هل كان جورج بوش (الأب) فقيد الأمّة العربيّة؟

Submitted on Sat, 12/08/2018 - 22:13

أسعد أبو خليل

توالت المراثي العربيّة عن جورج بوش (الأب) الذي ماتَ قبل أسبوع. لم يكن هناك وسام خليجيّ رفيع لم ينله هذا الرجل. طار الملك الأردني إلى واشنطن ليشارك في النحيب. عبد الرحمن الراشد في جريدة محمد بن سلمان، «الشرق الأوسط»، قال إنه «قلّما يجود التاريخ» بمثله. سمير عطالله قال عنه إنه «كان صاحب أدوار تاريخيّة كثيرة، وتلميذاً حقيقيّاً للمدرسة القائمة على العدالة الدوليّة». في اللغة الإنكليزيّة، كانوا يسمّونه «بوش العرب»، على وزن لورانس العرب. 

لقد ارتبطَ اسم الرجل وإرثه بقضايا العالم العربي، لكن من زوايا مضادة لمصالح العرب ولمزاج الرأي العام العربي. وفي الثمانينيّات، ارتبط اسم الرجل عند العرب الأميركيّين بالعالم العربي، وكانت الجالية العربيّة (بأطيافها) متحمّسةً لانتخابه رئيساً بعد ولايتيْ ريغان خصوصاً من اللوبي الإسرائيلي لم يكن يرتاح له أبداً. وشكّلَ بوش، عندما شغل منصب نائب الرئيس الأميركي في عهد ريغان، الفريق الأقلّ تعاطفاً مع إسرائيل في تلك الإدارة (بالإضافة إلى جيمس بيكر، رئيس أركان البيت الأبيض ووزير الخزانة، وكاسبر واينبرغر، وزير الدفاع الأميركي). 
يقول، جون ميشام، كاتب سيرة (تبجليّة) عنه، إن بوش هو آخر جمهوري. ما يعنيه أن الحزب الجمهوري تغيّرَ كثيراً بعد بوش. فبوش كان، بحكم الانتقال الجغرافي، نتاجاً لفصيليْن في الحزب الجمهوري: الجناح الشرقي البروتستانتي والجناح الجنوبي الصاعد في السبعينيّات. كان والده عضواً في مجلس الشيوخ من رعيل المعتدلين في الحزب الجمهوري والمرتبطين بعالم المال والأعمال، فيما انتقلَ بوش بعد تخرّجه من الجامعة إلى ولاية تكساس حيث أسَّسَ (بدعم من أصدقاء والده وليس بجهد عصامي كما توحي بعض سيره) شركة نفطيّة. وهناك ارتبط بوش بشركات النفط التي كانت تشكّلُ عنصراً من عناصر اللوبي المعادي للوبي الإسرائيلي، من دون أن تشكّل لوبياً عربيّاً بحد ذاته. كانت مرتبطة بالمصالح الاقتصاديّة للولايات المتحدة التي رأت ــــ كما رأى وزير الدفاع الأميركي، جيمس فوريستال، في عهد ترومان عند اتخاذ قرار الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي ــــ أن ارتباط أميركا بإسرائيل يشكّل ضرراً بالغاً بالمصالح الاقتصاديّة والسياسيّة للعالم العربي. وكانت تلك المخاطر تتبدّى في قرار الجامعة العربيّة (الجدّي في العهد الناصري حتى السبعينيّات) بمقاطعة إسرائيل والشركات المتعاونة والمرتبطة بها. وكانت الشركات الأميركيّة تعاني من جراء هذه المقاطعة (نجح اللوبي الإسرائيلي بعد الغزو الأميركي للعالم العربي عام ١٩٩٠ بحجّة تحرير الكويت في فرض التخلّي عن المقاطعة ــــ بضغط من إدارة بوش، وكثمن لـ«تحرير الكويت ــــ على الجامعة العربيّة وأصبحت حركة المقاطعة مُحاربَة في العالم العربي، فيما هي تنمو وتزدهر في حرم الجامعات الغربيّة وبعض الأحزاب اليساريّة).
