اخرجوا رؤوسكم من الرمال ياسادة .. قد يرى الناس صورة صدام في القمر ، بعد حين  !

عارف معروف

سألني الرجل الثلاثيني ( وهو موظف وخريج معهد ) معترضا على ما ابديته من وجهة نظر بشأن طبيعة وقائع الستينات السياسية والاجتماعية تعقيبا على رأي شخص ثالث في الوقائع نفسها ، خلال جلسة معارف كان اغلبهم من الشباب : ولكن ، ألم يكن عبد الكريم قاسم ، في الأصل ، بعثيا وقد خان الحزب ، فانتقم الحزب منه جراء خيانته ؟
اذهلتني المفاجأة ، وكان عليّ التريث لكي اتلمس إجابة ممكنة ، مفيدة ، غير مستفَزَة ولا مُستفِزة ولا يُشم منها أية استهانة بعقل الرجل و" معلوماته " بصدد ثورة تمور1958 وانقلاب شباط 1963، ولكن الامر تطلب سردا تاريخيا ، متعبا في الواقع ، ومُدعما بالشواهد الممكنة لكي اصحح سيل " المعلومات " الأخرى المصاحبة والتي تفتقت عنها " ذاكرة " الرجل السياسية او بالأصح " برمجته " السياسية التي انطوت على مزالق و" قناعات " اخطر بكثير من هذه النكتة وكذلك ما انطوت عليه استجابات وملاحظات الآخرين من الحضور ، ممن يصغرونه سنا ، من ثغرات وتشوهات بصدد تلك الوقائع ، والخلط الواسع الذي يعتريها بصدد الأسماء والمفاهيم ودور القوى السياسية الفاعلة يومذاك وحقيقية الغايات والمصائر !
كان لا بد لتلك " اللحظة " ان تقودني الى تأمل وامعان نظر في طبيعة الوعي السياسي والتاريخي العام، اقصد وعي الناس ، وعي ما نسميه الجمهور او رجل الشارع ، ومصادره ومكوناته ودور ومسؤولية الهيئة الاجتماعية في تحديد اسسه وتوجهاته ، وكذلك حقيقة الذاكرة المجتمعية او ذاكرة الأجيال وما الذي يسهم في تكوينها ورصف احجارها وادامتها واستمرارها وكيف يتسنى لجهد اجتماعي هادف غربلتها وتنظيفها من المغالطات والتشويهات وكذلك الأكاذيب والخرافات والاساطير، دون ارتكاب خطيئة فرض وجهة النظر الواحدية او الفئوية عبر ما يسمى " بإعادة كتابة التاريخ " التي كانت تجاربها السابقة مثلما ستكون اللاحقة : ظالمة ، وزائفة . مبلبلة وغير نافعة ، اجتماعيا ، على الاطلاق .
كذلك ، من جهة أخرى ، دور التجربة المعاشة وانعكاساتها في صياغة وعي الافراد والمجتمع ، والاثر المؤكد للحياة اليومية ومفرداتها وطبيعة معاناتها ومن خلال قوّة المثال السلبي او الإيجابي الذي تطرحه ، هذا اذا عزلنا دور الاعلام واهميته ، باعتبار الإمكانات المتواضعة للإعلام العراقي ، سابقا وحاليا ، وافتقاره الى الخبرة والدراية والامكانية المعرفية والتقنية التي يمكن لها ان تجعل تأثيره في صياغة الوعي والقناعات ، راسخا ومؤثرا ، او محسوسا ، على الأقل .
أقول ذلك وانا اتأمل في ردود الأفعال المتباينة إزاء رفع مجموعة من الطلبة لصورة صدام حسين خلال احتفالية احدى الكليات العراقية في محافظة الانبار والتي لم تخرج ، ويا للأسف ، الى افق ما هو مفيد وجاد في الفهم والمعالجة ، فذهب بعضها الى بئر الكراهية والشتائم ، ليختصر على نفسه السبيل ويعفيها من كل جهد حقيقي ، فكال الشتائم ل"حواضن داعش والإرهاب التي لن يشفى غليلها " ، في حين تجاوزه آخر الى ان هؤلاء لن يكونوا سوى أبناء الجلادين الذين اوغلوا في دماء العراقيين من الحالمين باستعادة مجد وتسلط آبائهم ، في الوقت الذي ذهب آخرون بالامر الى نهايته المفضلة لديهم : السُنة الحالمين باستعادة السلطة !!
لم يكلف ، أي من هؤلاء نفسه عناء البحث في أي احتمال ممكن لتفسير ما حصل خارج صندوق المؤامرة وظل يدور في ساقيته القديمة : داعش ، السعودية ، أمريكا ، قطر، السنة ، البعث المجرم ...الخ ..الخ .
لم يتمعن أي منهم ، كما اظن ، في دلالة اعمار ثلة الشبان الذين خططوا ونفذوا وتحمسوا لرفع صورة طاغية كان جلهم مجرد أطفال في الابتدائية خلال اعوامه الأخيرة ، ولكنه تحول في مداركهم الى رمز إيجابي بحيث يغامرون بمستقبلهم الدراسي او تعرضهم للمسائلة الأمنية من اجل رفع صورته فقط ! ولم يربط احدٌ من هؤلاء ، كما اعتقد ، بين ماجرى في جامعة الانبار وبين ما يسمعه ونسمعه جميعا ، ويوميا ، في الشارع ، وعلنا ، من ترحم الكثير من الناس ، على أيام صدام باعتبارها أيام قّوة الدولة العراقية وسيادة القانون ومحدودية الفساد و...الخ الخ!

