المهدوية ايقاف ابراهيمي للاسلام "ب"

عبدالاميرالركابي: تنتمي المحمدية، او الاسلام النبوي الاخير، لعالم وممكنات مجتمع لادولة احادي، ادنى بنية ومتضمنات، من ذلك الذي فيه تحققت الابراهيمة الاولى التاسيسية، وظهر المنظور المنتمي لعالم و"مملكة الله" المفارقة، ان مسالة الرؤية التوراتية برمتها، ماتزال بالاجمال موضوعة بين النظر النصوصي الايماني، والمقتربات ومنهجيات الاحادية، النافية لغيرها، والقائمة على توحيد المجتمع والبنية الاجتماعية، في شكل وصيغة واحدة. وهذان مدخلان ايهاميان يلغيان التاريخانية، الا من زاويتها الاحادية، مانعين على مجتمع "اللادولة " وتجلياته، اي حضور متصل ومطرد، واي صيرورة صاعدة ضمن عملية الصراع مع المجتمعية المقابلة، الاكراهية التمايزية، الاحادية، مفقرين بذلك التاريخ والعقل.
وتحدث هذه بداهة، في المكان الذي تتوفر فيه الاليات الصراعية المجتمعية بين شكلين مجتمعين ضمن كيان واحد موحد، كما هو الحال قمة البنائية المجتمعية، في مابين النهرين، الامر الذي كان سيجعل من الاسلام وقت ظهوره وادائة مهمة التحرير والفتح المؤهل له، محطة لها مايعقبها، وهو ماقد حدث بداية بانهاء الدولة الراشدية، لصالح الملك الاحادي العضوض، عن طريق قانون الغلبة والمحيط المجتمعي الشامي، المهيأ لمثل هذا النوع من الحكم، اذا كان قد قام مستندا لكتله متلاحمة من خارج المكان الذي لايعرف بطبيعته وذاتيته، الدولة الوطنية باي شكل من الاشكال، وبالاخص المتولدة عما يعرف با لتشكل الوطني، الا اللهم، "دول المدن"،وفي حين عجزت الجزيرة العربية عن ان تكون هي منطلق التحرير والامبراطورية معا، ولم يكن لها ان تقيم "دولة وطنية جزيرية" لانتفاء اسبابهاالبنيوية، فلقد توقف دورها وامتد نحو شكل من الدولة المواكبة لعملية الفتح والمبررة بها، انتهت بنهايتها وتوقفت عندها، لينتهي بذلك دور الجزيرة العربية، ويبدا دور موضع الامبراطورية الكونية الازدواجية الرافيدينية.
ومع بدء عودة التشكل الامبراطوري العراقي، كان من البديهي ان ينشا طور ابراهيمي لاحق على المحمدية، فالموضع الذي انتقل اليه الاسلام الجزيري، كان مكتوبا عليه ان يواجه خاصيات وبنية اعلى منه، واكمل، واكثر احتواء على مقومات واسباب الانتقالية المجتمعية المتعدية للمجتمعيات الاحادية. وفي ارض السواد، نهض السؤال الكبير: هل اسلام الجزيرة يوقف الابراهيمة ويمنع استمرار تجليها الذاهب نحو "التحول"، اي ماكان يرغب بتحقيقه و قد تعذر في الدورة الاولى، يوم لم يكن بالامكان في الدورة الاولى، الذهاب الى مابعد المجتمعية، بينما كانت الاحادية والدولة بصيغتها الامبراطورية الاحادية القاهرة، والتمايزية، قد انتصرت مستغلة نقص وسائل التحول الاني في بنية مجتمع اللادولة السومري، مااضطر الابراهيمية لان تبتكر صيغة "وعد" انتظاري ثنوي اكراهي.
عند هذا كان قد تفجر بركان صعود الدورة الثاني بين البصرة والكوفة وواسط، ومجمل ارض السواد ليعرف هذا الموضع ثورته البركانية مع، تقعيد الشعر واللغة، والاداب ومدارسها، وعلم التاريخ والسيرة، وزحمة المذاهب والرؤى، وانفجار عالم التصوف وصولا لنبذ الثنائية الوجودية، ومقاربة وحدة الوجود، والرؤى الكبرى مع المعتزلة واخوان الصفا، ذهابا الى التشيع يتشكله المتتابع، ومدارسه وصولا الى "الانتظار" و"الغيبة"، والفاطمية والقرمطية، ومذاهب السنه وفي مقدمها الحنفية، وقبل هؤلاء الخوارج، ولتبدا من يومها حركة انتشار كوني لاحق على الفتح الجزيري الاول، وعلى الاسلام المحمدي الجزيري، شملت الجزيرة العربية نفسها، وانتقلت عبر المغرب الى مصر، لتعرف مصر الفتح الثاني الرافديني، وتصير القاهرة "قاهرة المعز"، ويعم التشيع ساحل الشام، ويصير المجال العربي برمته عراقيا رافدينيا، تعبيرا عن لحظة الانتقال من الاسلام الجزيري الى الرافيدني الازدواجي.
