الازدواج الكياني والعالم: مابين النهرين

Submitted on Wed, 12/12/2018 - 12:51

عبد الأمير الركابي

دخلت البشرية منذ مايزيد على القرنين، زمن مصادرة الغرب للقوانين التاريخية، وليس من الطبيعي الانتباه لاشكال ودرجة الجشع الراسمالي بوجوهه الداخلية الطبقية والامبرالية، من دون وضع، ليس احتمالية، بل بديهية استعمال التاريخ ك "سلعة" من قبل طبقة، ليس في قاموسها على اي مستوى انساني ووجودي، سوى استثمار كل شي في الانسان والطبيعة، تامينا لمصالحها وربحها، ان من يعتقدون او يتصورون والحالة هذه، ان مجالات المنجز الغربي الراسمالي الحديث، بما في ذلك ماقد تحقق في الميادين المعرفية المختلفة، لاتخضع لاليات الاقلمة والاستغلال، لابل واعادة الصياغة الراسمالية، بمايجعلها موظفة لمصلحة، وداخل ماكنة المتحقق الراسمالي الحديث، يخضعون هم بالذات، لقوة فعل اقلمة المنجز المتحقق في الطور الاخير الحالي من التاريخ، بحكم ما يتقبلونه على مستوى العقل والرؤية الانسانية.
وقد سبق في الشرق، وفي بعض اوساط الثقافة، ونزوعاتها لتخليص الشخصية الثقافية والتاريخية في بلدانها من سطوة المنظور الغربي، بوجهه المقصود آنفا، ان جرت صياغة ونحت مفهوم "الاستشراق"، وجرى الكشف عن جوانب من حضوره المجحف بحق الامم والشعوب الاخرى، مع ان ذلك لم يحدث سوى على نطاق ملاحظة التمايزات في الاصول والمنحدرات التفكرية للكتل والمجموعات الحضارية، ماجعلها برغم مااصابته من شهرة واهتمام،مجرد اشارات تفتقر للنتائج، او قوة التحفيز باتجاه نمط عالمي من التفكر التاريخي والحضاري، متحرر من سطوة وهيمنة طرف بعينه.
ولايتخلص مفهوم الاستشراق تاسيسا، من منطلق او حالة قبول بالمبنى، او منظومة التفكر الغربي على وجه العموم، وهو ينظر لفعل الاستشراق ومناحي ازوراره، على انه "خطأ"، اوبصفته نوعا من "مرض" مرافق لظاهرة، يجب ان تكون، او هي قابلة للمعالجة، او التصويب على المدى الطويل،او ضمن اشتراطات بعينها، والحال فان المقصود هنا، هو "المصادرة الغربية" للمنظور الانساني، بناء على قوة حضور حاسم للمنجز الشامل المتحقق في بضعة القرون الاخيرة، هذا بينما لم تكن قد وجدت حتى الان، اية مداخل تصورية مغايرة، بناء على اساس موضوعي، من شانها ان تهز، او تقلل من "احقية" الغرب التي يمنحها لنفسه في مجال خطرللغاية، الامر الذي مايزال مستمرا الى اليوم، وبما يتعلق على سبيل المثال بالموضع الذي نتحدث عنه هنا، فلقد رات الاشكال المعروفة من التمخضات الفكرية الحديثة للغرب، ومصادرته لاليات الموضع العراقي التاريخية، واحلال بنيته هو والياتها محلها، على انه " الحقيقة"، فذهبت هذه، وبالاخص النخب العراقية المعتبرة حديثة من بينها، لتبني هياكلها، فضلا عن رؤاها، مستعيرة بذلك نظرتها لذاتها وللعالم، بما ادى لحلول وطغيان عين المصادرة الغربية، فلم يحدث اطلاقا ان جرى الانتباه، الى كون مايجري اتباعه وكانه الحقيقة المطلقة، انما هو نوع من المصادرة الفجة، دالة على القصور، ونوع من عمل مصمم ضمن منظومة التحكم الغربي المفهومي، قبل الاستعماري المباشر، ما سيغير حتما وبداهة من مفهوم "التحرر الوطني" المتداول ويجعله عرضة للفحص المدقق، على الاقل لاجل ازالة مايحيط بشكله الحالي من ايهام.