يتصور هؤلاء ، اقصد ذوي ردود الأفعال المتشنجة ، ان الناس تتعلم من الوعظ فقط ، ولو كان الامر كذلك اذاً لتحول المجتمع الى مجتمع صالح بأقل الجهود ومنذ زمن قديم جدا ، وما احتاجت الانسانية الى ان تبح حناجر الواعظين دون ان يجدي ذلك فتيلا ، لكن الواقع يقول ان الناس تتعلم من التجربة العملية والمثال الواقعي الحيّ والسلوك الملموس ، وان ما يملي دوافعها ، في الغالب ، هو حاجاتها المباشرة ومتطلبات حياتها اليومية وان وعيها يرتبط بذلك ويتأثر به بشكل حاسم ومباشر ، فأن اطمأن الناس الى ذلك تطلعوا الى سقف مطالب ثقافية وروحية ارقى . وتجربة العراقيين ، وخصوصا الشباب ، ومنذ خمسة عشر عاما ، مريرة ، بل بالغة المرارة على هذا الصعيد . فهم يشهدون فسادا يفغر ابائهم واجدادهم الافواه من مستواه ويترحمون على الماضي الذي لم يشهد عشر معشاره . ويرقبون، بألم ، ضعف دور القانون والرقابة وعدم تمكنها من احقاق حق او ازهاق باطل ، خصوصا في مواجهة ديناصورات القوة والفساد . ويتألمون لواقع ضعف الدولة العراقية وتبعيتها اوهشاشة ارادتها امام قوى الاحتلال والهيمنة . ويتحسرون على الأيام التي كانت الدولة تكفل فيه الرعاية الصحية ومجانية التعليم وتوفر لأمثالهم الوظائف . ويسمعون القصص ، الصحيحة او المختلقة ، مبالغة واعجابا ، عن قوّة الجيش العراقي ، وانضباطه وعن دقة الأجهزة الإدارية وتفانيها وحرص الوزراء وتسابقهم في الأداء الأفضل ، ناهيك عن تفكك لا يمكن المماراة فيه لاوصال الوحدة الوطنية العراقية وتعاظم تاثير الروح الفئوية والعنصرية والطائفية والعشائرية وغلبة الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة ... الخ ، قصصا قد يستند بعضها الى وقائع ولكن معظمها يصدر عن مبالغة واختلاق بفعل ثقل معاناة الحاضر.
وثمة امثلة أخرى ، كثيرة ، يزخر بها الواقع اليوم عن " وقائع " و" حقائق " اكثر غرابة وسوريالية ، تجد طريقها الى اذهان ومعارف الشباب وتسهم في تكوينهم السياسي والمعرفي ( لا اقصد هنا ، طبعا ، القلة القليلة منهم، وانما اقصد الكثرة الكاثرة )، ويمكن ان تجد امثلتها بمجرد استعراض صفحات التواصل الاجتماعي ، ناهيك عن انك يمكن ان تتلمسها بيسر في أي تماس وحوار ، هنا او هناك ، لكن معظمها ، عند التحليل ، يصدر عن ويستثمر في معاناة الحاضر ومقارنتها بما كان عليه الماضي القريب او ما يروج عن دراية وقصد من قبل البعض ، عن ذلك الماضي القريب . واليك مثالا واحدا يختصر ويبين مضمون وغايات امثلة كثيرة رائجة ، بالنسبة لمطلقيها ولكنه يطمن حاجات نفسية واجتماعية مهمة لدى جمهور المتلقين الشباب رغم انها مفبركة وكاذبة :

• (ارادت تركيا ان تبني سدا يقطع مياه الفرات ، فحرك صدام بضعة بطاريات صواريخ ، فامتنعت تركيا فورا عن بناء السد واية سدود أخرى وارسلت وفدا يسترضي صدام ويعتذر منه ، هكذا كان العراق ) (!!) 
وقس على ذلك في مواجهة أي ترد او احباط او ضعف او تفكك ، سواء تعلق بمشكلة المياه التي تكاد تعصف بوجود الرافدين او ضعف وهوان الدولة العراقية بحيث تتكالب عليها دول مجهرية وقوى تافهة ، او غياب الضمانات الصحية والتعليمية والمعيشية ، او الفساد في الحصة التموينية ... الخ ، في كل هذه الإشكالات والمعاناة تجد ان هناك حكايات وحكايات تنسب الى النظام السابق وصدام المبادرة والحسم والقوة ، قد تروج لها عناصر بعثية لكن معظم من يتلقفها ويرددها ويشيعها هم أناس عاديون وشباب محبطون ...

لقد تحول صدام في اذهان نسبة لا يستهان بها من الشباب الى اسطورة للقوة والهيبة ، بغض النظر عن مدى صحتها ، ومن لا يعرف مدى اعجاب وتعلق العراقيين ، بل وشعوب المنطقة ، بالقوة والرجولة والحزم ، لا يفهم شيئا ، ولا يمكن ان يجد تفسيرا مقنعا لتعلق الملايين بشخصيات سياسية في تاريخ المنطقة اتصفت بها او تظاهرت بذلك ، على اقل تقدير ، وتناغمت بذلك مع حاجات سايكولوجية عميقة لدى شعوب المنطقة وتكوينها النفسي والثقافي ! 
( وللحديث بقية )