معنى الشيوعية ماركسياً

Submitted on Thu, 12/06/2018 - 17:30

عبد الحسين سلمان
أن نظرية القيمة لماركس، على وفق رؤية فاجنر، تشكل حجر الزاوية في نظامه الاشتراكي.
وبما أني لم أضع أي نظام اشتراكي socialist system / sozialistisches System ، فأنها ليست سوى رؤية فنظازية من جانب فاجنر، وهكذا دواليك....ماركس 1881

تم الاعتماد في هذه المقالة على كل من دراسات , الفيلسوف الفرنسي أندريه توزيل Andre Tosel , وكذلك الفيلسوف الفرنسي طوني اندرياني Tony Andrani والواردة دراستهما عن المجتمع الشيوعي في كتاب : 
Dictionaire critique du marxisme .
Georges Labica et Gérard Bensussan.
La seconde édition, datée de 1985.

1. الى ان تم كتابة الايديولجية الالمانية 1845 لم يكن ماركس يستخدم مفردة الشيوعية للدلالة على المجتمع المنبثق من الثورة الاجتماعية , بل كان يستخدم مفردة الاشتراكية.

2. وقبل ماركس كانت كلمة الشيوعية , تشير الى مشاعة الممتلكات. حيث كان منتشراً مذهب كابيه Cabet و مذهب وايتنلغ Weitling الطوباوي.

3. وفي مخطوطات 1844 , تم تناول كلمة شيوعية , تناولاً فلسفياُ حيث خصص ماركس فصلاً خاصاً , تحت عنوان : الشيوعية و الملكية الخاصة, تناول بالنقد فيه الشيوعية الفجة ( هكذا ترجمها محمد مستجير مصطفى), Crude communism / rohe Kommunist 
وأن الشيوعية هي تعبير ايجابي عن الملكية الخاصة الملغاة aufgehobnen / annulled , وهي نفي لنفي الأنسان , أي نفي للملكية الخاصة Privateigentum / Private Property . وبأعتبارها تحقيقاً للنزعة الأنسانية , من خلال قضائها على كل أنواع الأغتراب alienation / Entfremdung, تعيد للأنسان جوهره الاجتماعي , والى مجتمع ينفى فيه تقسيم العمل division of labour / Teilung der Arbeit ....م-1

4. وتم أعادة هذه المواضيع في مخطوط الأيديولجية الألمانية 1845 , ولكن بشكل أخر مهم, وهو الانتقال من المقولات الفلسفية العامة الى وقائع عملية خاصة بالإنتاج الرأسمالي ( التناقض بين قوى وعلاقات الإنتاج و الصراع الطبقي ). ويكون تصور الشيوعية , هنا أن تأخذ على عاتقها , الاستمرارية بين الحركة التاريخية للصراع ضد رأس المال ومجتمع المستقبل اللاطبقي, حيث يكتب ماركس:

ليست الشيوعية , بالنسبة لنا حالة يجب أت تخلق ولا مثلاً أعلى يتوجب على الواقع أن يعدل نفسه وفقاً له, بل نسمي شيوعية الحركة الحقيقة real movement / wirkliche Bewegung / , التي تلغي الحالة الراهنة....م-2 .

ولذلك فرض إنجلز في المؤتمر الأول لرابطة الشيوعيين , رابطة العمال الدولية / (IWA) / , تعويض الشعار القديم , كل البشر أخوة / Tous les hommes sont frères / الى شعار , يا عمال العالم أتحدوا / Proletarier aller Länder vereinigt Euch!, literally .
وبذلك أغلقت فترة , الأخاء و المساواة , لتحل محلها حركة بروليتارية ذات أهداف سياسية. وبالتالي بزوغ حزب شيوعي, ولهذا كان اسم البيان في عام 1848 / Manifest der Kommunistischen Partei / بيان الحزب الشيوعي, وليس البيان الشيوعي.

5. ومن هذه الفترة, بدأ عمل ماركس الحقيقي , على أن الشيوعية , تنبثق من حركة رأس المال , وأنها نتيجته الاقتصادية الحتمية.
وفي الفصل 32 من الجزء الاول / الطبعة الانكليزية/ من رأس المال , والذي بعنوان : الميل التاريخي لتراكم رأس المال , يلخص ماركس توقعه , في أن القانون الطبيعي لحركة المجتمع الرأسمالي , يتحكم في مخاض الشيوعية المحٌتم.

ولكن تحليل ماركس في الكتاب الثاني من رأس المال , لا يثبت نظرية الانهيار الحتمي لرأس المال.
ففي فصل تجديد الإنتاج ,يبرهن ماركس , على أن لا وجود لحد أقصى من التراكم لا يمكن تجاوزه.
و الأزمة ليست إنحلال سلطة رأس المال في المعمل, بل هي سلاح يسمح لرأس المال بالعودة من جديد الى التراكم, عبر تشكيل جيش احتياط يضغط على الشغيلة. وحركة التراكم بدلاً من تؤدي الى وحدة الطبقة العاملة و تنظيمها , فانها تقسُم هذه الطبقة بافراز جيش احتياطي Reservearmee / reserve army ....م-3

لا بل يرى ماركس أن رأس المال هو الاقوى في الصراع الاقتصادي البحت the stronger side ....م-4

و أن العمال لا يمكنهم الانتصار الأ عبر عمل سياسي عام, general political action .

