هادي العلوي.. حلاج القرن العشرين ومشروع المزاوجة بين التراث والماركسية

Submitted on Sat, 12/08/2018 - 11:03
هادي العلوي

محمود مراد

لم يكن هادي العلوي مجرد مفكر صاحب مشروع نظري في قراءة التراث الإسلامي، وإنما حمل الرجل معه آلام الفقراء والمهمشين والمشردين في كل بقاع العالم ضمن همومه اليومية، ووقف معهم في نفس موقعهم الطبقي ضد سلطة أصحاب المال وأرباب الدولة ورجال الدين، وهولاء بنظر العلوي هم مصدر الشقاء والبؤس وممارسة القهر ضد الجماهير وتزييف وعي الناس وإرضاخهم إلى الأمر الواقع سعيًا إلى تأبيده وتأمين مصالحهم.

وكنت قد ترددت كثيرا في الكتابة عن الراحل، إذ أن الكتابة عن العلوي لا تستلزم فقط ثقافة موسوعية نظرًا لتشعب مشروعه الفكري في اللغة والتراث والتاريخ، بجانب الماركسية التي أطَّرت عمله بمنهج مادي تاريخي صارم، وإنما تحتاج أيضًا إلى نوع من التطهر الروحي يقتضي معه التلبس بروح قديس مشاعي وهب حياته نضالًا من أجل من كان يسميهم “الخلق”، عندما خرج يومًا في شوارع بغداد، متلبسًا بروح المسيح، داعيًا المثقفين إلى مصاحبة الفقراء وتنظيف ملابسهم من القمل.

شروط المثقفية الكونية

والمثقفون عند هادي العلوي هم أغيار، يحتلون نفس الموقع الطبقي والحضاري الذي يحتله الرأسماليون ورجال الدولة وعملاء الاستعمار، وقد صاغ الراحل تعبير “المثقفية الكونية”، ليميز بينها وبين مثقفية “الأفندية”، وشرع يضع لها شروطا أشار إليها فى أغلب أعماله، بما يعني أنها كانت تمثل بالنسبة له هاجسًا معرفيًا وسلوكيًا.

من ضمن هذه الشروط وأولها، الحرمان، ويعني في جوهره موقفًا زائدًا عن الموقف الفكري لدى المثقف العادي ممن يتعاطى القراءة والكتابة، والحرمان عند العلوي هو ضريبةً تُفرض على أهل العقل، بما وصفه القدماء بقولهم “من زاد علمه زاد غمه”، لكنه عاد وصاغ المعنى ضمن قوله “الحرمان إذن فريضة على أهل العقل حين تعظم ثقافتهم فتبلغ النصاب الذي تجب عنده الضريبة، وهذا النصاب هو في الغالب ما أسميه الثقافة الكونية، أو بتعبير أدق المثقفية الكونية، نسبة إلى المثقف الكوني، وقد وُصِف به أبو العلاء المعري على لسان الجواهري:

أجللت فيك من الميزات الخالدة

 حرية الفكر والحرمان والغضبا

الحرمان آية المثقف الكونى، ويعني الترفع عن خساسات الجنس والمال والسلطة، والعيش إلى حد الكفاف كما يعيش الناس، ويتحقق ضمن شروط التصوف الاجتماعي، ويقصد به العلوي التصوف المناوئ للسلطة وامتيازاتها الطبقية، وذلك والاصطفاف إلى جانب صفوف الخلق ضد سلطة الدولة والدين والمال، ويتضح من ذلك أن بونًا شاسعًا يفصل بين نفسية “المثقف الكونى”، وبين نفسية أنماط المثقفين الأخرى التى تضم بينها قطاعات عريضة من النخب المثقفة الموجودة الآن، بالإضافة إلى رجال الدين.

