نبوة مابعد الاسلام/ الاسلام الثاني..ـ ملحق رقم 2

Submitted on Thu, 12/20/2018 - 13:26

عبدالاميرالركابي: تبدأ فكرة ختام النبوة مع النبي العراقي "ماني"، ابن بابل وميسان، في القرن الثالث بعد الميلاد، حين اعلن ختام النبوة، وقرر الصلوات الاربع، ودعا الى الزهد،لكن هذا النبي الذي انتشرت رؤاه في فارس والهند والصين واصقاع واسعه من العالم، كانت دعوته بالاحرى يغلب عليها بالدرجة الاولى الطابع الفكري الاقناعي، ولم تكن تقارب مهمة تجسيد منظور اللادولة النبوي في دولة، مع مقتضاتها وشروط تحققها الملازمة للقوة، وبالاساس لم يكن يتوفر،ولاكان ذلك ممكنا له، على جيش من نوع الجيش الجزيري المحمدي، ببنيته الاستثنائية، المقدر لها ازاحة ثقل الامبراطوريات عن عالم احتشاد الانماط الثلاثة، واحياء الدورة الحضارية الثانية الرافيدينية، المتوقفه منذ القرن السادس قبل الميلاد، مع سقوط بابل، لاسباب بنيوية واحتلالية اقطاعية تدميرية بنيويا.
وتقارب المانوية من حيث الطبيعة والدور، ومااتيح لها من مكنات، لجهة الشرق، المسيحية على المنقلب الروماني الشامي، حين تجلى نمط من نبوة ( الانسان/ الاله) السومرية العريقة ( سوف تتكررهذه الصيغة في العراق بعد ظهور الاسلام بصيغة صوفيه مع ابي منصور الحلاج) والتي تسنى لها اختراق الامبراطورية الرومانية مفهوميا، ليصبح المجال الاوربي من يومها ابراهيما على مدى الفي عام، وليرفع البيوريتانيون وهم يطأون ارض القارة الجديدة بعد اكتشاف امريكا، شعار"سنبني مدينة على جبل" الابراهيمي العراقي المصدر والاصل.
ان تاريخ تجليات اللادولة الازدواجية الرافدينية، "وتاريخيتها" الخاصة بها، وببنيتها، وايقاع حضورها، ماتزال مبعدة من الادراك البشري، بحكم هيمنه مفاهيم ورؤى الاحادية الطويلة. ماقد منع اتاحة الفرصة، لاعادة قراءة تاريخ اللادولة وتحققاتها. وحجب احتمالية قراءتها بوضعها ضمن سياق "تاريخيتها" المطابقة لطبيعتها، وصولا لنهايتها، او "ختامها " الفعلي على يد محمد، مشكل جيش الاحتراب الاستثنائي العقيدي، ودولة اللادولة الاحادية الراشدية "امرهم شورى بينهم" باعتباره كينونه، ونتاج بنية شوروية اصلا، لا كما ينظر له الاحاديون كمشاورة بين الحاكم والرعية، فدولة الراشدين، هي "دولة لادولة"/ طلع لاتحكم ولاتُحكم كما كان شائعا لدى المكيين/ احادية جزيرية، قانونها الذاتي ومميزها "امرهم شورى بينهم" الذي انتقل على يد معاوية، لا الشخص، بل المكان الذي كان اكثر المواضع المحررة احتشادا بكتلة من خارجه من المقاتلين العرب، بحكم كون الشام بلد مواجهة مع الروم، حيث يمكن اقامة حكم اساسه الغلبة والملك، الامر الذي ماكان ممكنا على الاطلاق في الجزيرة العربية، وهكذا يكون الاسلام بالاصل دين مجتمع لادولة احادية، انتهى حضوره كشكل "دولة لادولة" بارض الشام، صحراء النمط المجتمعي، حيث لادولة ممكنه ذاتيا، ولا "لادولة"، الا تشكلات المدن وماحولها التي لاترقى لمستوى اي من نمطي المجتمعية الاساسيين، وحيث لاحضور لمجتمعية تضاد الدولة القاهرة والملك العضوض، المكون اصلا من كتلة اتية من خارج المكان،مع قرب عهدها بقانون الغزو والغلبة زمنيا، ومن غير تشكلاته، الامر الذي دعا الجاحظ في حينه لاصدار حكمه الظالم وقتها على اهل الشام، طالبا منهم التصرف على غير كينونتهم، كما فعل معاوية نفسه في رسالته الى علي بن ابي طالب كتب فيها يقول: "احاربك باناس لايعرفون الناقة من الجمل".
