تجربة الحياة في براغ في ظل النظام الاشتراكي و الرأسمالي/ج14

Submitted on Sun, 12/30/2018 - 19:15

د.زياد العاني

أسباب فشل النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا -1-

لاشك أن هناك عوامل عديدة داخلية و خارجية أدت الى فشل النظام الاشتراكي في جميع البلدان الاشتراكية و كتب عنها المئات ان لم يكن الآلاف من الكتب و الابحاث بدءا من فساد بعض القيادات في الاحزاب الشيوعية الحاكمة الى غياب الديمقراطية و حرية التعبير ومركزية الانتاج وغياب شبه كامل للقطاع الخاص و تخلف وسائل الانتاج وشحة بعض المواد و تردي نوعية بعضها. هذا بالاضافة الى العوامل الخارجية و التي من أهمها سباق التسلح الذي أستنزف الاقتصاد في الاتحاد السوفييتي وربما يتذكر البعض شعار ريغان في ثمانينيات القرن الماضي " سباق التسلح حتى التجويع" و حرب النجوم و غيرها. و أنعكس ذلك سلبا على أقتصاديات حلف وارشو أيضا و مايهمنا هنا على الوضع في تشيكوسلوفاكيا والتي كانت تستورد امداداتها النفطية من الاتحاد السوفييتي بأسعار مخفضة فلم تعد متوفرة بتلك الاسعار أضافة الى الالتزامات الدفاعية المتزايدة لاعضاء حلف وارشو. ولا ننسى أيضا ذلك الطوق الاقتصادي المحكم الذي أقامته الدول الرأسمالية و عمليات التجسس و التخريب و الحرب الاعلامية الشرسة التي كانت تبث بجميع لغات الدول الاشتراكية و أبرزها تلك التي كانت تبثها اذاعىة أوربا الحرة من مقرها في ميونخ والتي أسستها و مولتها المخابرات المركزية الامريكية. 
غير أن تشيكوسلوفاكيا كان لها وضع خاص كونها بلدا صناعيا متقدما و بوضع أقتصادي أفضل من باقي الدول الاشتراكية و كانت مستويات الرعاية الاجتماعية و الصحية و مستويات المعيشة فيها مرتفعة نسبيا بالمقارنة مع تلك الدول.

ربيع براغ
البداية في خريف 1967 حيث خرجت مظاهرة طلابية كانت عفوية نظمها طلبة أحد الاقسام الداخلية الجامعية يطالبون فيها بتحسين الاوضاع في الاقسام الداخلية بعد تقطع مستمر للطاقة الكهربائية لم تعرف أسبابه (أتهمت السلطات بعضا منهم بالتخريب) حيث توجهوا الى مركز المدينة قرب محطة الراديو الرئيسية و أستغل االقليل من الطلبة هذه التظاهرة فقاموا بهتافات أستفزازية و ظهر فجأة عدد من الشعارات تستفز السلطة منها مثلا لافتات تطالب باجازة المخدرات ورفع الرقابة عن الافلام الغربية. قامت الشرطة بقمعهم بالهراوات وكانت التظاهرة قريبة من مبنى كانت تجتمع فيه قيادة الحزب الشيوعي من أجل اقرار بعض القوانين الاصلاحية الجديدة و انتخاب لجنة مركزية وسط صراع بين الاصلاحيين و المحافظين. فأستنكر الاصلاحيون تدخل الشرطة و استعمال القوة المفرطة بتفريقهم و أعتقال البعض منهم.

