المهدوية: إيقاف ابراهيمي للاسلام*أ

Submitted on Sat, 12/22/2018 - 14:11

عبدالاميرالركابي: وجد النبي محمد بن عبدالله عند لحظة هي الاخطر، والاكثر دلالة وقيمة، ضمن مسار وحضور مجتمع اللادولة الاحادي منه تحديدا، وهو ماتجلى خلال ازمة تاريخية وحضارية كبرى شملت منطقة الاحتشاد المجتمعي، وكان هو والجزيرة العربية قد تلقيا باشكال واضحة، ماقد استقرت عليه وتركته دورة اولى حضارية،( كانت الجزيرة العربية كما يقول المورخون حنفية بداية، قبل ان تردها الاصنام من الشام على يد بن لحي، وكان لليهود والمسيحيين وجود قديم فيها وفي اليمن ) انهارت لتقع المنطقة بالانقطاع التاريخي، فغابت وقتها "امبراطورية الازدواج" باعلى صورها البابلية، واخرها،حامورابي وشريعته، بمقابل مصر ومنجزها الاحادي غير الديناميكي، بينما حلت الامبراطوريتان الرومانية والفارسية، على المجال الحضاري الاحتشادي الاول، ومارستا بقوة، عملية خنقه، والعمل الدؤوب على الحاقه بمجاليهما الحضاريين، مع انهما لم يكونا يملكان مثل هذه القدرة تكوينا، فالقوة وممكنات الامتداد، لاتعني حتما كونية الاليات وفعاليتها، فلم يتيسر لهما غيرممارسة الخنق، بالاخص لجهة الخليج السومري ( يطلق علية اسم العربي او الفارسي، والتسميتان خاطئتان، لان سومر وسمت الخليج بحضورها وطابعها قبل فارس والعرب باكثر من ثلاثة الاف عام، وكان لها فيه مؤاني / دلمون/ البحرين الحالية " واستعملته كمجال ابحار وصولا الى القارة الامريكية المكتشفة في العصور الحالية ( اجريت قبل بضعة عقود، تجربة ابحار من جنوب العراق، عبر المحيط الى القارة الامريكية، بسفينة مصنوعة من البردي والقار الموجود ازليا في الاهوار، ووصلت الى هناك، هذا مع ان النظرية السائدة عن اصل سكان امريكا تقول انهم تحدروا من سيبيريا حصرا)، ومنه يحتمل ان تكون قبيلة الشيروكين، اهم القبائل الامريكية، وربما اكبرها،قد وصلت الى هناك، قبل وصول الغرب وابادته للشعب الامريكي. 
ومع النبوة المحمدية، وانتفاضة مجتمع اللادولة الكونية الكبرى التحريرية، تتكرس لاول مرة التفاعلية الكونية المتوسطية، بصورة رد غير عادي وكاسح، وتعود للحضور بصورة وشاكلة اخرى، ايقاعية تبادلية تكرس تلك التي كانت قائمة بالاصل بين بابل ووريثتها روما، فتطور الامراطوريات اللاحقة زمنيا، على سومر وبابل، مثل فارس وروما، كان قد عرف في الوقت نفسه تغيرات في وسائل التفاعل، تمثلت على شكل السيطرة المنظمة عسكريا على الجبهتين، مما كان يوجب على منطقة الاحتشاد النمطي المجتمعي، مستلزمات تحرير استثنائية متفوقة على الاحتلال الطاريء، على صغر المساحة التي تحتلها، مقارنه بحجم وقدرات المحتلين، ومن الغريب الجالب للتفكر العميق، ان تكون الغائية الكونية العليا قد اوجدت مجالا، هو ظهير لمنطقة الحضارات الاولى ومخبوئها الاحتياط، مثل جزيرة العرب، كمجتمع لادولة، خاضع لقوانين اقتصاد الغزو، مايجعل الحرب خاصيتة وكينونتة البشرية الاساسية، مقترنة بالشظف،حيث الانسان يقتل او يسبي ليعيش، وحيث الحرب ليست اختصاصا، كما لدى بقية الامم، بقدر ماهي حياة ووجود، عدا عن كونها مجالا، او مساحة عصية على الاحتلال، بسبب طبيعتها وتطرفها، ماجعلها عرضة للخنق من مصادر وطرق حيويتها، تنعكس على استقرارها وعناصر توازنها التجارية القارية، الاتية من جنوبها، والصاعدة الى الهلال الخصيب، الذي وان كان يوم نهض محمد في مكة، يضم خمسة ملايين ساكن، وبنية لم تنتج بحسب طبيعتها اكثر من صيغة وتعبير من نمط من خارجها، تمثل بالانتفاضة المسيحية، الاقناعية مثل المانوية اللاحقة عليها، من دون الانطواءعلى مقومات التحرير، التي ستنتظر ان يضطلع بها مئة وعشرون الف مقاتل، خرجوا بداية من جزيرة العرب، بتجهيزات حربية مزرية، وسيوف بينها ماهو صدء، واقدام عارية، ليواجهوا جيش الروم المحترف، المجهز احسن واعلى تجهيز، ويغلبوه بيسر، برغم تفوق الروم العددي في الغالب.