وفي حين كان العراق الحديث قد بدا يتشكل منذ القرن السابع عشر، بعد عودة الاليات الحضارية الامبراطورية للعمل، اثر تراجع هيمنه مفاعيل فترة الانقطاع التاريخي المستمرة منذ سقوط بغداد 1258 مع غزو المغول، فلقد اظهر ابناء مايعرف بالحداثة هنا، عزوفا وقلة حساسية مبالغة ازاء ايقاع تاريخهم، ناهيك عن الفعل بصفتهم المعبرين عنه، ليتحولوا الى قوة "تحوير" وطاقة اضافية مساعدة على فبركة عراق لاوجود له، ولم يسبق ان وجد من قبل ك"وطن"، كما هوالحال مع مصر على سبيل التقريب، حيث كان مفهوم الوطن الحديث يمكن توهمة كامكانية، من جوانب اساسية، اغرت ببعض مشاريع من هذا النوع، برغم استحالتها هي الاخرى، بينما لم تلح اية بادرة دالة على تحسس عراقي بتصادم مع المنظور، او المقترح الغربي على مستوى الكيان وممكناته .
ولاشك ان حضور الغرب الحديث، ومجمل نموذج كياناته، بعد انتصار الراسمالية ومايحايثها من منظومة مفاهيمية، قد ايقظ ضمنا ضرورات غائبة، كان من شانها ان تصل في ارض الرافدين، لحد تطلب "الثورة المفهومية" المقابلة، والمضاهيه لما عد بمثابة ثورة كبرى على هذا الصعيد، مع ظهور مايعرف ب "علم الاجتماع" الغربي، وفرعه الاكثر "عملية" وايحاء باحتمالية حضور الارادة الانسانية في التاريخ، كما صاغها ماركس في "المادية التاريخية"، والعلم المذكور متاخر، وهو قديكون اخر العلوم، لم يمض على بداياته اكثر من قرن ونصف القرن، وهو مايزال قيد الاختبار، وعرضة للتغيير، او الانقلاب، بما انه علم نابع بصيغته الراهنة، من تجليات مجتمعية احادية، وان تكن الاكثر دينامية، وعلو تركيب من بين نمطها المجتمعي، مقارنه بشبيهها الاعرق، مجتمع وادي النيل الاحادي السكوني الاجتراري.
وبعيدا عن الارهاب المفهومي، ومنطق المصادرة، يجوز التفكير بطور لاحق على الطور الاوربي الحديث، يتمخض عن اكتمال المفهوم المجتمعي الكوني، كظاهرة معلله، كان العقل ادنى قدرة من التوصل لكشف وادراك منطوياتها، تلك هي حالة المجتمعية الازدواجية التحولية الرافدينية، حيث النمطين المتعايشين المتصارعين داخل كيان واحد، اي نمط واليات الصراع العمودي، مقابل شكل الصراع الطبقي الافقي الاوربي، حيث الكيانية هنا بالطبيعة إمبراطورية، لايمكن اطلاقا ان تتجلى على غير هذه الشاكلة، مع خاصيات ومميزات تجعل منها مختلفة جوهرا عن النمط الامبراطوري الشرقي السكوني الاحادي، الفارسي، والتركي الممتد الى الصين، والاقطاعي الصيني، والنوع الاخرالذي تقف خلفه بنية واليات طبقية مرحلية، كما الحال في روما، اي اوربا في تجليها مابعد الاغريقي اليوناني الاول.