على هذا المنوال يبدا عالم مابعد الجزيرة، ومابعد محمد، بعد ان ادت ثورته الانجاز الاعظم ممثلا ب"الفتح"، المهمة التي لم يكن لاي موضع الاضطلاع بها وقتها، لامتياز الجزيرة الحربي العسكري، القادر على فتح المدى الريعي التجاري الى اقصاه، حتى الهند وحدود روسيا والصين، والاهم المساعدة في اطلاق الدورة الحضارية الرافيدينية الثانية، بتحرير الاليات المعطلة تحت وطاة الاقطاع العبودي الفارسي، وعوامل ذاتية تكوينية رافيدينية، ماانهى مهمة الجزيرة في حينه، ليبدا من وقتها الدور الحاسم للامبراطورية الازدواجية الرافدينية، ان من واضبوا على قراءة تاريخ ثورة الجزيرة تحت عنوان "الاسلام" وتاريخيه، ظلوا بالاحرى مصرين على امحاء حضورالاليات المجتمعية التاريخية للمواضع التي وجد الاسلام ضمنها، وتحت دفعها، باعتباره وليد نمط من انماط المجتمعية، متداخل مع آليات حضور منطقة احتشاد الانماط المجتمعية الثلاثة. والذين يقراون عادة مايعرف ب "الحركات السرية في الاسلام"، او "مقالات الاسلاميين"، او "الملل والنحل"، يقيمون رؤاهم على نفي لواقعة تبدل الواقع، من الجزيرة العربية المنطلق في مناخ اللادولة الاحادية وشروطها، الى الشام كلحظة انتقال عارضة، الى ارض الرافيدين بعد عودة اليات الدورة الحضارية والامبراطورية الازدواجية للعمل في دورة ثانية بعد الدورة الاولى السومرية البابلية.
والغريب ان هؤلاء مجتمعين، قد فاتهم ان يلاحظوا كون المذاهب مجتمعة، قد ولدت وترعرت في مكان واحد، هو العراق، ومن الخوارج الى التشيع بمدارسه وفروعه، الى الفاطمية، الى اخوان الصفا، الى المعتزلة، والقرمطية، الى التسنن الحنفي، وكل شبكة او غابة التفكر التي اعقبت الاسلام الجزيري، هي حصرا عراقية ونتاج / الابراهيمية الثانيةوالدورة الحضارية الرافيدينية الثانية العباسية / القرمطية، وبالطبع وكما هو متوقع، فان مقدمات من هذا النوع لابد ان تجهل تلك الاشتراطات وتمسحها من المشهد، ولن تذهب باي حال الى افتراض وجود اسلام جزيري، واخر مابعد جزيري هو ابن نمطه الذي نشا فيه، عاد ليصاب على مستوى الحكم وطبيعته، بانتكاسة شامية، ليتركز لاحقا وبعد تحول العرب الاتين للعراق وساكنية المحررين، من مواطني "دولة لادولة احادية"، الى سكان وابناء مجتمع لادولة مزدوج، اعلى تركيبا وتجليات، وحضورا، بالاخص بعد انتهاء زمن الفتوحات، والدور العسكري الاستثنائي للموضع الاحتياط والظهيرالملحق بارض الرافدين في جزيرة العرب، حيث اقتصاد الغزو، والمجتمع المحارب كينونة،والريع التجاري القاري المختنق.
ولم يسبق ان وجد نظر للتاريخ، ولتاريخية اللادولة، بحسب وعلى ضوء ماتقتضيه من قوانين نابعة منها، ومن اشتراطاتها ليسود نوع من الغوص في النصوصيات والفقهيات المجردة، بمعزل عن الحقيقة الكيانية والنمطية المجتمعية المعاشة، فلم يحدث لاحد ان راى على سبيل المثال، حركة الفتح الثاني، مع انتشار القرمطية حتى في جزيرة العرب نفسها،وانتشار الفاطمية في المغرب العربي، وحكمها لمصر، وتعريبها واسلمتها لها، بعد ان ظل الاسلام فيها محصورا حول مركز الحكم، عدا عن اقامة صرحها الباقي الى اليوم رمزا اسمه "الجامع الازهر"، غير انتشار التشيع والاسماعيلية الكاسح في ساحل الشام، قبل مجيء الاتراك العثمانيين، وقبلهم المماليك، بعد انتهاء الحضور العربي كنفوذ وفعالية، منذ بدء دورة الانقطاع الرافديني الثاني، مع سقوط بغداد 1258، ذلك فضلا عن يتجرا العقل المطامن، وقد دخل زمن الانحدار، فيعين مجالين ساسيين متلازمين ومتعاقبين تاريخيا باعتبارهما اساسيين، الاول "اسلام الجزيرة" و بعده مباشرة " اسلام ارض الازدواج المجتمعي الرافيديني الامبرطوري الكوني".