كانت عبقرية نبي اللادولة الجزيري، ضمن نمط وتفكير عالمه النبوي، قد تشربت واقعة وجوده بازدواجها وتناقضها الحاد، واحتدامها الاقصى، بين احتلال، وخنق وتازم اقصى للقبيلة وحدة وخلية المجتمع، وبين احتلال مزدوج خانق، يقف على مشارف الصحراء، ويهم بالتوغل، او يتوغل فيها بلا نجاح احيانا، وهو مالم يكن شكله وحضوره الاكثر فعالية ومضاء، ففارس قد اغلقت منافذ الحياة عبر البحار، وروما وضعت مجال ومقصد طريق التجارة ومصبها تحت سطوتها. وقد تراءت له المهمة الراهنه في الانقلاب من القبيلة الى العقيدة، وفي مجتمع لادولة احادي، لم يكن سوى تراث اللادولة، واشكال تجليها وتعبيرها يصلح لها اساسا لمشروع التوحيد، بعد اضفاء بنية الجزيرة التعبيرية الشعرية على تراث النص التوراتي، والانتقال بالتعبيرية الجزيرية الى النص الانشائي الممتنع مابين الشعرية والسرد، وكل تراث وترسانة الالوهية الازدواجية ( الله / الانسان) اي ( الرب / العبد) بموازاة ومفارقة ( الحاكم / الرعية)، حيث قوة حضور السماء، في مجتمع بنيته هي بنية "امرهم شورى بينهم" اي اللا حاكم المنفصل واللا دولة، هي المفارق الارضي للسماوي القابل فقط لان يزيل عقبة العصبية القبلية، ويجعلها تندرج ضمن المفارق الاعلى، وهذا ماسيحصل، وماسيؤدية محمد بطاقة جبارة استثنائية، بالاخص من ناحية ابتكاريته، والاضافة التي اوجدها بعد المعاجز اليهودية والمسيحية، على صعيد التخاطب والتلقي من الاعلى: ( جبريل/ والاسراء والمعراج)* لابد ان طبيعة اللحظة، كما طبيعة بنية المكان اضافة، للحظة التاريخية، قد وقفت في عمقها، وجعلتها ممكنة عبر محطتي (مكة/ العقيدة) ثم ( المدينة / صياغة المجتمع العقيدي المحارب).
هكذا تسنى لمحمد التلميذ الابراهيمي، وابن تجلي مجتمع اللادولة الاحادي، في قمة وختام ممكنات تحققه، ان يصنع "قنبلته النووية اليدوية المحاربة"، المتضمنة اغراضها واستدافاتها العفوية الغريزية، باعتبارها مشروعا جزيريا، غرضه فتح عالم الريعية التجارية، المقفل بالامبراطورية الفارسية، الى اقصاه شرقا، بتحريره، واعادة تركيبه على اسس، يلعب عالم الاحتشاد النمطي المجتمعي فيها دورا مركزيا، وصولا لعاصمته الكونية ومجال تخلقه الكوني بغداد، وامبراطورية الرافدين الازدواجية الثانية، بعد تحرير آلياتها، المعطلة لاسباب ذاتية بنيويه، كما بفعل الاحتلال الفارسي العبودي الاقطاعي. الا انه، ومع ان ماشهدناه وتحقق وقتها، وباقصر الاوقات، م تحرير المنطقة من حدود الصين الى غرب اوربا، ظل ماهو منجز على يد النبي الخاتم للنبوة وطورها، بالاحرى، ادنى من المقصود والمضمر والمستقبلي في الابراهيمية، واسباب وجودها الاولى، وشروط تحققها واستهدافاتها.
