تجربة الحياة في براغ التشيكية في ظل النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي/ج11

Submitted on Sun, 12/16/2018 - 13:38

د.زياد العاني

ملامح عن الحياة الاجتماعية و الاقتصادية بعد التغيير - 1

بعد الثورة المخملية بأيام قليلة أجرى مركز بحوث الرأي العام وهو مركز رسمي، مسحا شمل عشرات الآلاف من التشيك و السلوفاك وكان السؤال الرئيسي فيه هو " بأي أتجاه يجب أن يسير تطور مجتمع تشيكوسلوفاكيا؟ فكان ملخص النتائج التي ترجمتها من مقالة نشرت في عام 2014 سأضع الرابط لها كالآتي:
3% فقط فضلوا الطريق الرأسمالي
41% فضلوا النظام الاشتراكي
51% رغبوا بنوع من التطور يجمع بين النظامين من خلال الابقاء على المكاسب التي تحققت خلال الحكم الاشتراكي مع مزيد من الحريات و أصلاح النظام البيروقراطي و الانفتاح على الغرب.

و تشير المقالة السابقة الى أن الخطأ الذي وقع فيه قادة الحزب الشيوعي التشيكي اضافة الى البيروقراطية و أحتكار السلطة و أمتيازاتها هوعدم أطلاق الحرية للنقابات وتهميش دورها كي تلعب دورها في مقاومة ذلك الدور المعادي الذي لعبه الزعماء اليمينيون و منهم من تسلق أعلى مراتب القيادة و أنقلب على مبادئها بتحريض من الغرب كما في حالة الاتحاد السوفييتي من أمثال الفاسد يلتسين الذي حماه غورباتشوف، وفجأة ظهرت بعد التغيير المخملي طبقة سياسية يمينية كانت على عجلة من أمرها بدأت تتبنى النظرية النيوليبرالية و كان عرابها هو وزير الاقتصاد فاسلاف كلاوس الذي قاد حملة شرسة ضد المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال فترة النظام الاشتراكي.

في بداية سنة 1991 أعلنت الحكومة المرحلة الاولى من خطتها بالتحول نحو أقتصاد السوق و التي تضمنت زيادة في أسعار الطاقة مقدارها 390% و كذلك خطة بيع 100 ألف محل وشركة حكومية حيث عرض كلاوس على المواطنين التشيك شراء كوبونات الخصخصة في محاولة للتخلص من أعباء ادارتها من قبل الحكومة و رفع شعار مفاده أن "أي تاجر سيدير هذه المحلات أفضل من ادارة أفضل حكومة". بحلول عام 1993 وبعد الانفصال السلمي الى جمهوريتي التشيك و سلوفاكيا الذي دفعت بأتجاهه و أستفادت منه المانيا بالدرجة الاولى، أعلن كلاوس أن 80% من النشاط الاقتصادي أصبح في أيدي القطاع الخاص. وكان هذا الرقم قد بالغ فيه كلاوس من أجل جذب الاستثمار الاجنبي والدليل على عدم صحته هو بقاء نسبة البطالة بحدود 5% بعد أن كان صفرا وهو رقم صغير لايتناسب مع ادعاءات الخصخصة بتلك النسبة.

ونقلا عن تلك الدراسة، فان جريدة الفايننشيل تايمز كتبت تقريرا في سنة 1995 جاء فيه تصريحا لرجل أعمال تشيكي هو فاسلاف بروم يقول فيه" جاءتنا الكثير من الشركات الغربية بهدف شراء شركاتنا والسيطرة على النشاط الاقتصادي ووقف كل عمليات التطوير في البنية التحتية و أستخدامنا كعمالة رخيصة".