ينبغي تغيير تسميات " الملل والنحل" او " مقالات الاسلاميين" ب اسلام العراق الابراهيمي الثاني، بعد اسلام الجزيرة المحمدي، المنتهي ب " الغيبة"، و"الانتظار" المهدويين، مع ايقاف العمل بالاسلام جملة وتفصيلا. مع القرن الرابع الهجري. ان تجدد سريان اليات الابراهيمة في الطور الحضاري الرافديني الثاني، هي التي جعلت "الامامة"، بمثابة النبوة الثانية، شيعيا واسماعيليا، وهذا المساق، هو ماحكم كل عملية الانتقال الى الاشتراطات الرافدينية، وقررسريانها على العرب/ العراقيين، الذين غالبا مايذكر منهم انهم "عربوا" المواضع التي وصلوها في المنطقة المعروفة بالعربية اليوم، / يركز مؤرخ مهم مثل عبدالعزيز الدوري على هذا الجانب من منطلق عنصري قوموي/ من دون ملاحظة اهم، تقول بانهم قد "تعرقوا"، او " ترفدنوا"ولم يعودوا سكان جزيرة العرب، وصاروا اليوم ابناء قانون الازدواج، بدل قانون الاحادية واقتصاد الغزوالذي انحدروا منه.
ويبدا التاريخ الثاني، مع اخر الخلفاء الراشدين، يوم كان العراق مايزال في حالة انتقال، وبداية يقظه، وعودة انتعاش واشتغال للاليات التاريخية البنيوية المعطلة،مااسبغ على تجربته في العراق، هو وكل الاتفاضات الكوفيىة البصرية المتوالية ضد الامويين بلا توقف، طابع القلق وعدم النضج، وصولا في وقت لاحق، الى القرمطية ومجلس عقدانيتها، الذي ظل قائما في ارض السواد لقرن وخمس سنوات، بعدما استقرت ملامح الازدواجية، وساد مفعولها، قبل ان تلوح علامات الانتكاس الدوري المتكرر، وتتعزز القناعة باستحالة الوصول الى التحقق "التحولي" الذي ينطوي عليه الازدواج المجتمعي كحقيقة وهدف مضمر، اي قيام دولة اللادولة الازدواجية ناهيك عن بلوغ لحظة " فك الازدواج" المدرجة حاليا على جدول الاعمال التاريخية، فيقرر التشيع ايقاف العمل بالاسلام كمشروع انتهت فعاليته بحسب قوانين الازدواج، مع الابقاء الاضطراري الاني، على العقيدة فقط، بانتظار طور حضاري اخر،منتظر .
ان مسار الاسلام كمحطات كبرى لم يتوقف ، اذ سرعان ماولد "اسلام ثالث" هو اسلام الانهيار العقيم، مابعد انهيار المشروع الحضاري الامبراطوري الرافيديني، تمثل في عودة الرؤية الجزيرية، خارج زمنها وشروطها، ومن ترسانه الحنبلية التي كانت ظلت ابان الاسلام الثاني العراقي، هامشية ومعزولة، عاد ابن تيمية الشامي الكردي الاصول، ومن نفس ارض الاصنام، ومعاوية الملك العضوض، ليؤسس لاسلام ثالث، قائم على الغاء قوانين التاريخ، وافتراض استئناف المحمدية المستحيل، في غير زمنها وشروطها، الامر الذي عاد وتجسد مشوها "نفطيا/ امريكيا" باسوأ واحط صورة، تناقضه كليا ظروفا وجوهرا، اسس الاسلام الاول، وحقيقته ودوره، في نفس جزيرة العرب، انما في زمن مختلف، على يد محمد بن عبدالوهاب، وال سعود في العصور القريبة المسماة حديثة.
ـ يتبع ـ
ـ المهدوية نهاية الاسلام