النبوة وعلم اجتماع اللادولة/ ملحق1 

Submitted on Tue, 12/18/2018 - 14:57

عبدالاميرالركابي: في السياق مع الغلبة الموضوعية المتحققة للمجتمعية الاحادية على مدى قرون، جرى السعي بداب الى محو حضور “اللادولة” كتجل، وكممكن، وافق مجتمعي " واقعي" و "ملموس"، يظهر ذلك بالاخص في العصور الاخيرة الحداثية الغربية، في محاولة الاجهاز بالحد الاقصى على التمظهرات العائدة الى اللادولة، وفي المقدمة النبوة ومنجزها، بناء على مايسمى او عرف بالعقلانية التوثيقة الموافقة لبنية الاحادية، وبرغم ان عقلانية الاحادية المجتمعية تنطلق من تعظيم لماهو متوفر للانسان من ممكنات الادراك الحسي والعقلي، الا ان مايعرف بعلم هذا العالم، او هذا الشكل من اشكال المعرفة، يظل يصر، بسبب القصور التكويني على اعتبار نفسه منتهى وموئل الحقيقة المتاحة، ماقد اوجد نوعا من الانشطار في الرؤية الانسانية، لم تتنطع العقلانية الاحادية لتفسير اسبابها، او ان تعين بالدقة، وبما يقنع، مصادرها والمبررات التي جعلتها ممكنة وحاضرو بقوة.
ثمة عالم من التفكير الانساني محال لمصدر من الاعتقاد ايماني غير توثقي، عالمه الاساس ولاشك مايعرف بمدرسة النبوة، والاحالة الى "مملكة السماء" وهي من دون شك وللوهله الاولى، بناء تفارق لايمكن تجاهل، او اخفاء طبيعته المباينه المضادة. والمقصود هنا مضادة للارضوي الاحادي، كما يتجلى في اشكال الدول والسلطات التمايزية المنفصلة عن مجتمعها، ابتداء من اولها وعينتها الكلاسيكية الاجترارية السكونية المصرية، ووصولا لشكلها الاعلى الطبقي الاوربي، حيث الافتراق او التفارق الكامن في البنية المجتمعية، غير قابل للتجسيد على نمط الحالة الانشطارية المفارقة الرافيدينية الاولى، وصولا الى الجزيرية الاحادية الخاتمة. 
ومن طبيعة العقل الاحادي / احادية الدولة، انه وحداني، واقصائي منكر لغيره، لامصلحة له يمكن ان تدفعه لتحري الاشكال المباينه من احتمالات المجتمعية الاخرى، ومنها بالطبع "اللادولة" فضلا عن تجلياتها التاريخية، واشكال تحققها ابان قرون لاتحققها، واضطرارها للتاقلم مع حالة غلبة وانتصار الاحادية المجتمعية، وفي احسن الحالات، وكشكل اقصائي ممكن مالت الاحادية الى احالة تجسدات مجتمع "اللادولة"، الى ماوراء الارضوية، والى خارجها باسم " الدين"، وبهذا حصرته ضمن دائرة مفارقة من طرفها، خارجه عن الحياة، مرتكزة لما تعتمده من ملموسية و"عقلانية" توثيقية ( اعتدائية على مجال له قوانينه وكيفيات تحققه ووجوده )، واضعة كل مايتصل بهذا العالم، في خانة الشك، واستبعاد المصداقية، مع ان هذه بالاحرى قد لاتكون بالحتم مصدر"الحقيقي"، الا من وجهة النظرالاحادية، وبما ان التوحيدية النبوية الابراهيمة هي التعبير المطابق، ضمن اشتراطات مرحلية مؤقته، لنمط مجتمعي هو "اللادولة"، اذن سيستحيل والحالة هذه، وضع مقياس للمحاكمة لمختلف اشكال تجلي هذا النمط المجتمعي، الا باعتماد قوانينه، واسس تحققه التاريخي المطابقة لبنيته، مع اطراح ادعائية المنظور الاحادي، وقوله، او اصراره على انه هو الحقيقة المطلقة، وموئل الصوابية.
ان عقل الانسان محكوم بناء على ماقد استقرت عليه المجتمعية من ازدواج، واحادية دولة، واحادية لادولة، لقانونين متعارضين، وشكلي تجلي وتجسيد، احدهما مطابق للحقيقة الوجودية المجتمعية، وللتحول، والثاني موجود وغالب بصفته ضرورة انية، وباعتبار غلبته المؤقتة من قبيل اللزوم الذي لاانتقال تحولي من دون المرور به. فهل ان غلبة الاحادية المؤقته، وانتهاء اجلها او قربه، سيؤدي حتما الى تكشف الحقيقة المجتمعية المزدوجة، ويسهم في اظهار خاصيات وطبيعة اجتماع اللادولة.؟
نحن نتحدث هنا عن ممارسة انسانية اساسيه، مبعده من التعليل بحسب وجودها وكينونتها، فالاحادية ومنظورها لايعالج عالم النبوة بما هو كائن بذاته، بل يضفي عليه قواعد تصورة الموافقه لطبيعته هو، اي انه يمارس الغاء مستمرا للعالم الاخر،وعالم النبوة من جهته لايعبر عن ذاته الا بحسب ماهو آنيا كعالم مفارق للارضوية، ان صناعة النبوة بالتوالي لعالم سماوي، واحالة ما تقوله وتقرره الى الصلة بالسماء هو "الواقعية" المقابلة، وهي من دون شك فعل وجودي "ملموس" حسب منطق ملموسية اخر، اخطر بما لايقاس من فعل الفلسفة او السياسة، او مايعد علما تحليليا وسياسيا، يمارسه القادة والمفكرون الاحاديون ارضويا. والنبي الذي يعكس رؤيته واقترابه من الحقيقة "اللادولوية"، ويجهد لابتكار لغة من خارج الارض، انما يكرس نمطا من علاقة الانسان المتعالية بالوجود وبالارض، وهو مالا يمكن حدوثة من غير وجود وطبيعة حياة وعيش، على حافة الفناء، حيث العلاقة بالاعلى وبالسماء، هو المتطلب الطبيعي التجاوزي للانسان، لا المعاش الملموس، الامر الذي توفر في شكل وجود وحياة الانسان وظروف حياته وانتاجه على حافة الفناء، في جنوب العراق في سومر/ حيث مبتنى الرؤى السماوية الاولى، التي تتعدى مع قوة تدمير الطبيعة، وتهديدها المستمر للجهد الانساني، الى مافوقها وماوراءها ومايتعداها، بحثا عن معادل وقوة موازنه، اخذت الانسان هنا خارج الارض، ووضعته امام خيار اللاارضوية، التي انتهت بعد اكتمالها بالنيوة الابراهيمية، مستغرقة صراعا مع الطبيعة والدولة القاهرة الاحادية، قرابة الثلاثة الاف عام من التشكل وسط اخطر واقسى اشكال التحدي الوجودي، وبسببه.