في سنة 2013 وحسب تقرير نشرته وكالة الرقابة الاجتماعية التشيكية، كان الاقتصاد لا يزال يعتمد على العمالة الرخيصة وسجل عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر ب 400 ألف مواطن تشيكي (4% من مجموع السكان) و عدد العاطلين عن العمل 630 ألف (6.3%) و أنخفاض في الاجور بنسبة 1.3% مع زيادة في نسبة العاملين بأعمال هامشية و غير ثابتة. ونشرت نفس الوكالة تقريرها لسنة 2018 مؤخرا تشير فيه الى وجود 830 ألف عائلة (2.5 مليون نسمة) تعيش في بيوت عليها أوامر حجز بسبب عدم أمكانية أصحابها تسديد القروض السكنية.

في عام 2013 شاركت في مؤتمر الجمعية الاوربية للكيمياء في براغ فالتقيت بصديق سابق هو الدكتور بيتر سليك. كان بيتر طالب دكتوراه يجري بحثه في نفس المختبر الذي عملت فيه سنة 1986 ولم ألتق به منذ ذلك الوقت وقد تنقل بعد أكماله الدكتوراة في أكثر من مكان ولكنه أستقر أستاذا في نفس الكلية التي تخرج منها. سألته عن ألاجور و الرواتب فقال لي " عندما كنت طالب دكتوراه كنت أستطيع توفير بعضا من راتبي بحيث أستطيع السفر الى يوغسلافيا و المجر وبولندا ولكنني الآن متزوج و زوجتي تعمل و لدي طفلين و بالكاد أدبر متطلبات العائلة". ذكرته بسفرة دعانا فيها الى بيت أهله الريفي قرب مدينة تابور خارج براغ فقال بأسى أنه بعد وفاة والده أضطروا هو و شقيقه وشقيقته الى بيع ذلك البيت و المزرعة الصغيرة الملحقة به لحاجة أخوته بسبب غلاء المعيشة وقد بيع مع مجموعة أخرى مجاورة الى شركة أستثمار ألمانية. سألته عن فني المختبر المرح "فوليك" الذي علمني قليلا من اللغة التشيكية و علمته بعض الانجليزية فقال لي أنه لا زال يعمل عندهم و لكنه أيضا يعمل ليلا بدوام جزئي في وكالة لخدمة البريد السريع. هنا أردت الاشارة الى أن أحد مباديء الرعاية الاجتماعية للنظام الاشتراكي كان مثبتا بالدستور التشيكي و هو (أشباع الحاجات الشخصية للافراد وتشجيع الاهتمام بالثقافة و الفنون و الموسيقى و المسرح و المشاركة في الاعمال الاجتماعية و الاعمال التطوعية، من خلال تحديد ساعات العمل و أعطائهم فرصة أشباع تلك الحاجات) فكيف لعامل مثل " فوليك" سيجد الوقت الكافي لهذه الاهتمامات في ظل التحول الى الرأسمالية اذا كان يعمل نهارا و ليلا من أجل تأمين العيش له و لعائلته؟.

تبين الاحصائيات الرسمية الحكومية في سنة 2014 أن أستهلاك لحم البقر نقص الى مستوى سنة 1970 و الحليب الى مستوى سنة 1936 و السكر الى مستوى 1956. كما تبين أن أنتاج البيض انخفض نسبة 61% من انتاجه أيام الاشتراكية و الحليب الى 51% و الثروة الحيوانية الى 51% و قس على ذلك. 
وتشير التقارير الى أستمرار التدهور في المؤشرات الاقتصادية عندما تولى كلاوس رئاسة الوزراء بين عامي 1993- 1998 وكذلك خلال رئاسته بين 2003 و 2013 في انتخابات (بواسطة البرلمان) مثيرة للجدل شابتها تساؤلات و صفقات فساد. وبالمناسبة كان للرجل سياسات تشبه سياسات ترامب المتطرفة و ينكر أيضا وجود شيء أسمه التغير المناخي ووضع الفيتو ضد قانون التمييز العنصري الذي أقره البرلمان التشيكي. الصورة للرئيس السابق كلاوس وفي خانات التعليق الثانية و الثالثة رابطين ذو صلة بالارقام الواردة في المنشور
يتبع في الجزء القادم.