كان بوش يمثّل رؤية شركات النفط والسلاح التي طالبت بسياسة «أكثر توازناً» لأميركا في الشرق الأوسط (هذا كان المصطلح الرمزي للشخصيّات السياسيّة المتعاطفة مع العرب وقضاياهم ــــ من زوايا مختلفة ــــ للمطالبة بسياسة أميركيّة أقلّ انحيازاً لإسرائيل). وكان ريتشارد نيكسون قبل أن يخوض غمار معركة الرئاسة عام ١٩٦٨ واحداً من هؤلاء، عندما كان طليق اليدين لا يشغل أي منصب سياسي. لكن بوش تأقلم مع تغيّرات الحزب الجمهوري الذي غيّره رئيسه ريغان. ومن المعلوم أن ريغان وبوش تنافسا في المعركة الرئاسيّة لعام ١٩٨٠ داخل الحزب الجمهوري. كان بوش أكثر اعتدالاً من ريغان، فيما شكّل ريغان حالة يمينيّة متطرّفة جمعت عناصر جديدة داخل الحزب: من البيض العمّال الذين هجروا الحزب الديموقراطي إلى المعمدانيّين اليمينيّين الذين هجروا الحزب الديموقراطي في الجنوب الأميركي لأنهم رأوا فيه مناصرة للحقوق المدنيّة والمساواة بين الأعراق ــــ على محدوديّة مواقف الحزب في ذلك الشأن ــــ إلى الكاثوليك الذين جنحوا نحو اليمين في تلك الفترة. وأضاف ريغان جيش اليمين المسيحي الإيفانجيلي: هؤلاء طبعوا الحزب الجمهوري ببصمتهم، خصوصاً في موضوع الصراع العربي ـــ الإسرائيلي. إن المسيحيّين الإيفانجيليّين هم أكثر تعصّباً لإسرائيل من اليهود الصهاينة، وكان قرار دونالد ترامب نقل السفارة من تل أبيب (جزء من يافا المحتلّة) إلى القدس المحتلّة هديّة لهم، أكثر من اليهود الذين يصوّتون بأكثريّة ساحقة للحزب الديموقراطي فيما يصوّت نحو ٨٠٪ من الإيفانجيليّين للحزب الجمهوري.

ارتبطَ اسم الرجل وإرثه بقضايا العالم العربي، لكن من زوايا مضادة لمصالحهم


لكن بوش تكيّفَ مع المتغيّرات لمصلحته الانتخابيّة. الرجل كان، كما وصفه المعلّق جورج ويل (اليمني)، «الأقل مبدئيّة قطّ» في التاريخ السياسي الأميركي. كان مع حق الإجهاض وكان يمثّل تيّار الاعتدال في الحزب الجمهوري لكنه عاد واعتنق عقيدة ريغان المحافظة بكل عناصرها. كما أن قاعدة الحزب الجمهوري تغيّرت وتغيّرت أهواء الرجال البيض باتجاه أكثر محافظةً وأكثر عنصريّةً. الحزب الجمهوري تحوّل من حزب تقليدي محافظ إلى حزب مثل أحزاب «اليمين الجديد» في أوروبا (وليس صعود ترامب إلا تعبيراً عن ذلك: كل منافسيه من الجمهوري سقطوا الواحد تلك الآخر في المنافسة الحزبيّة الرئاسيّة). أصبح بوش محافظاً وزاد ورعه وخطابه الديني وعمل على تحسين علاقاته باللوبي الإسرائيلي. 