المثقفية الأولى “تتلبس نفسًا كبيرًا، تتهاوى أمامها هيبة الحاكم ودولته، وهيبة المال وأصحابه، وتتطاير معها هواجس المجد والشهرة”، أما النوع الثانى من الثقافة فيدخل على “المثقفين المنخورين بالخواء الروحي، والبغاء الجسدي، والعبودية الفكرية”، وهو ما أطلق عليه العلوي وصف “شيوعية الأفندية”، وعاد فضمَّ معهم فى ذات الخندق رجال الدين أيضًا وعملاء الاستعمار وخدم الدولة من المثقفين المأجورين، ويرى العلوي أن الأفندي يقدم عرضًا زائفًا عن أوضاع الطبقات المنسحقة تحت وطأة الفقر والحرمان، لكنه لا يشعر بمعاناتهم وبؤسهم، إذ أن الكلام لديه مجرد بضاعة قابلة للتداول في سوق الشعارات، ويوضح بقوله “إن الواحد منّا لا يكفيه أن يملك وعيًا شيوعيًا ليكون كذلك، بل لابد له من وجدان شيوعي، لا مجرد فكر شيوعي، بل إن الشيوعية لا صلة لها بالفكر، بل هي ليست من الثقافة في شيء، بل إن أسوأ غرارات الشيوعيين هم المثقفون.. الشيوعية أو المشاعية كما أحب أن أسميها موقف وجداني مؤنسن بحب الناس وكره الدولة والأغنياء وأهل الدين، وهذا الموقف يأتي الإنسان من داخله ولا يحتاج إلى معرفة إضافية، إلا أنه قد يحتاج إلى تعزيز وتحفيز بقسط من الثفافة والمعرفة غير المدنسة، أي الثقافة المروحنة الخارجة عن صلابة العقيدة والمتمردة على مطالب الطبيعة”.

 وحسب العلوي “فالمثقف الحالي يبحث عن الأمسيات الرطبة في القاعات الفاخرة، وفنادق الـ “خمس نجوم”، وتذاكر سفر مفتوحة تنقله من منتجع إلى آخر، ويريد منزلًا مؤثثًا على طريقة أمراء النفط، لكي يمارس فيه هواية التأليف وكتابة الشعر والرواية، وبالتأكيد أن هذا المثقف لا يتحمل النهج الثقيل الذي يجعل عبد القادر الكيلاني يتجول في حارات الفقراء ويجالسهم ويساعدهم في تنظيف ملابسهم من “القمل”، كيف يستطيع وهو اللاهث وراء الجوائز؟ كيف يستطيع أحدهم أن يقف في وجه الحاكم ويقول له: يامصاص الدماء؟ وهل يخطر ببال أحدهم، ولو في الخيال، أن يخرج من بيته لكي يصد جيشًا يحاصر مدينته كما فعل المعري؟ وأي منهم المستعد للتعامل مع المرأة بوصفها كائنا روحيا وليس جسدا عاريا؟”

يصعب جدا تصنيف مفكر كهادي العلوي، فإن إسهامه الفكري يمتد إلى اللغة والتراث والتاريخ والتصوف والفلسفة، وقد ولج الراحل كل هذه الفروع المعرفية متسلحًا بعدسة الماركسية وأداتها المنهجية الحاسمة في المادية التاريخية، وليس غريبًا أن يصفه المفكر الفرنسي الكبير “جاك بيرك” بكونه واحداً من أخطر عشرة مفكرين في القرن العشرين، ويضعه في موازاة سارتر، وميشيل فوكو، وهربرت ماركوز، وكاسترياديس، وبرتراند راسل، وسونغ لي، وتروتسكي، وأخيراً نوم تشومسكي، وذلك بسبب العمق الشديد الذي امتازت به كتابات وبحوث الراحل، ومدى ما كان يتمتع به من دقة ونزاهة علمية، بالإضافة إلى سعيه المحموم وراء تمديد أفكاره في واقع الصراع بين عموم الجماهير وصفوة السلطة، لتصبح مكونًا أساسيًا، ورافدًا معرفيا ضمن المعركة الحضارية التي تستهدف محو وعينا من الوجود.

المشروع الحضاري.. المزاوجة بين التراث والماركسية

يقول هادي العلوي أنه انتقل إلى الماركسية من خلال التراث، “كان انتقالي إلى الماركسية بالترابط مع فهمي الجديد للتراث، فلم أتخلَّ عنه لأني صرت ماركسيًا كما يفعل كثيرون عندما ينتقلون من حالة التدين أو الاعتقاد، فينبذون كل شيء وراءهم، ليتأدلجوا بطريقة أحادية، لأن دراستهم السابقة للتراث إيمانية وليست شكية، والدراسة الإيمانية لأي مذهب تمكن من الانتقال الفجائي والقاطع إلى المذهب الآخر”.

