الجواهري رجل بسيط و طيب وذو عفوية عندما تتكلم معه لاول مرة يشعرك بانك صديقه منذ سنوات وصاحب نكتة وتعليقاته تتسم بالطرافة وحتى ذوقه بالاماكن و المطاعم و المقاهي مميز.
بعد أن أنتقلت من شقة والده أردت ارجاع مفاتيح الشقة فتواعدت مع نجاح في مقهى يقع في ساحة " مالاسترانا" قريبا من قلعة براغ التي يفصل بينها و بين المدينة القديمة جسر تشارلس. 
قال لي- تعال معي سأريك مطعما جميلا في منطقة فريدة من نوعها قريبة من هنا. سرنا مسافة قصيرة، بعد انعطافنا من جسر تشارلس يسارا نزلنا الى منطقة قديمة وشوارع ضيقة بمحاذاة نهر الفلتافا مشينا قليلا فاذا بمطعم يقع على زاوية من شارع ضيق عرضه حوالي نصف متر أو أكثر قليلا طوله بحدود 12 متر و هو عبارة عن ممر درجات تنزل فيها الى الاسفل لتصل الى شارع "لوجيتسكيهو" فيه اشارة ضوئية لتنظيم مرور المشاة فهو لا يتسع لاكثر من شخص واحد. سمعت مؤخرا أن احدى السائحات الالمانيات علقت بالمنتصف بعد خروجها من المطعم فنادوا رجال الاطفاء لسحبها. 
في المطعم حدثني نجاح قائلا أنه كان مع والده سنة 1980 في مطار طهران ينتظران الطائرة المتوجهة الى دمشق فتعطلت الطائرة "طلب مني والدي أن أكتب رسالة الى شقيقي كفاح وكان في ذلك الوقت في موسكو. أملى علي الرسالة وكانت بحدود 8 صفحات فطلب مني اعادة قراءتها . ومع نهاية كل صفحة كان يطلب مني الرجوع الى السطر الثالث أو الرابع أحذف كلمة و أضف كلمة الى أن أقتنع و قال لي أقرأ الآن. كنت أقرأ قطعة نثرية جميلة، أنهيت الصفحة الاولى وقبل أن أبدأ بالثانية قلت له - ما أعرف ليش ماجريتنا بها العبقرية؟" فأجاب والدي قائلا " الكثير من العباقرة خلفوا أبناءا معوقين أو متخلفين عقلي ويبدو أنني لست أستثناء" و أردف قائلا " أكتب أكتب يا غزال – هنا قال لي نجاح هو لم يقل غزال قال الوصف المعروف بالعراقي !!.
القصة الاخيرة رواها لي صديقي الاستاذ عبد الاله النعيمي الذي كان يعمل مترجما (من الانكليزية) في مجلة قضايا السلم و الاشتراكية وكان شريكا للاستاذ رواء في مجلة بابل. كان الجواهري يطلب منه أن يتابع و يترجم له ما ينشر في الصحف الاجنبية عنه. في يوم ما في سنة 1984 نشرت جريدة الهيرالد تربيون مقالا كتب فيه كاتب المقال أن الجواهري هو الاصلح لان يكون رئيسا للعراق حيث أنه علماني و من الطائفة الشيعية ومن مدينة النجف و مقبول من السنة ومقرب من أيران وقريب من الشيوعيين و اليسار الديمقراطي ويحبه الاكراد وشاعر مشهور، فقد يستطيع توحيد العراقيين و ارضاء ايران في ذات الوقت لتنتهي الحرب. أرتجف الجواهري بعد قراءته لترجمة المقالة التي سلمها له عبد الآله النعيمي حيث كان يعرف ما معنى أن يطرح أسما منافسا لصدام حسين. فقال للاستاذ عبد الآله سأكتب ردا أريدك أن تترجمه وتبعثه الى الجريدة وطلب منه المجيء الى شقته في اليوم الثاني حيث أنه يقيم أمسيه على شرف صديقه الاستاذ المرحوم عامر عبد الله وبعض أصدقائه. 
يقول عبد الآله " ذهبت وسلمني ردا طويلا مكتوبا بلغة صعبة جدا وقال لي ترجم الرسالة وارسلها، فقلت له أحتاج من يترجمها لي الى العربية أولا، فطلب الجواهري من الاستاذ عامر أن يقرأها و يعطي رأيه. كان المرحوم عامر عبد الله صديقا مقربا منه ومن القلائل الذين لم يزعل عليهم يوما وكان يناكفه كثيرا فقال له أبو عبد الله لا داعي للرد المقالة منصفة وواقعية وتحليل كاتب المقال صائب وشكو بيها صير رئيس فقال الجواهري أبو عبد الله الحجاج ما قدر يحكم العراقيين آني بتالي عمري أحكمهم. قابلية المرحوم أبو عبد الله على الاقناع لا مثيل لها قال له" عينّي عندك مستشار وانت بس وقع وبقي يناقشه بجدية و اذا بالجواهري يطلب من عبد الآله أن يرجع له الرسالة وقال صح شنو يرادلها أنا أضمن الاكراد و الشيوعيين بالجيب ويلتفت على المرحوم عامر " مو صحيح أبو عبد الله" أيران ترضى وكثير من القوميين و حتى البعثيين يدعموني". قال له أبوعبد الله " بس دير بالك تروح قبل متأمن خروج أبو عدي أول شيء".