رجال من وحدتي

Submitted on Wed, 01/09/2019 - 13:59
لوحة لمقاتل عراقي للفنان ضياء الحجار

الفنان ضياء الحجار

مرت قبل أيام ذكرى تأسيس الجيش ومعها مرت ذكريات أكثر من ثماني سنوات عجاف هي سنوات الحرب مع ايران قضيت بعض سنواتها جنديا مكلفا

تخطيطات ضياء الحجاء

 

 في لواء المشاة 94 الذي كان على ما بدا الأتعس حظاً من بين تشكيلات الجيش العراقي حيث أبيدت عدة مرات و أعيد تشكيله عدة مرات أيضاً ونتيجة ذلك بالطبع فقد ذهب الكثير من جنوده وضباطه شهداء واسرى. كنت انا والعديد من الشباب المسوقين من مراكز التدريب، قد أخذنا اليه في يوم من اواسط العام 1982 كدفعة تعويضية عن خسائر هذا اللواء في معركة الطاهري. كانت أيامنا في مقر اللواء وسراياه المنتشرة على رقعة واسعة من جبهة المواجهة في قاطع عمليات البصرة صعبة جدا وجحيمية لا تطاق من كل الوجوه ولا حلو فيها يصبرنا نحن الجنود خصوصاً الا انتظار اجازاتنا الدورية، والتفكير بالتخطيط لما سوف ننجزه في ايامها المعدودات ويكون اليوم الاخير من الاجازة هو الأصعب على الاطلاق لجنود الجبهات ففيه كثيراً ما تتداعى الى ذهن الجندي خواطر تمليها مشاعر اليأس والاحباط لطول فترة الحرب وفشل المحاولات الدولية لإيقافها. مثل التصور بان هذه الاجازة التي انتهت ربما ستكون الاخيرة التي رأيت فيها أهلي ومدينتي. لكن حتى الاجازات الدورية كانت كثيراً ما تقطع عندما تلتهب الجبهة ويكون هناك تعرض وهجوم ايراني وقد يمتد قطع الاجازات لأشهر... وأذكر باني ولعدة مرات في تلك الظروف لم ازر اهلي الا بعد ثلاثة اشهر أو شهرين ..وفى عودة من عوداتي الى وحدتي الرابضة على خطوط التماس بعد انتهاء أيام الاجازة قررت ان اصطحب ألواني وفرشي واوراق الرسم معي وان لا أكتفى باصطحاب كتاب فقط وهذا ما عملته بالضبط حيث بدأت برسم زملائي في السرية والملجأ ومن خلف الساتر كانوا يجلسون أمامى واحداً بعد الاخر وجوه طيبة أضناها المرار المتراكم من دفع فواتير ثقيلة لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وأذكر جيداً بان موديلي كثيراً ما كان ينهض ويهرول عنى منسحباً باتجاه الخندق الشقي أو الملجأ وذلك على أثر انطلاق زخة هاونات أو قصف راجمة لاتبعه وانا الملم فرشي وأوراقي وألواني على عجل، فقد كنت امارس الرسم خارج الملجأ من أجل الضوء .. وبعدما تجمعت لدي مجموعة من تلك البورتريهات عدت بها الى بغداد فى إجازتي وكتبت معها مقالاً صغيراً تحت عنوان ( رجال من وحدتي) احكي فيه عن شيء من ملامح حياة الجنود في الجبهات ولاول مرة بريشة بدلاً من عدسة الكاميرا وبكلمات كتبها جندي من الميدان وليس مراسلاً صحفياً يزور الجبهة زيارة خاطفة يمضيها غالباً بضيافة آمر الوحدة وضباطه وبحمايتهم. قدمت الموضوع الى جريدة الجمهورية التي كنت أعمل فيها رساماً فنشرته وبسرعة وفي غاية الترحاب. وبعدها توسعت في التجربة فلم أكتفي برسم البورتريهات بل رسمت حيات الخنادق في الجبهة بشكل عام وما يصاحبها من اليات واسلحة وظروف وعلى اثرها نقلت من ( لمش 94 ) كما كان يسمى في اللغة والسياقات العسكرية الى مقر الفيلق الرابع في مدينة العمارة التي انتقل اللواء الى قاطعها في العام التالي .. وبعد سنوات من بقائي فى مقر الفيلق الرابع بعد نقلي اليه تعرض لمش 94 الى ابادة جديدة فى أحدى معارك قاطع العمارة. وقد سمعت بانه قد قدم الكثير من الشهداء والاسرى بما فيهم العديد ممن رسمتهم انا، وخصوصاً مقدم اللواء المقدم الركن محمد والذى كانت شقيقته زميلتي في جريدة الجمهورية هذا ما عرفته منها . أما الباقين ممن رسمتهم وفيما عدا واحدًاً منهم التقيته مصادفة فى الكاظمية حيث أخبرني بانه كان مجازاً إثناء تعرض اللواء للهجوم وحدثني عما يعرفه عن مصائر البعض ممن ذهب أسيراً أو جريحاً ومن يومها والى اليوم وانا اتساءل عن مصائر أولئك الطيبين ممن زاملتهم وعشت معهم من نجا منهم ومن استشهد ومن ذهب أسيراً ؟؟.. وأتذكر الان بيتين من الشعر كان يرددها احد زملائي الجنود فى لمش 94 كانت ولا زالت تنطبق على حظنا ودنيانا نحن العراقيين. وارجو المعذرة، فلست متأكداً من تسلسل كلماتها والتي تقول حسبما بقى منها في ذاكرتي:

أخي إن عاد بعد الحرب جندياً لأوطانه ...

والقى جسمه المنهوك في أحضان خلانه...

 فلا تفرح بمن عادوا ولا تحزن لمن ماتوا ...

 بل اركع صامتاً مثلي لنبك حال دنيانا ...

وأدناه بعض ممن رسمتهم من منتسبي لمش 94 واسماءهم ورتبهم التي كانوا عليها فى العام 1982:

 *بالأسود والابيض النائب الضابط أبو ضيف الريفي الطيب الذي صفف شعره وشذب شاربه قبل ان يجلس امامي لأرسمه.

 *وبالأسود والابيض أيضاً نائب العريف المكلف وصفى طاهر.

* وبالألوان طبيب الوحدة الدكتور الملازم محمد عليوي محمود وذو الشارب الاشقر.

* رئيس العرفاء بكر صديق والذي نجا من محرقة الحرب حيث التقيته بعدها صدفة وحدثني عما يعرفه عن مصائر البعض وزميلاي في الملجأ المكلفان ن ع موفق توفيق ون ع.

* اسماعيل ياسين.

* ثم خطاط الوحدة عباس وقد نسيت اسم والده.

* ون ض غلام ون ض.

* تقي حقي ولي ..

 رحم الله شهداء العراق وحفظ الله العراق والعراقيين وجنبنا شرور المزيد من الحروب ودمارها وتداعياتها.