ومع تجاوز المنظور الاحادي ومنه التغربي الحديث، والقومومي او الثنائوي الذي يحيل حركة التاريخ لارادة عليا مبهمة، وغير موصولة بالاسباب الارضية، يكون ماقد حدث وقتها من حيث دلالاته، انقلاب ضمن التفاعليه الكونية، صادر عن منطقة الاحتشاد النمطي المجتمعي، تمثل في لحظتين: الاولى انتفاضة مجتمع اللادولة الاحادي الجزيري المدخر ضمن تشكيل منطقة الاحتشاد النمطي، كانت مهمتة الرئيسيه تحرير المجال الريعي الى اقصى مدى، واعادة الاليات التاريخية المتوقفة بفعل الاسباب الخاصة الذاتية، ووطاة حضور الاحتلالات الامبراطورية الشرقية والغربية، ماادى الى اللحظة الثانية، التي اضطلع بها كيان الازدواج المجتمعي بطابعه الامبراطوري الخاص على مستويي الاعلى " بغداد"، والاسفل ارض السواد وغابة منجزمجتمع اللادولة الازدواجي، وهو ماحصل مع مجريات التحول الاجتماعي الجزيري العربي، من خاصيات وتراث وانسان اللادولة الاحادية الخاضعة للاحتراب الاقصى واقتصاد الغزو، الى اللادولة الزراعية الازدواجية العليا، ومحركاتها وحوافزها الذاهبة الى التحول، وتجدد الالوهية الانسانية، في فتح باب الامامة الفاطمي الابدي، او الامامة المتوقفة عند اثنا عشرة امام.
ويمثل التشيع الاثنا عشري، اكثر الظواهرمماانجز من اشكال التعبير التحولي في الطور الحضاري الثاني توافقا مع الايقاع التاريخي الرافيديني، وهو يكرر نفس ظاهرة الابراهيمية الاولى، حين وجد تعبير اللادولة نفسه اما مازق الانغلاق الاول، مع استحالة تحقق التحولية الاني، لنقص في الوسائل المادية اللازمة، في حينه، فاضطر لان يجد نوعا من "دين الانتظار" تجلى في " الوعد خارج الارض" وهو ماقد توصل له النبي ابراهيم، بعد عزلة تدبر تطلب منه اختيار المنفى الداخلي بداية، بالذهاب الى "حران"(1) قبل ان تتبلور "نظريته" الانتظارية الاولى، لحين توفر اسباب التحول، ويقرر الذهاب غربا الى ساحل الشام ومصر.
يمثل التشيع بصيغته الانتظارية بعد الغيبه (2)، اعلانا عن انتهاء الدورة الثانية التاريخية، وقرب وصولها هي الاخرى الى الطريق المسدود، بعد جملة التجارب وغابة الانتفاضات التي لم تتوقف منذ الامويين، وبعدهم العباسيين، بجانب مرجل الافكار، والجموح التصوري الاقصى، غير المنتهي عند حد ارضي، والذاهب صعدا نحو التحولية، الحافز التاريخي لمجتمع اللادولة الازدواجي الرافديني العراقي. وليس بمقدور من ينظرون للعراق وبنيته وتكوينه، بمنظار الاحادية، او ثنوية اللادولة الالهامية، ان يعوا علاقة "الغيبة " والانتظار، بايقاع التاريخ العراقي ودوراته، في هذا المكان من المعمورة، والمصمم وفق قانون الدورات والانتقطاعات، وصولا الى "فك الازدواج"، الامر الذي يغرق الوعي المتداول، في نوع من الخرافية الاسقاطية تدعي "العلموية"، ومنها البحث في ولادة الامام الثاني عشر، من عدمها (ّ3)، او بقاء المهدي حيا الى اليوم، او لا. من دون الاخذ بالخاصيات المهيمنة والناظمة لنوع التعبير المفهومي المطابق لايقاع المكان، وشكل تعبيره عن نفسه في الدورات الاسبقه على تبلور ادراكه لذاته وخاصياته المميزة، خارج الثباتيات والتثبتتات الاحادية، الامبر الذي ينطبق قطعا وبالاصل، على النظر الى المحمدية الجزيرية وحدودها وممكناتها.