والاهتمام بالتراث له ثلاث ساحات كما يوضح العلوي، الرجوع له بوصفه عقيدة، وهذا هو تراث الأصولية، والرجوع إلى التراث لمحاربته، باعتباره قاعدة الأصولية، وهذا نمط مرتبط بالحملة الغربية القائمة على الإسلام، وأخيرًا الرجوع إلى التراث لتأصيل الثقافة الوطنية، وهذا النمط معادٍ للأصولية والاستعمار في آن واحد، ومؤسسه بالتحديد هو العلَّامة الشهيد حسين مِروَّة.

وجماهير التراث المدروس أيضًا ثلاثة، جمهور سلفي يقرأ التراث كعقيدة، وجمهور مستغرِب يدعم الخط المعادي للتراث في الوسط العلماني بدعوى معاداة الأصولية، وجمهور وطني يتثقف بالتراث في مواجهته للأصولية والاستعمار.

التراث لا يشكل لهادي العلوي مجرد رافد معرفي، وإنما معنىً للتحققق الحضاري، يقول: “نحتضن تاريخنا لنبدأ منه، أي من نهاياته.. مهمتنا واعية قاصدة، هي العودة إلى التراث، أي البدء من النهاية.. فأنهارنا أطول الأنهار وأعتاها وأزخرها بالمعنى والذات، وفي دفاعنا عن المعنى والذات نفضح الخرافة الأورمركزية (مركزية الثقافة الغربية)، ونقاوم الأغيار من الأغنياء وجيرانهم، لنعيد فقراءنا إلى وعيهم، ولو أنهم في الحقيقة لم يفقدوا الوعي، وإنما فقدناه نحن الفئة القليلة التي تقرأ الحقائق المترجمة وتسمي ما تقرأه علمًا وتنفصل عن علم الناس وتسميه جهلًا في مصادرة على الأمية”.

بدأ هادي العلوي في تعميق دراساته بالتراث بعد أن استكمل أدوات المنهج الماركسي، وقد تثقف على يد شاكر جابر، ويوسف عبد القادر، وعلي الشوك، رموز الحركة الماركسية في العراق في الخمسينيات، وفي أثناء تعاطيه مع المنهج المادي التاريخي، رأى العلوي في تحليله للأساس الاقتصادي للمجتمع العربي، أن الانتقال فيما يتعلق بمجتمعاتنا ليس من الإقطاع إلى الرأسمالية، فالاقتصاد الآسيوي ليس إقطاعيًا على النمط الأوربي، والرأسمالية عندنا  ليست هي الرأسمالية الأوربية، فهي كما حددها الشهيد مهدي عامل برجوازية كولونيالية.. يعني برجوازية محلية تابعة وغير منتجة، وقد نبه ماركس وأنجلز إلى أن الأوضاع المشاعية في روسا وآسيا تسهِّل الانتقال إلى الاشتراكية، ودعوا إلى التمسك بهذه الأوضاع التي تقوم على مبدأ “لا ملكية خاصة في الأرض” حسب تعبير ماركس، وكون الأرض مملوكة الرقبة للدولة وملكيتها للأفراد ملكية انتفاع، وهذا هو النمط الخراجي الذي حظي بدراسات هامة في السنوات الأخيرة”.