ان اطول تاريخ امبراطوري، واكثره تقطعا وتواترا، متكررا، باعتباره خاصية تكوينية اساسية، عرفه اي مكان في العالم، هو ذلك الذي ميز تجلي ارض مابين النهرين الكياني، وظل محكوما لاشتراطات اللااحادية، ولقوة مفعول المجتمعية المضاده، اي اللادولة، ولايتوقف التجلي الرافديني العراقي، على التمظهر الاعلى التمايزي عن الامبراطوريات الاحادية، بل بصفته حالة ازدواج، فالامبراطوريات المستمرة، من سرجون الاكدي، الى بابل، يقابلها بناء امبراطوري مفارق دال على الازدواج والثنائية، عائد ل "مجتمع اللادولة"، تجلى ب "الامبراطورية الابراهيمية" التوحيدية المفارقة، "امبراطورية الله" على الارض، ابقى وارسخ الامبراطوريات واشملها اطلاقا في الوجدان والقناعة الاعمق، على مستوى المعمورة والتاريخ.
ان ماقد تخيله ماركس عن سيرورة مراحليه، من الشيوعية الاولى الى الشيوعية الاخيره، وكانه القانون الناظم لحركة التاريخ، يقابله على المنقلب الامبراطوري الكوني الرافديني تصور للتاريخ بثلاث مراحل: الاولى منه السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، والثالثةالراهنة المبتدئة من القرن السابع عشر، والمنتهية بانتقال المجتمعات البشرية الى مابعد المجتمعية، اي الى "التحوّل"، باعتباره الغرض والهدف من الوجود البشري، السائر وفق تصميم الغائية الكونية العليا، الى الاستقلال العقلي عن بقايا الحيوانية العالقة بالكائن الانساني، بعد انبثاق العقل، وبدء الطور النشوئي العقلي الحالي، بعد طور الصيرورة الحيوانية المنقضية، والتي ظلت متجهة الى الانسان العاقل.
ويفترض مثل هذا المخطط المقترح للتاريخ، ولوجود الكائن البشري على كوكب الارض، حضور مقومات الانتقالية التحولية في البنية الاجتماعية المخصصة لان تكون بؤرة هذا الانقال التاريخي الاكبر، مايقتضي العودة بنا لتفحص الظاهرة المجتمعية، بعد نفي خاصتها الواحدية الاحادية، كما يفترضها مايعرف ب "علم الاجتماع الغربي" ، فالمجتمعيات وجدت بالاصل:
ـ ازدواجية تحولية، لاوجود لها سوى في مكان واحد على وجه المعمورة ...في ارض الر افدين حصرا. 
ـ احادبة دولة، نمطها الاعرق نموذج مجتمعية وادي النيل السكوني، واعلاها دينامية نمط المجتمعية الغربية الطبقية الاوربية.
ـ نمط مجتمعات لادولة احادية، كما في امريكا قبل الغزو الابادي الاوربي، ومعبر عنه في المايا والازتك في امريكا اللاتينه، كما في استراليا قبل الغزوالاوربي، وبعض افريقيا، وبصورة مختلطة في اسيا. واعلى اشكاله دينامية، مجتمع اللادولة الاحادي الجزيري العربي، حيث اقتصاد الغزو، والمجتمع الممتهن للحرب كوسيلة وجود وعيش، والمهيأ بناء عليه لان يكون ظهيرا لمجتمع الازدواج الرافديني، يساهم خلال لحظة فاصلة تاريخيا،بالفتح والتحرير، في اعادة اطلاق دينامياته التاريخية للعمل، وهي المرة الوحيدة التي تبدأ فيها دورة من دورات ارض الرافيدين الثلاث، بقوة مساعدة من خارجها، وملحقة بها، ابان توقفها تحت ثقل الغزو الفارسي، والعوامل البنيوية الذاتية التدميرية الايجابية... "الضد مجتمعية".
ـ يتبع ـ 
ـ الازدواجية المجتمعية وتحولية مابعد الشيوعية !!