6. ومع ذلك كله , يرى ماركس أن رأس المال واقع مستلب , مغترب alienated , تسيطر فيه العلاقات بين الأشياء على العلاقات بين الأشخاص , وهذا الاغتراب يصدر عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج , لذلك تبقى الشيوعية أساساً نقداً لهذه الملكية , والتالي ترسم صورة مجتمع متحرر من الاغتراب .

7. وتبدو الشيوعية على نقيض الضرورة المجسدة في قوانين رأس المال , وتغدوا بمثابة , قفزة الأنسان من سيادة الضرورة الى سيادة الحرية , كما عبر عنها إنجلز.

8. والشيوعية هي تنظيم ناتج عن اتفاق المنتجين و شبه عقد اجتماعي ضمني , وأن الملكية الجماعية تتلخص في انها مجرد إدارة الأشياء والغاء تقسيم العمل. لذلك يقول ماركس في الكتاب الثالث من رأس المال :
تبدأ مملكة الحرية حيث ينتهي العمل المحدد بالضرورة و الظروف الخارجية. والشيوعية تلغي التعارض بين العمل الحر و العمل الزائد , عندها لن يصبح وقت العمل هو مقياس الثروة بل سيكون وقت الفراغ....م-5

9. قدم ماركس بوضوح وبصفة إيجابية نظرية لنمط الإنتاج الشيوعي.

10. أن نظرية نمط الإنتاج الشيوعي نمت و تطورت عبر مسيرة اعمال ماركس , من خلال المقاطع المنتشرة في كتاب رأس المال وكتاب نقد برنامج غوتا , وكتاب الحرب الأهلية في فرنسا, وكتاب الإيديولوجية الألمانية وكتاب بؤس الفلسفة.

11. في كتاب نقد برنامج غوتا , توجد مرحلتان. 

1) المرحلة الأولى من الشيوعية , وهي فترة الديكتاتورية البروليتارية , وهي فترة قصيرة نسبياً , يتم فيها انتزاع الملكية من الرأسماليين .
أن ما نواجه هنا إنما هو مجتمع شيوعي لا كما تطور على أسسه الخاصة، بل بالعكس، كما يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي؛ أي مجتمع لا يزال، من جميع النواحي، الاقتصادية والأخلاقية والفكرية، يحمل سمات المجتمع القديم الذي خرج من أحشائه, 
إن هذا المجتمع الشيوعي المنبثق لتوه من أحشاء الرأسمالية والذي يحمل من جميع النواحي طابع المجتمع القديم .

إن وسائل الإنتاج لا تبقى ملكا خاصا لأفراد. إن وسائل الإنتاج تخص المجتمع كله. وكل عضو من أعضاء المجتمع يقوم بقسط معين من العمل الضروري اجتماعيا وينال من المجتمع إيصالاً بكمية العمل التي يقوم به. وبموجب هذا الإيصال ينال من المخازن العامة لبضائع الإستهلاك الكمية المناسبة من المنتوجات. وبعد طرح كمية العمل التي توجب للمخصصات العامة، ينال كل عامل إذن من المجتمع بمقدار ما أعطاه....م6

ويعلق لينين على هذه المرحلة فرحاً:
يبدو أننا في ملكوت المساواة.....م7

2) والمرحلة الثانية , تتميز أساساً بزوال disparition تقسيم العمل, والتوزيع حسب الحاجات.

12. والشيوعية بأعتبارها نمط إنتاج تتمحور حول الملكية الجماعية والتي يمارسها العمال المشتركون.

13. ولكن كيف يكون المنتجون كلهم , مالكين لوسائل الإنتاج ؟ لقد اجاب ماركس على هذا السؤال في كتاب الحرب الاهلية في فرنسا 1871 :
يتم ذلك عن طريق نظام نواب مسؤولين , يمكن عزلهم و يتقاضون أجوراً عمالية , ويقع انتخابهم من القاعدة الى القمة بعيداً عن كل تنصيب هرمي investiture hiérarchique .

14. إن نمط الإنتاج الشيوعي يهدم في نظر ماركس كل فصل بين وحدات الإنتاج , ويزيل علاقات السوق , ويتجاوزون التقسيم الاجتماعي للعمل, فقد جاء في الحرب الاهلية في فرنسا ( 1871):