ويتلخص مشروع هادي العلوي في المزاوجة بين الماركسية والتراث، أو كما يدعو “أقلمة الماركسية”، فالتجارب الشيوعية المعاصرة فشلت عندنا بسبب أحاديتها المرجعية، إذ اعتمدت حصرًا على المصادر المترجمة، و”قد قلت في مناسبات كثيرة إن الماركسية وحدها لا تكفي، وقد أهمل شيوعيونا مصدر التأصيل للفكر الشيوعي والنضال الشيوعي، وهم فئة من البرجوازيين المتوسطين والصغار، يعرفون عن الغرب أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، فتصرفوا بجهل شبه كامل بوعي الجماهير ومتطلبات البيئات المحلية أو مستلزمات الهُوية، فالوضع الراهن للمثقف في العالمين العربي والإسلامي وعموم الشرق هو وضع ناشئ عن المصدر الأكبر للثقافة المعاصرة القادمة من الغرب، ولأجل ذلك كتبت “مدارات صوفية” لكي تتأصل ثقافة شرقية خارجة من دائرة الهيمنة الأوربية ومستندة إلى المثقفية الشرقية المتماهية مع الجماهير، ومن هنا حديثي عن الثقافة الأمية والمثقف الأمي، مع وجوب التمييز بين الأمي والجاهل، فالجاهل قد يكون مثقفًا كبيرًا! والأمي إذا نظرناه في غرارية الفرد العادي، قد يكون أصح وعيًا من المثقف الكبير! فالأمية لا ترادف الجهل، بل قد تجد ترادفًا بين الجهل والثقافة!!، ولو أردنا متابعة جهالات المثقفين في العصر الحاضر، سواء في الشرق أو الغرب، لوقفنا على حقيقة ما أريد إثباته، فهذا برتراند رسل، أعظم فلاسفة القرن العشرين يدعو الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1947 إلى قصف الاتحاد السوفيتي بالقنابل الذرية للقضاء عليه، أي جهل أشد من هذا الجهل الذي يرتكبه فيلسوف كبير حين يدعو إلى إبادة شعوب بكاملها من أجل بقاء حضارته الغربية؟! وفي كتابه الهام “تاريخ الفلسفة الغربية” شطب رسل على فيلسوف بحجم ابن رشد وفلسفة الرشدية اللاتينية التي شغلت أربعة قرون من تاريخ أوربا، والدافع عنصري، هذه تصرفات أكبر فلاسفة القرن العشرين!.

وتتحدد مصادر التأصيل للفكر الشيوعي في حضارتنا، كما يراها هادي العلوي، في التراث المكتوب (تاريخ المعارضة في الإسلام وتجارب التصوف الاجتماعي وتراث علم الكلام في منحاه المعارض) والتراث المشفوه (حكايات العزة والشموخ العربي وأمثال العامة الشعبية المشفوعة بالتهكم والسخرية من الحكام وبطانتهم) أي في تراث الحضارة الإسلامية والبيئات المحلية.. ويعني ذلك إنشاء شيوعية محلية تبدأ من التراث المشاعي الإسلامي ودمج التقاليد المشاعية في الماركسية، بعد نزع القداسة عن الطرفين، بحيث يكون اليساري حرا في التعامل مع تراثه وماركسيته في آن واحد.. إن النجاح هنا مرهون باختراق سدود الفكر المُترجم والتماهي مع وعي الجماهير وهُويتها الحضارية، ويمكن التعويل على حركة شيوعية جديدة تقوم على الأسس التي بنيناها، بحسم الاتجاه لصالح الجماهير وانجذابها إلى اليسار”.

ويتشكل وعي الجماهير في نظر العلوي من خلال ثوابت ثلاث، الوعي الطبقي المضاد للأغنياء، والوعي السياسي المضاد للاستعمار، والوعي اللقاحي المضاد للدولة (اللقاحية مفهوم جاهلي طوَّره العلوي يستند إلى الأعراف الجاهلية القبلية ويعني رفض سلطة الدولة) وهي المعادلة التي تجمع بين العقيدة والوضع المشاعي من جهة، والعقيدة والهُوية الحضارية من جهة ثانية، والعقيدة والموروث اللقاحي من جهة ثالثة.. و”القضية عندنا كما حددها العلَّامة حسين مِروَّة هي استمرار الماضي في الحاضر، ليس كما نريده بالربح الميكانيكي، بل من خلال وعينا بسيرورة التاريخ عندنا، والتي يجب أن تبدأ من تعاملنا مع البيئة المحلية ومحتوياتها التي تجسد استمرار الماضي في الحاضر، وعندما نبدأ بإعادة الإرث الثقافي المتكامل مع البيئة، ولكن غير المدروس، فإننا نواصل هذه السيرورة، وعندئذ لا يكون التراث موضوعًا لإسقاطات بنيوية أو قومية أو حولياتية، بل حركة ديمومة يجب فهمها كما هي دون خلفيات جاهزة.. فهي عملية مدامجة بين عناصر الفكر التنويري حيثما وُجدَت في التراث الإسلامي، ثم إدماجها بالثقافة الحديثة”.

Image removed.