كان بوش يعدُّ نفسه للانتخابات المقبلة منذ شغل منصب نائب الرئيس ريغان. تسّربت مكالمات ومحادثات إلى الصحف برز فيه ميله إلى الحلفاء العرب (لم يكونوا يومها على نفس خط اللوبي الإسرائيلي الذي كان يعمد إلى معارضة أي صفقة سلاح لأي نظام عربي خلا الأردن). وكان بوش قريباً جداً من الأسر الحاكمة في الأردن والخليج، وكان بندر بن سلطان (صاحب كنية «بندر بوش» بسبب قربه من عائلة بوش وحضوره المناسبات الاجتماعيّة الخاصّة للعائلة) صلة الوصل بين بوش والملك فهد. أقامَ بوش علاقات مع رموز اللوبي الإسرائيلي رغم مواقف له داخل الإدارة كانت أقلّ مناصرة لإسرائيل من ريغان. وعلاقاته مع الأنظمة العربيّة الرجعيّة وصداقاته مع طغاتها طبعته بطابع الجمهوري التقليدي الذي ينحو نحو الانكفاء في السياسة الخارجيّة. وكانت مواقفه في تضاد مع المحافظين الجدد الذين صعدوا، وتبوّأوا المناصب، في عهد ريغان (وقبل ببعضهم في إدارته تحاشياً لمعارضتهم). علم بوش أن مشكلته تلك مع اللوبي الإسرائيلي ستعيق تقدّمه نحو البيت الأبيض بعد نهاية عهد ريغان فتبنّى قضيّة اليهود في الدول العربيّة، بالإضافة إلى اليهود المنقشّين في الاتحاد السوفياتي. كان هو عرّاب نقل اليهود من السودان وأثيوبيا وسوريا. 
لم تكن حملة الانتخابات الرئاسيّة عام ١٩٨٨ سهلة على بوش، فقد قاومه عدد من الجمهوريّين البارزين ممن مثلوا الصقور في التحالف مع إسرائيل. رئيس أركان البيت الأبيض الأسبق ووزير الخارجيّة الأول في عهد ريغان، ألكسندر هيغ، عيّرَ بوش في لين مواقفه في السياسة الخارجيّة وفي موضوع الصراع العربي ـــ الإسرائيلي. مثل كل المرشحين الرئاسيّين، أغدق بوش الوعود على دولة العدوّ بمنح ومساعدات والتزامات. وكانت معركته ضد مايكل دوكاكس الديموقراطي صعبة في البداية، لكن حدة وعنصريّة حملة بوش (التي استعانت بصورة مجرم أسود لتعبئة الجمهور العنصري الأبيض) رجّحت الكفّة وحسمت المعركة له.
أقول دائماً في تقييم الرؤساء الأميركيّين منذ عام ١٩٤٨ إن كل رئيس كان أكثر مناصرةً لإسرائيل من سلفِه لكنني أضيفُ: «باستثناء جورج بوش الأب». وهذا الاستثناء له علاقة بالمواقف التي اتصفت بها إدارته والتي وضعته في تناقض مع اللوبي الإسرائيلي. وكانت لهجة الإدارة في مخاطبة إسرائيل غير مألوفة في السياق الأميركي: ذات مرّة في جلسة اجتماع في الكونغرس أعطى جيمس بيكر رقم هاتف البيت الأبيض ودعا إسحاق شامير إلى الاتصال به عندما يصبح جديّاً في مساعي السلام. كما أن وزيراً صهيونيّاً في إدارة بوش، جاك كيمب (كان ذا طموحات رئاسيّة)، سرّبَ محضر حديث في إحدى اجتماعات الحكومة نسبَ فيها إلى جيمس بيكر عبارة نابية ضد اليهود مع التذكير أنهم «لم يصوّتوا لنا أساساً» (نفى بوش وبيكر المحادثة لكنها علقت في أذهان النخبة الإعلاميّة النافذة واستعملها المحافظون الجدد ضدّه باستمرار). 