ومن حيث لايجد "مجتمع اللادولة" تحققه ممكنا، يصير معنيا بتامين الحضور في الزمن الفاصل، بين استحالة التحقق، ونهاية الغلبة الاحادية، وهو ماينعكس على شكل تمظهر اللادولة حضورا وديمومة وفعالية، بما يوافق استحالة التحقق الاني وغلبة الاخر، ومن هنا ياتي التدرج في رؤية الوجود، من الثنائية : ( الله/ الانسان) الى "وحدة الوجود" التي يظل هنالك معبرين اخرين عن مجتمع اللادولة منهم "العرفانيون" يعتقدون بها وبلاثنائية الوجود، مع انهم هم ايضا يتوقفون دون الخليقية الشاملة، ولايبلغونها، معتقدين ان الانسان والموجودات، هي تمظهرات من الوجود الالهي، والحقيقة ان الانسان هو جزء من الخلقية الكونية الالوهيه المتصلة والمستمرة تخلقا، الى مالانهاية، وان الانسان الموجود على الارض، مصمم للانتقال الى الاكوان العليا، ضمن عملية تخلق الخلقية، التي يمكن ان تاخذ الانسان، وياخذ هو نفسه في غمرتها، الى مالايمكن تصوره الان من تحولات مابعد الانتقال الاول، لاتتوقف الى الاكوان العليا، كل هذا يعني ان مجتمع اللادولة، ليس نهائيا هو نفسه، وانه في حالة تغير وانقلاب دائب، وان "الختام" لاينطبق ضمن سيرورته، الا على الطور النبوي الالهامي منه.
تلعب ثنوية ( الانسان / الله) دورا عمليا اساسيا في ضمان فعالية تجلي منظومة مجتمع اللادولة، بالاخص من ناحية طابعها الاكراهي، المقرون بالعقاب بعد "هزيمة كلكامش" وتكريس اللاخلود كمرحلة جسدية، قررتها امراة الحانة وهي تستقبل كلكامش العائد مهزوما لتصيح به: "كلكامش ان ماتبحث عنه لن تجده ابدا"، حيث ينفتح مسرب العالم الاخر، ويحل العقاب الاقصى، والثواب، الجنة والنار، ويوضع العالم والوجود امام حتمية نهاية ، حيث الدينونة، او القيامه العظمى، وانتهاء اجل الحياة الارضية وكل هذا ضمن مساق يجعل الانسان الحي ماخوذا الى مابعد، والى سلطة عليا قاهرة، جبارة، تعلم كل شيء، وتدبر كل صغيرة، بهذا تكون العبودية، والقهرية من مقتضيات ديمومة العالم الاخر اللاارضي في الزمن الارضي الانتقالي، حيث تؤخذ الحياة والسلطة، من الارض، ومن الحاكم ، لتودع في السماء العليا الحاكمه على الحاكم ورعيته، وحيث يؤمن استقلال اللادولة في الوجود وعلى الارض في نفوس الناس، وكل هذا لايمكن ان يكون باية حال ارضيا، مع الحساسية النبوية العليا، وعظمة التفكرية للرجال المضطلعين بعالم اللادولة، غير القابل للتحقق انيا، من مصدر ارضي، او غير متعال، وقابع وراء الكون، وكذا بالطبع مايقال ومايصدر عن النبي، باعتباره ناطقا بالوكالة عن عالم اعلى، ليس من المقطوع به انه لايوافق بالفعل، المسار الكوني وحقائقه، والغاية العليا الوجودية الناظمة لوجود الكائن الانساني على كوكب الارض.
ليست النبوة تقصدا، الا بما يعيه الاحاديون والاحادية، انها بالاحرى سياق متوافق موضوعيا و " تاريخيا" ووجوودا، مستندا لكينونة وبنية، وهي مثلها مثل اشكال التعبير الاحادية، "واقعية"، ولازمة ضرورية، تتغذى وتعتاش من، وفي الوجود المجتمعي، وبقدر ونسبة حضور الازدواجية، في التكوين والنفس او في البنية والواقع، ويكمن هنا بالاحرى جانب مهم من مجتمعية او "علم اجتماع" اللادولة. بما هي قوة محايثة للتحولية الانسانية.
ـ يتبع ـ 
ملحق رقم 2
نبوة مابعد الاسلام/ الطور الاخير