ومما يميز المحمدية ولاول مرة في تاريخ تجسد مجتمع اللادولة المفهومي، انها قد توفرت على اسباب القوة، وكذلك شكل من اشكال "دولة اللادولة الاحادية/ الخلافة الراشدة" قبل ان ينتقل الاسلام الى الملك العضوض، يناء على بنية ساحل الشام، فالابراهيمة من ابراهيم النبي الاعلى، الى المسيحية ( الانسان/ الاله)، عاشت كمفهوم اقناعي، خارج وسائل تحقق السلطة، وبالاخص منها النزوع التغلبي، واسباب القوة المادية، واما المهمات الاساسية التي كان مقدرا ومهيأ ل"دولة اللادولة" المحمدية ان تؤديه، فقد تمثل في التحرير بالدرجة الاولى، كما في العقيدة المصممة وفق اشتراطات اللادولة الاحادية، ان مجتمع اللادولة الجزيري، مجتمع مغلق بلا افق، تنقصه الديناميات الصاعدة الى اعلى، مثله مثل مجتمع الدولة المصري، برغم قدراته الكونية التحريرية الاستثنائية، وهو والحالة هذه، يقع في سلم الابراهيمية عند موقع اولي، ومتدن برغم استثنائية دوره، بالمقارنة بما تهد ف له اللادولة الرافيدينية الازدواجية التحولية.
وثمة ناحية يفترض ان تلحظ فيما حدث ابان الدعوة المحمدية، هو كونها ليست ابدا دعوة رجل واحد اسطوري، او "سوبر مان"، برغم الدور الخارق الذي نهض به، ذلك ان المحمدية كانت في العمق واخيرا، حركة لحظة تاريخية، وساعة تازم واشتراطات انقلاب كوني قصوى، تتجاوز الفرد، نحو نخبة من الشخصيات والرجال الكبار، المواكبين لمحمد ودعوته ومشروعه، لولا انهم كانوا حاضرين، وقد اصطفتهم، بعد ان خبرتهم، الازمة واتونها المستمر من فترة ليست قصيرة، فخلّقتهم ليكونوا مطابقين ومستعدين لماياتي، لا لما هو كائن ( الصحابة). لما كان لمحمد ان يفعل شيئا، والشيء ذاته ينطبق على القبيلة نفسها، مع انغماسها وسط مفاعيل الاحتراب الاعمى، والتفكك القاتل بفعل فقدان التوازن المجتمعي، ماجعل الذي عرفته الجزيرة في القرن السابع، من قبيل الثورة الكبرى الكونية، ناجم عن ازمة ثورية تاريخية، جعلت كل مقومات الانتقال جاهزة، تنتظر المحرك والمشعل العبقري للشرارة الانقلابية اعتمادا على وسائل مجددة من تراث اللادولة.
وثمة مايعين حدود المنجز الجزيري المحمدي، واقتصاره على مجرد عملية التحرير، بمجرد انتهائه ووصوله الى الحد الاقصى الممكن والمتاح، في حين استمرت الاليات الازدواجية التي اسهمت هي في اطلاقها، بالتشكل واستمرارالصعود، في ظل المنجز الاحادي الجزيري، انما وفق اليات الابراهيمية، الذاهبة صوب كينونة ماوراء المجتمعيات، ونحو "فك الازدواج" المجتمعي، بناء على المحرك الموضوعي، المتجاوز للوجود العياني المادي، بحكم طبيعة العملية الانتاجية على حافة الفناء، والكينونة التحولية المضمرة، في المجتمعية الرافيدينية الاولى.
لم توقف المحمدية، ولا كان لها ان تفعل، الاليات الابراهيمة من العودة للعمل، نحو ماوراء الشكل الاخير الجزيري من اشكال النبوية، الثنائية، الاضطرارية، والمؤقته، الضرورية للرد على انتصار الاحادية المجتمعية، حيث بالاماكن بوضوح اذا ازحنا العمى الاحادي قليلا، ان نبصر بقوة، اليات الثورة اللاحقة على المحمدية، كما تجلت في ارض السواد بين الكوفة والبصرة بعد الفتح وزوال العارض الاموي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• غيرنا العنوان عما كان معلنا عنه في الحلقة السابقة لاسباب دلالية.
• ترى عائشة زوجة النبي محمد ومعها معاوية بن ابي سفيان ان الاسراء والمعراج رؤية صادقة لكن ليست بالجسد.