ويستند العلوي في ذلك إلى وجود نمطين من الثقافة، ثقافة سلطة، وثقافة معارضة، فثقافة السلطة ينتظمها الأدب والشعر الذي كان ألصق بها، ومجمل ديوان الشعر العربي بعد الجاهلية وصدر الإسلام مكرس للارتزاق، أما ثقافة المعارضة، كمصدر من جهة، ومضمون من حهة أخرى، فهي النمط السائد في الثقافة الإسلامية يتمثلها في القرن الأول ونصفه الثاني كل من الفقه بوصفه حقوقًا، وعلم الكلام بوصفه فكرًا فلسفيًا، بالإضافة إلى ثقافة الفرق المعارضة، وهم بوجه عام الخوارج والشيعة، والحركات المعارضة التي لا تنتمي إلى فرق كالخرمية والزنج، ونستطيع أن نتابع عمق التوغل في نزعة المعارضة داخل جميع المجتمعات الإسلامية التي تساوت في انتظامها في حركة الثورة الاجتماعية التي غصَّ بها تاريخ الإسلام.

قلنا إن هادي العلوي لم يكن مجرد مفكر أو باحث له اجتهاداته النظرية، وإنما توغلت الثقافة المؤنسنة في روحه التي تغذت على “ضريبة الحرمان المثقفية”، فلم يحرم على نفسه سكنى القصور فقط، بل “لم يدخل يومًا إلى فندق من ذوات النجوم الخمس، وكان يتفادى حضور الحفلات والولائم والمناسبات التي يُدعى إليها، ذلك أنه ليس من طبعه أن يعيش، ولو لهنيهات عابرات، في مظاهر البذخ والترف مادام هناك جياعٌ في هذا العالم! كيف لا وهو “حلاج القرن العشرين”، كما أطلق عليه تلاميذه، بعد أن أعطى عهدًا لشيخه الحلاج “أجوع مع الجائعين فذلك شرط المعرفة، وألتحف بالمنافي فذاك شرط الحرية”. ( من مقال إبراهيم حاج عبدي).

من أجل هولاء الجياع، امتنع “حلاج القرن العشرين” كما كان يحب تلاميذه أن ينادوه، عن أكل اللحم منذ السبعينات تضامنًا مع جياع العالم، وقضى حياته يسكن في بيت أشبه بالقبو، رغم معاناته المؤلمة مع مرض الربو، إلى أن مات فى سبتمبر من خريف عام 1998 بعد أن داهمته أزمة ربوية حادة أثناء إعداد اللقاء التليفزيوني الوحيد معه الذي لم يستكمل، نُقِل على أثرها إلى المشفى، ومنها إلى مقبرة الغرباء يالسيدة زينب بدمشق، ليصمت جسده إلى الأبد، بينما ظل ضميره المفعم بإنسانية شفافة يشعل الحرائق في قلوب تلاميذه ومحبيه.

هادي العلوي صادر عن نفسية كبيرة، متسلطة بسلطة الثقافة مقابل سلطة الدولة، وعفة النفس مقابل دنس المال، وطهرانية الروح والجسد مقابل خساسة الجنس، ألم يكن يبتهل في صباحاته بدعائه الشهير:

الصلاة اليومية إلى روح الكون…

سلام عليكِ أيتها الروح السارية في وجودي

أيتها النار الأبدية التي تتوقد في صدري فتحميه من برد النسيان

سلام عليكِ أيتها الحروف العاليات

هأنذا أبدأ يومًا جديدًا من صراعي ضد الأغيار الأربعة، مستعيذًا بكِ من الخساسات الثلاث، ومستمدًا منكِ القدرة على الاقتحام

يا معيني على البلوى.. أعنِّي على التأويب في ديار الهم والغربة

(الأغيار الأربعة: الحكام، المثقفون، الرأسمالية، الاستعمار)

(الخساسات الثلاث: السلطة، المال، الجنس)

وها أنا استحضر قوله فى صدر “مدارته” الشريفة: “وسلام على أهل الحق أينما كانوا، وبأى لسان نطقوا، وسلام على الخلق وأصدقاء الخلق، وسلام على الماضين والآتين من ضنائن الله وأوتاد الأرض، الذين يقوّمون زيغها ويحفظونها من الفساد”.