انتهت دورة التاريخ الازدواجي العراقي المرتكزه للمنطلق العام الاسلامي الجزيري، وماقد بني عليه كاساس، عند القرن الرابع الهجري، في حين بدات تلوح لاسباب ملموسة، وعديدة، مظاهر الانكفاء، وقرب الدخول في الانقطاع الثاني، بعد الانقطاع الذي اعقب الدورة السومرية البابلية، ووقتها صار من الملح الانتقال الى "ابراهيمة زمن الانقطاع الانتظارية"، اي اسلام اهل العراق في زمن الانقطاع التاريخي، بانتظار الدورة الثالثة، وهو ماقد تبين لاحقا تطابقه تماما مع الايقاعية التاريخية الازدواجية، ف "الانتظار" و "الغيبة"، هما اسلام مجتمع اللادولة ، ودين اهل العراق، المتطابق مع زمن الانقطاع، بدأ منذ ان شارفت الدورة الثانية على الانتهاء، وتمت المبادرة الى اعلان نتهاء العمل بالاسلام، وقتها، والانتقال الى التطلع الى الدورة الثالثة التاريخية الحالة اليوم.
ويبقى هذا الشكل من الابراهيمة، المتعدية للاسلام الجزيري، حاضرا، بعد ان عاد ليتجدد مع بدايات الدورة الراهنة التاريخي، مع القرن الثامن عشرمن " النجف"، بعد فترة اولى اتسمت بقيادة القببلية منذ القرن السابع عشر،مع بدء عودة الآليات التاريخية للعمل مع ظهور اولى الاتحادات القلبلية في المنتفك سومر العراق الحيث، قبل ان تحل الفترة الثالثة، المتسمة منذ اوائل القرن المنصرم، بحضور الغرب والحداثة، المنتهية اليوم، قبل ان يبدا الزمن الذي يعتمل حاليا داخل تضاعيف مجتمع الازدواج تحت عنوان: "فك الازدواج" المجتمعي الكوني العظيم، المتعدي والمتجاوز لكل مامضى، وللاسلام منه على وجه التحديد(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاداعي طبعا لمناقشة تخاريف احادية مبتذلة، وبمنتهى البدائية،من نوع تلك التي يقول بها السيد القمنى، من نوع الذهاب ال ان النبي ابراهيم جاء من خارج المنطقة، وهو مايعاكس راي مفكر مصري مهم هو عاس العقاد، ومن مكان زرادشتي مانوي بنية هو اذبايجان ( لماذا اذربايجان وليس تركمانستان؟)، متاثر تاريخيا بالمنطقة الاحتشادية، لابل ومشمول مع الزمن بالابراهيمة كمجال له خاصياته الاعتقادية، يصل الى الهند والصين، بناء على مستوى ودرجة فعالية منطقة الاحتشاد النمطي المجتمعي، وصولا الى الاسلام، بما يجعل المنطقة المشار اليها، بؤرة الفعالية التاريخية ضمن المجال الشرقي المذكور، بمقابل البوذية والكونفوشيوسية.
والظاهر ان العقل المصري، اذا اطرحنا جانبا كل الايهامات والتخيلات الخرافية المحيطة به وبممكنات دوره الفعلي، غير قادر على تصور مايتعدى مجيء محمد علي من البانيا، في العصور الحديثة، ليصنع "نهضته" مستعملا بلدا، رقبته تاريخيا بيد الممسكين بها من الوافدين اليه ومحتلية، تباعا، من الاغريق والرومان، الى الاسلام الاول الجزيري، الى الدفعة الابراهيمية العراقية الفاطمية، الى مابعد، تواليا من ايوبيين، ومماليك، وهو بالضبط مايكرس الوظيفة التاريخية لهذا الجزء الاحادي التكراري الاجتراري، من اجزاء منطقة الاحتشاد النمطي.
(2) يلاحظ ان الغيبة والابراهيمية الانتظارية الثانية، يتبلوران في ارض الرافدين شمالا، خارج عالم ارض السواد، و"مجتمع اللادولة" فالامام الثاني عشر"المهدي" يغيب رمزيا بغض النظر عن الوقائع الفعلية، في سامراء.
(3) تشتهر في الاونة الاخيره، مماحكات الكاتب الاسلامي احمد الكاتب، عن ولادة الامام المهدي، وهي نوع من محاولة التشبه بالعلموية، مع الاصرار على احياء اسلام جزيري و " ديموقراطي !!!!!"انتهى، وغادر مسرح التاريخ بعد بضعة قرون من انطلاقته.
(4) مايستحق التركيز والرفض، في المهدوية الحالية، اعتبارها ان "الظهور" سيكون اسلاميا، والمهدي من ال محمد، وهنا يكمن الجانب المناقض لتاريخانية اللادولة، من المهدوية، وهو له بالطبع دوافعه في حينه، حيث ماكان ممكنا تخيل مهدوية، متعدية للاسلام والابراهيمه بطبعتها الانتظارية.