إن الكومونة كانت تعتزم إلغاء تلك الملكية الطبقية التي تجعل عمل الكثرة ثروة القلة؛ كانت تعتزم مصادرة ملكية المغتصبين. كانت تريد أن تجعل الملكية الفردية حقيقة واقعية بتحويل وسيلتي الإنتاج، الأرض و الرأسمال، اللتين هما الآن، قبل كل شيء، أداتا استعباد العمال و استثمارهم، إلى أداتين للعمل الحر المشترك. – ولكن هذه شيوعية، شيوعية ((مستحيلة))! غير أن أولئك الممثلين من الطبقات الحاكمة – وهم كثيرون – الذين أسعفهم ذكاؤهم فأدركوا استحالة استمرار الوضع الراهن طويلا قد غدو رسل الإنتاج التعاوني اللجوجين الضجاجين. و إذا كان للإنتاج التعاوني ألا يظل كلاما فارغا أو خداعا، إذا كان له أن يحل محل النظام الرأسمالي، إذا نظمت الجمعيات الإنتاج الوطني بناء على خطة مشتركة ووضعته تحت إشرافها هي، فوضعت بذلك حدا للفوضى الدائمة و الأزمات الدورية التي هي القضاء المحتوم للإنتاج الرأسمالي – ألا يكون ذلك، وهذا ما نسألكم، أيها السادة المحترمون، شيوعية، شيوعية ((ممكنة))؟ .....م-8

15. لكن كيف سيقع تقسيم المنتوج الإجتماعي ؟ 
أن على المنتجين المتحدين , أن يقوموا بعمل ضروري وعمل زائد على الضرورة. بحيث إنهم عندما يفرغون من تعويض وسائل إنتاجهم , سيخصصون جانب من الانتاج لاستهلاكهم , ويتركوا احتياطياً من الإنتاج للاستعمالات التالية:
1) قسم للقاصرين عن العمل .
2) قسم للطوارئ.
3) قسم يدخل في التراكم 
4) قسم للعمل الغير منتج / المصاريف العامة للإدارة.

16. و في نمط الإنتاج الشيوعي , وافق ماركس على نظام يقوم استبدال سندات عمل bons de travail , مقابل وسائل استهلاك مساوية لكمية العمل المناسبة . 
ولكن تبقى هناك تساؤلات مشروعة , منها:
1. هذه النظرية تترك هنا او هناك بعض المواضع الغامضة و عدد كبيراً من التساؤل, وتتضمن بعض الجوانب الطوبائية Utopiques .
2. مسألة زوال الطبقات هي مسألة عسيرة و معقدة جداً , بحيث قال ماو تسي تونغ عنها : أنها تستغرق قرون.
3. لا يقول ماركس الكثير عن نظام العمل , في المجتمع الشيوعي, لذلك قال لينين أن المجتمع سوف يصبح مكتباً واحداً أو مصنعاً واحداً.
4. كيف سيتمكن نمط الإنتاج الشيوعي من تجديد إنتاج ذاته ؟
5. كيف سيتوزع العمال بين مراكز الإنتاج؟
6. وتبقى مسألة توزيع الإنتاج , مجهولة ولا نعرف كيفية عملها؟
7. وتبقى المسألة الاهم وهي الدولة. فاذا كانت ديكتاتورية البروليتارية تحطم الدولة البرجوازية , فأن الشيوعية تحطم كل دولة كدولة .
كيف سوف يكون شكل النظام السياسي , داخلياً و خارجياً, كيف يتعامل مع الدول الاخرى, هل هناك هيئة سياسية تقوم بهذا الدور؟
8. أستخدم ماركس في كتاب نقد برنامج غوتا 1875 : في المرحلة العليا من الشيوعية , الشعار المسيحي : من كل حسب مقدرته إلى كل حسب حاجته.

From each according to his ability, to each according to his need…

ونقول مسيحي , لانه ورد مرتين في العهد الجديد.
الاولى , في متى 25: 14- 30
فمَثَلُ ذَلِكَ كمَثَلِ رَجلٍ أَرادَ السَّفَر، فدعا خَدَمَه وسَلَّمَ إِلَيهِم أَموالَه. فأَعْطى أَحَدَهم خَمسَ وَزَنات والثَّانيَ وَزْنَتَين والآخَرَ وَزْنَةً واحدة، كُلاًّ مِنهم على قَدْرِ طاقَتِهِ.

والثانية, وردت في اعمال الرسل, 4:35 
ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزع على كل أحد كما يكون له احتياجه

وهذا الشعار , اعتقد انه شعار خيالي, كيف سنحدد القدرة ability / Faehigkeiten , وقدرات الناس مختلفة .
و كيف سنحدد الحاجة need / Leistung وسط الحاجات البشرية المتنافرة كلياً.

أنني أرحٌب بكل حكم يرتكز على نقد علمي scientific criticism. أما تحيزات ما يدعى بالرأي العام , الذي لم أقدم له يوماُ أدنى تنازل , فشعاري الآن, كما من قبل, حكمة الشاعر الفلورنسي العظيم دانتي:
سر في طريقك , ودع الناس يقولون ما يشاؤون ....ماركس 25.07.1867 مقدمة الطبعة الألمانية الأولى.



المصادر

1.
https://www.marxists.org/deutsch/archiv/marx-engels/1844/oek-phil/3-3_prod.htm

2. 
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-ideology/ch01a.htm
3. 
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1867-c1/ch25.htm#S3
4.
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1865/value-price-profit/ch03.htm#c14
5. 
http://www.critique-sociale.info/713/extraits-des-grundrisse-de-karl-marx

6.
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1875/gotha/index.htm

7. 
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1917/staterev/ch05.htm

8. 
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1871/civil-war-france/ch05.htm

الحوار المتمدن