من تجربة الحياة في براغ أيام النظام الاشتراكي و الرأسمالي - الجزء الخامس عشر اسباب فشل النظام الاشتراكي -٢

Submitted on Sat, 01/05/2019 - 18:54

د. زياد العاني

اذا اردنا معرفة الأسباب و العوامل التي أدت الى ذلك السقوط بتمعن،علينا العودة الى نهاية الستينيات ومرحلة ربيع براغ و الغزو السوفييتي وما تلاه من فشل الإصلاح ومن ثم ماسمي بمرحلة التطبيع التي انتهت بالسقوط الاخير للنظام في بداية تسعينيات القرن العشرين.

كان الاصلاحيون في قيادة الحزب الشيوعي وعلى رأسهم دوبتشك متمسكين بمبادئهم الاشتراكية و ضرورة ان يقود الحزب الشيوعي اي عملية إصلاح ديمقراطية ولكن بتطبيق مبدأ "الاشتراكية بوجه انساني" و بضرورة ابقاء التحالف مع الاتحاد السوفييتي وباقي الدول الاشتراكية، غير أنهم كانوا ايضا يدركون مخاوف حلفائهم في حلف وارشو من انتشار عدوى الليبرالية وصعوبة السيطرة على الأوضاع واستغلال الإمبريالية و حلف الناتو لتلك الأجواء الليبرالية واختراق الأنظمة الاشتراكية و تخريبها من الداخل وهذا ما حصل فعلا.

حاول دوبتشك إقناع الزعماء السوفييت، وهو الذي تربى عقائديا منذ شبابه في موسكو عندما كان يدرس في الخمسينيات وقبلها في الثلاثينات، وكان من المعجبين جدا بالسياسة السوفيتية، حاول إقناعهم بان المواطنين التشيك و السلوفاك بحكم تقدم البلد الصناعي و تحقيق الطبقة العاملة لمعظم حقوقها وبحكم المستوى الثقافي المتطور نسبة الى السوفييت و باقي البلدان الاشتراكية، يسعون الى تحقيق المزيد من المكتسبات المادية والاجتماعية و الحريات الانسانية وبرأيه ان تجربة تشيكوسلوفاكيا قد تنجح وتكون مثالا تتبعها باقي البلدان الاشتراكية، في حين كان لدول حلف وارشو رأيا معاكسا و هو أن الوقت لم يحن بعد لهذه التحولات و ان التجربة قد تؤدي الى إنهيار النظام الاشتراكي في تشيكوسلوفاكيا فتشكل تهديدا استراتيجيا لمنظومة دول حلف وارشو وتهدد أمنه.

كانت الدعاية الامريكية و الغربية ومحطة اوربا الحرة و الصحافة المحلية و محطات الإذاعة التشيكية، مستغلة اجواء الحرية التي تمتع بها الاعلام، تركز على تسمية ذلك النهج الإصلاحي بالتمرد على دكتاتورية الحزب وسياسته "الستالينية" وتحرض الرأي العام على مساندة الاصلاحيين ليس حبا بالاصلاحيين ولكن من اجل الضغط عليهم بفك الارتباط عن الجناح المحافظ و التخلي عن حلف وارشو. وبدأت تكيل المديح لدوبتشيك كرجل دولة اصلاحي و في نفس الوقت كانت تصفه بالمتردد في اتخاذ القرارات المصيرية .

كان اكثر ما يثير قلق السوفييت هو ان يتم تشريع هذه التحولات من خلال المصادقة عليها في مؤتمر الحزب الشيوعي الذي كان مقررا له الانعقاد في شهر أيلول 1968 فتكررت دعوات دول الحلف لقيادة الحزب من اجل التراجع عن تلك الإصلاحات غير ان القيادة لم تعد تستطيع التراجع في ظل حمى العداء العلني للسوفييت و الشحن الشعبوي حتى بين اعضاء الحزب انفسهم الى درجة ان دعوة جاءت من كتاب و أكاديميون قسم منهم اعضاء في الحزب يطالبون ببيانات نشرت في الصحف بتشكيل لجان مدنية محلية في المناطق و المدن حتى ان دوبتشك نفسه اشتكى علنا من ان التحولات تسير بشكل اسرع مما خطط لها وخرجت عن أهداف الإصلاح الحقيقية فانتقد على هذا التصريح و طالب البعض بتغييره بسبب هذا التلكؤ .

استبقت دول حلف وارشو انعقاد مؤتمر الحزب في أيلول وقامت بغزو تشيكوسلوفاكيا في يوم ١٩ آب 1968. استمر الاحتلال لمدة سنة و شهرين تقريبا مخلفا108 قتلى ممن قاوموا بالسلاح وهو رقم اعلن رسميا بعد الثورة المخملية و اعلى رقم نشره أكاديميون ممن اشتركوا في حركة ربيع براغ هو 135 على عكس مانشرته اْبواق الدعاية الغربية و ذيولها وقد قرأت لاحد العراقيين منشورا ذكر فيه رقم الضحايا بالآلاف و تباكى على الوحشية التي قمعت بها حركة ربيع براغ متحديا حتى ارقام و شهادات المؤرخين و الباحثين التشيك الذين كانوا معارضين في ذلك الوقت.

في الجزء القادم سنتحدث عن دور الدعاية الغربية و الإعلامية المحلية في تأجيج مشاعر العداء للسوفييت و الاشتراكية مع امثلة عن احداث مثيرة منقولة عن شهود عيان وأشخاص عاشوا تلك المرحلة تفند تلك الاكاذيب.