لكن هل كان بوش يستحق ذلك الصيت؟ كان عهد بوش زمناً مختلفاً من الآن. كان الالتصاق بالطغاة العرب في الخليج يُعتبرُ تحديّاً للوبي الإسرائيلي (أصبح اللوبي الخليجي هنا متحالفاً عضويّاً مع اللوبي الإسرائيلي). كما أن فريق بوش ـــ بيكر لم يكن يتعاطف مع إسرائيل قلبيّاً وإن كانت سياساتهما وأفعالهما في مصلحة إسرائيل دوماً. بوش وبيكر لم يريا مصلحة أميركيّة في التحالف الوثيق بين أميركا وبين العدوّ الإسرائيلي لكن سياساتهما كانت دوماً في مصلحة إسرائيل مع اختلاف في لهجة التعبير عن العشق السياسي الأميركي للدولة اليهوديّة. وكان بوش الرئيس الأميركي الوحيد الذي واجه اللوبي الإسرائيلي مباشرةً. كان ذلك عام ١٩٩١ عندما أراد بوش وقف بناء المستوطنات (كانت هذه آخر مرّة تلعب فيها المستوطنات عامل تخريب في العلاقة الأميركيّة ــــ الإسرائيليّة) مقابل ١٠ مليارات دولار من ضمانات القروض لمصلحة توطين المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفياتي. وقد جمّدَ بوش قرار منح ضمانات القروض ١٢٠ يوماً فقط في أيلول ١٩٩١ للضغط على حكومة شامير لالتزام «عمليّة السلام» (التي في كل إدارة تهدف إلى خدمة إسرائيل وليس لخدمة العدل). ثارَ اللوبي الإسرائيلي يومَها كما لم يثرْ ــــ من قبل أو من بعد ــــ في وجه الرئيس الأميركي وأرسل مئات من أعضائه للضغط على كل أعضاء الكونغرس من دون استثناء لمعاكسة قرار الرئيس. يومها قال بوش ما ندمَ عليه فيما بعد (لأنه اتُّهم بمعاداة السامية بسبب ذلك، إذ إن معارضة اللوبي الإسرائيلي تندرج أيضاً ضمن معاداة السامية حسب المعايير المتغيّرة باستمرار للتعريفات الصهيونيّة لمعاداة السامية)، قال: «هناك ١٠٠٠ أعضاء من اللوبي في (الكونغرس) اليوم لممارسة الضغط على الكونغرس في موضوع ضمانات القروض لإسرائيل وأنا هنا وحدي، رجلٌ صغيرٌ يسأل الكونغرس لتأجيل القرار بمنح ضمانات القروض ١٢٠ يوماً». ومعارضو اللوبي رأوا هذا التصريح من رئيس أميركي اعترافاً لا سابقَ له بنفوذ اللوبي الإسرائيلي (فاز بوش ضد اللوبي في هذه الجولة، لكن إسرائيل نالت ضمانات القروض فيما بعد).
لكن بوش قدّمَ خدمات جلّى إلى دولة الاحتلال: من مشاركة صور الأقمار الاصطناعيّة الأميركيّة عن أهداف عربيّة، إلى العداء لـ«منظمة التحرير الفلسطينيّة» (حتى بعد تقديم التنازلات التي أمر ريغان عرفات بها، والتي أدّت إلى المباشرة بالمفاوضات بين أميركا والمنظمّة قبل أن تتوقّف بحجّة مشاركة الأخيرة في الإرهاب)، إلى الضغط على دول العالم لإرسال المزيد من اليهود إلى دولة الاحتلال، إلى زيادة المساعدات العسكريّة والماليّة لإسرائيل، إلى اعتناق التصنيف الإسرائيلي للإرهاب (هذا التصنيف بات مُعتنقاً من كل الدول العربيّة). لكن الخدمة الكبرى التي قدّمها بوش كمنت في الحرب المدمّرة التي شنَّها ضد العراق في ١٩٩١ والحصار الذي سبقها ورافقها. وفي وصفه للقاءاته مع القادة العرب، يذكر بوش باستياء عن حافظ الأسد أنه حدّثه عن دور إسرائيل التخريبي في المنطقة العربيّة، فقال بوش إن الحديث كان «محبطاً» بالنسبة إليه (ص. ٤١٢، من كتاب «العالم متغيّراً»)، لكنه استمع له لأن الأسد ساهمَ ــــ مع غيره من القادة العرب ــــ في إسباغ شرعيّة سياسيّة على عمليّة تدمير العراق، التي أرست دعائم نظام الحروب الأميركيّة في الشرق الأوسط.