في كانون الثاني عام 1968 قررت قيادة الحزب الشيوعي برئاسة الكسندر دوبتشيك السكرتير العام الجديد للحزب تغيير النهج السياسي للبلاد. واطلق مصطلح "ربيع براغ" على الشهور السبعة التي جرت فيها تلك التحولات الحازمة حيث تقرر الغاء الرقابة على وسائل الاعلام رسميا في شهر آذار ومن هنا جاءت التسمية، و اجراء اصلاحات اقتصادية جذرية و اعطاء دور أكبر للقطاع الخاص و القطاع المختلط و أعطاء المزيد من الحريات و حرية السفر و تقليص دور الشرطة السرية. وأزيلت الرقابة كليا عن الصحف ومحطة الاذاعة الرئيسية في آذار من عام 1968الى درجة أن محطة اذاعة براغ أف.م الجديدة و التابعة لهيئة الاذاعة التشيكية نقلت مقابلة طولها 20 دقيقة مع الثعلب الصهيوني هنري كيسنجر في برنامج يومي أسمه " العالم اليوم" و كان وقتها في بداية صعود نجمه وقت كان مستشار للامن القومي (أو قبل ذلك بقليل) وكان يتهجم فيها على الدول الاشتراكية و يدعو شعوبها الى المطالبة بالحرية و التمرد على قوانينها. ويقول الكاتب و الاكاديمي التشيكي الذي كان يعمل في محطة أوربا الحرة في الثمانينيات و مؤخرا أستاذا في جامعة غلاسكو البريطانية (كان عمره ستة عشر عاما خلال فترة ربيع براغ) كانت أحداث تلك الفترة اعلامية فقط بعد رفع الرقابة ومناقشات يومية في المقاهي و الساحات العامة تتبع برامج اذاعية و نقاشات حادة أحيانا تعكس الصراع بين الجناح المحافظ (يسميه الستاليني) و الجناح الاصلاحي الذي تزعمه دوبتشك و يشارك في أغلبه كتاب و أكاديمييون حيث كانت براغ في تلك الفترة في أوج حركتها الادبية و الفنية. و هو عكس ما أدعى به الغرب من وجود أنشقاق أو تمرد داخل القيادة و يقول بأن دوبتشك و الاصلاحيون معه لم يتخلوا عن ضرورة قيادة الحزب الشيوعي للمسيرة السياسية و ضرورة التعاون مع الاتحاد السوفيتي و العداء للامبريالية الا أنهم كانوا يدعون الى اعطاء المزيد من الحريات و تحفيز الاقتصاد من خلال مساهمة القطاع الخاص في بعض النشاطات و أطلقوا حملة " الشيوعية بوجهاالانساني".

وصلت قمة التطورات خلال تلك الفترة من خلال حدثين أحدهما هروب جنرال في الجيش الى أمريكا أسمه ( يان شيجنا) بعد انكشاف فضيحة مدوية بضلوعه في صفقات بيع أطنان من الحبوب وهو محسوب على الجناح الستاليني المحافظ و أدى ذلك الى خسارة الجناح المحافظ لثقة أعضاء الحزب و زيادة شعبية الاصلاحيين و تلا ذلك الحدث الآخر هو أن برنامجا اذاعيا يبث على الهواء مباشرة من أحدى الساحات العامة في حلقات تحت أسم " ماذا تريد أن تعرف عن الوضع السياسي؟" وفي حلقة أحد الايام كانت هناك ندوة يشترك فيها كاتب و مسؤول رفيع من الجناح الاصلاحي بدأها المذيع بسؤال " ماهي الجرائم السابقة التي ارتكبها أعضاء الجناح الستاليني الحالي ؟ و الغريب أن النقاش أمتد لساعات دون تدخل السلطة بوقفه ولم يتوقف بعد مرور ست ساعات كان خلالها الناس ملتصقين باجهزة الراديومندهشين و متوقعين أن حدثا ما سيهز البلد في طريقه الى الحدوث. ولكن لم يحدث ذلك الا بعد أشهر من أستمرار هذه السجالات و المناقشات في الاماكن العامة و الشوارع و التي ربح بها الاصلاحيون الجولة.

غزو حلف وارشو 
قوبلت التغيرات في تشيكوسلوفاكيا برد فعل سلبي من جانب قيادة الإتحاد السوفيتي. فالموقف في تشيكوسلوفاكيا كان مرشحا لتقويض منظومة الأمن العسكري القائمة في اوروبا الشرقية خاصة مع وجود أكبر مركز للمخابرات المركزية الامريكية في أوربا في ألمانيا الغربية المجاورة حيث تسلل الى تشيكوسلوفاكيا في ذلك العام ما يقارب من 800 عميل من ألمانيا، حسب ما ذكره السوفيات وقتها. ولذا قرر الإتحاد السوفيتي في السادس عشر من اغسطس/آب عام الف وتسعمائة وثمانية وستين ان يزج بقوات بلدان معاهدة وارشو في تشيكوسلوفاكيا لتنحية دوبتشيك من رئاسة الحزب الشيوعي وإعادة هذه البلاد الى مجرى التطور السابق مع ان تلك النقاشات بقيت لفترة أطول و الى مابعد الغزو بشهور و هو موضوع الجزء القادم من السلسلة. 
الصورة للدبابات السوقيتية وسط مدينة براغ ويلاحظ على متن بعضها مدنيون محتجون يرفعون العلم التشيكي أما أنظار الجنود السوفييت. في التعليقين الاوليين رابطين عن خلاصة الاحداث خلال ربيع براغ