لم يكتب بوش مذكّراته، وهو أوّل رئيس أميركي منذ ترومان لم يترك مذكّرات وراءه. هو ترك كتاباً ألّفه مع مساعده لشؤون الأمن القومي، برنت سكوكرفت، بعنوان «العالم متغيّراً»، ويشترك فيه الرجلان في تقديم انطباعاتهما وسرديّاتها (المنفصلة، في الكتاب) عن أحداث مهمّة في السياسة الخارجيّة أثناء إدارة بوش. الكتاب يفصِّلُ لعمليّة احتكار أميركا السلطة حول العالم ولمشاركة غورباتشوف (عن سذاجة من قبله إذ ظنّ أن الرضوخ للمشيئة الأميركيّة سيسمح له بالاستمرار في الحكم فيما كانت أميركا تعدّد العدّة لتفكيك الاتحاد السوفياتي) في استفراد أميركا لحكم العالم. الكتاب إدانة لشخص غورباتشوف ولتواطئه مع المؤامرات الأميركيّة التي دمّرت الاتحاد السوفياتي وفرضت هيمنة أميركيّة احتكاريّة على العالم.

لا تزال الحرب التي شنّها في العراق تلقى صدىً إيجابيّاً في بعض العواصم العربيّة


والحرب التي شنّها بوش في العراق، ولا تزال تلقى صدىً إيجابيّاً في بعض العواصم العربيّة، كانت بداية لحروبٍ لم تنتهِ. هي كانت أمّ المعارك لكن ليس بنفس المعنى الذي أراده صدّام؛ هي أم المعارك لأنها ولّدت عدداً من الحروب وأقامت نظام نشر القوّات الأميركيّة في كل الدول العربيّة المتحالفة مع أميركا (بما فيها لبنان، تحت عنوان تدريب الجيوش العربيّة، كأن التدريب لا يكون بناء على عقيدة، إلا إذا أصبحت عقيدة كل الجيوش العربيّة هي عقيدة الجيش الأميركي). ويتضح من سرد بوش أن حسني مبارك كان الوكيل الأميركي الأوّل في تحضير النظام العربي للحرب، وأن المشاركة السوريّة كانت مهمّة للجانب الأميركي. لم ينفصلْ عن النظام العربي المُشارك في الحرب إلا الملك حسين وعلي عبد الله صالح بسبب الوعود الماليّة التي أغدقها عليهما صدّام، حسب وصف بوش. لكنه يعترف أن ولاء حسني مبارك لم يكن بالمجّان، كما أن النظام السعودي كافأ النظام السوري على مشاركته (امتنعت الجزائر عن تشكيل معارضة للحرب). لكن من المضحك أن تقرأ بوش وهو يحدّثك عن «حكمة» حسني مبارك ونصحه الرشيد للأميركيّين في ضربهم العراق. يحاول البعض (مثل عثمان العمير قبل أيّام) الإيحاء بأن بوش كان متردّداً في خوض الحرب لولا حث الملك فهد ومارغريت تاتشر، فيما تؤكّد كل المراجع المنشورة أن بوش كان أكثر أعضاء إدارته حماساً للحرب، ومعارضاً لمسارات التفاوض السلمي (حاول جيمس بيكر أن يزور بغداد كي يقدّم الشروط الأميركيّة لكن بوش، وهو صديقه الحميم، منعه). وليس هناك شك، باعتراف بوش، أن تحريك الأساطيل والقطع العسكريّة الأميركيّة بدأ قبل زيارة ديك تشيني إلى السعوديّة ومدّ الملك فهد والأمير عبدالله بمعلومات مضلّلة عن حشود عراقيّة على الحدود السعوديّة فيما لم يكن هناك حشود. وصدّام كان قد عرضَ ــــ باعتراف بوش ـــ الانسحاب من الكويت قبل الحرب (في مفاوضاته مع المبعوث السوفياتي، بريماكوف) مقابل شرطٍ واحد فقط: الحق في منفذ على الخليج، لكن العنجهيّة الإمبراطوريّة الأميركيّة، وكانت منتشية لتوّها بسقوط الاتحاد السوفياتي، لا تقبل شروطاً لتنفيذ أوامرها. وتجد معالم النظام العالمي الجديد في سلوك إدارة بوش يصف دور الأمم المتحدة كما هو إلى اليوم، «عباءة إضافيّة لغطاء سياسي» (ص. ٤١٦) للهيمنة الأميركيّة.
وفيما كان الوعد الأميركي بأن مشاركة العرب في الحروب ستُقابل بضغط أميركي على إسرائيل للوصول إلى سلام، فإن ما جرى كان العكس؛ أدّى مؤتمر مدريد إلى تقديم التطبيع العربي (وإلغاء المقاطعة الرسميّة لدولة العدوّ) مقابل لا شيء على الإطلاق. وعدم ردّ إسرائيل على صواريخ «سكود» لم يكن مجانيّاً، فقد قدّمت الحكومة الأميركيّة هدايا جديدة إضافيّة لإسرائيل لعدم الإفصاح عن مشاركتها غير المعلنة في الحرب، وكانت القوّات الأميركيّة تقصف ما تشاؤه إسرائيل من أهداف في العراق. وهكذا تخلّصت إسرائيل من الطرف الذي كان في حينه «الخطر الأكبر» عليها (والأخطار عليها تتغيّر عبر الأزمان).
إن عبارة «أصدقاء العرب» لا تعني إلا أصدقاء الطغاة العرب في الخليج (الثري بوش انبهر ببذخ ضيافة الملك فهد له، فيقول عن القصر الذي استضافه: «كانت مُصّممة بذوق، والثريّات في كل مكان» (ص. ٤١٠). وعن العشاء الذي أعدَّ له وزوجته يقول: «كانت وجبة لا تُصدَّق. إن الطريقة الوحيدة لوصف حجم الطعام هي أن الطاولات أنَّت تحت وطأة الوليمة. لم أرَ قطًّ مِن قبل هذا الكمّ من الطعام، ومن كل صنف تقريباً» (ص. ٤١١). هؤلاء لا يعرفون عرباً خارج هذه الدائرة من الملوك والسلاطين: العرب إما طغاة أميركا وإما طغاة أعدائهم فقط. وبوش في الكتاب يستعمل كلمة طغاة حصريّاً للحكّام غير الموالين لأميركا، وهذا هو المعيار الأميركي الرسمي (وعلاقات بوش مع العرب الأثرياء أفادته، مثلاً أسهم كل من نجاد عصام فارس وجمال دانيال في إنقاذ ابنه نيل من ورطات ماليّة).
قبل أكثر من عشر سنوات، كان معداً أن يزور هنري كيسنجر الجامعة هنا لإلقاء محاضرة (مقابل أكثر من مئة ألف دولار قدّمها أصحاب المال في منطقة تُعد فقيرة)، لكنه تخلّف لأسباب صحيّة وأرسل عوضاً عنه صديقه جيمس بيكر. جاء بيكر لإلقاء محاضرة عامّة، كما أن رئيسة الجامعة أعدّت لقاء بعيداً عن الأضواء (حميماً؟) لتجمعَ أساتذة الجامعة مع بيكر. أتى بيكر وجلس على منصّة مع الرئيسة فيما جلسنا نحن الأساتذة حولهم. اعتمرَ الغضب في نفسي وأنا أسمعه يتحدّث بزهو عن حرب العراق. ما إن أنهى كلامه، وقفتُ وأدليتُ بمطوّلة عن حرب العراق وختمتُها بالقول: «وألا ترى بناء على كل ذلك أنك تستحقُّ أن تكونَ وراء القضبان بسبب جرائم الحرب التي ارتكبَتها الإدارة التي كنتَ عضواً فيها»؟ ذُهلَ بيكر وأصيبت رئيسة الجامعة بإحراج فظيع (زال ودّها نحوي بعدها إلى أن تقاعدت)، وقال للحضور: لم أكن أعلم أن لصدّام حسين مؤيّدين في أميركا. الجواب كان في جزء منه تخويناً قانونياً مقصوداً لإحراج الجامعة واتهامها بأنها تحوي أعداء أميركا، والجزء الثاني كان عفويّاً منه لأنه لم يكن يعلم أن هناك عرباً ممن يعارضون صدّام ويعارضون أميركا وطغاتها. وذكّر بيكر بمساهماته في حل الصراع العربي ـــ الإسرائيلي. بهذا المعنى، بوش كان فقيداً للعرب بحقّ: فقيداً لطغاة العرب فقط.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

الأخبار