من تجربة الحياة في براغ أيام النظام الاشتراكي و الرأسمالي -ج16 اسباب فشل النظام الاشتراكي -3

Submitted on Thu, 01/10/2019 - 12:56

د.زياد العاني

أكاذيب الاعلام و الدعاية الغربية

في الجزء السابق ذكرنا ان قرار الغزو جاء لاستباق إقرار الإصلاحات المقترحة خلال مؤتمر الحزب المزمع عقده في أيلول 1968. كانت تلك الإصلاحات قد صاغتها اللجنة المركزية في تقرير من 80 صفحة بصيغة برنامج عمل شامل يتضمن خطة لكل وجه من أوجه الحياة في الصناعة و التكنولوجيا والزراعة و الصحة و التعليم والثقافة و المواصلات والخدمات والبيئة و الغابات و المطابع و الاعلام و محطات التلفزيون و فيه تفاصيل لكل مايخطر ببال المواطنين من ادارة المقاهي والمكتبات و تحسين نوعية الورق الى صناعة السلاح .

لم تذكر كلمة خصخصة او ما يرتبط بها سوى عند الحديث عن تحسين ادارة الخدمات و المحلات الصغيرة وفتح المجال الخدمي أمام الأفراد الراغبين و التعاونيات و التأكيد على ادارة الدولة لجميع القطاعات الرئيسية. جرى التركيز على حريةالسفر و الاعلام وهذا الجانب هو ما أزعج السوفييت و دول حلف وارشو.. و يتفق جميع المؤرخين و الذين عاصروا تلك الفترة بان ربيع براغ كان جلجلة وحدثا إعلاميا بدأه المثقفون و الأكاديميون على وجه الخصوص وتبنته قيادة الحزب الشيوعي واستغلته قوى مضادة تسللت عبر وسائل الاعلام واتحاد الكتاب فخرج عن سيطرة الدولة حيث كانت الغلبة للشارع الذي أصبح مشحونا بحمى الليبرالية والعداء للسوفييت.

برأيي كان الغزو خطئا كبيرا وقع به السوفيات فليس من السهل على مواطني بلد يستيقظون صباحا ليجدوا شوارع مدنهم تملؤها دبابات بلدان أخرى حتى و ان كانت تلك البلدان صديقة و متحالفة ولكن من ناحية أخرى لم يأخذ الاصلاحيون بنظر الاعتبار مخاطر التدخل السافر للغرب و أتباعه و لم يأخذوا بالحسبان تأثير تلك الضجة الإعلامية الصاخبة على المكاسب التي تحققت بل أنهم تساهلوا كثيرا مع التجاوزات و الاكاذيب و الدعوات المشبوهة و المغرضة.

قبيل وأثناء الغزو حصلت حوادث صغيرة متفرقة غريبة أججت ذلك العداء للسوفييت و دول حلف وارشو استغلتها وسائل الاعلام الغربية وإلاعلاميون المحليون الذين كانوا يفتقدون الى المهارة في فبركة الاخبار و فن الخداع وذلك من خلال تضخيمها و عكس حقائقها فساهمت بتأجيج المشاعر الوطنية الى حد الغليان. قبل اكتشاف أكاذيبها وأكتفي بذكر ثلاثة منها.
الحادثة الاولى وقعت قبيل الغزو بشهر واحد حيث. عثر على جثتي فتاتين وعليهما آثار طعن متعددة في منطقة قريبة من قاعدة سوفياتية في ضاحية تقع خارج مدينة براغ، وهي حادثة نادرة الحصول فتصدرت وسائل الاعلام الخبر وأذاعته محطة اوربا الحرة باللغة التشيكيةكخبر أول واتهم بها افراد من تلك القاعدة بدون اي تفسير سوى ترجيح مشاهدة تلك الفتاتين لحركات غير عادية تجريها قوات سوفياتية و كأن تلك القاعدة يقطنها أشباح وليس جنودا وقوات عسكرية معروفة لسكان المناطق القريبة. وبعد التحقيق الذي اشترك فيه محققون تشيك و سوفييت تبين ان الفتاتين كانتا في ليلة الحادثة برفقة سواح ألمان اختفوا في نفس ليلة الحادث.

الحادثة الثانية قصة رجل يبلغ من العمر 91 عاما في براتسلافا ادعى المقاومون ان سائق دبابة سوفياتية دهسه عمدا ومشت الدبابة فوق جثته وفِي مصدر آخر ذكر بان الدبابة سلوفاكية. ترى لماذا يختار سائق دبابة سوفياتي رجلا تسعينيا لن يصدق احدا أنه كان يقاوم القوات الغازية؟ لماذا لم تطلق طلقة واحدة على شباب كانوا يعترضون تلك الدبابات بصدور عارية وقسم منهم كان مسلحا بسلاح ابيض؟ بل انهم لم يردوا حتى على المحتجين الذين اضرموا النيران في بعض من دباباتهم ( الصورة)

الحادثة الثالثة حصلت يعد الغزو حيث خرج متظاهرون يحتفلون بفوز الفريق التشيكي على الفريق السوفييتي بمسابقة الهوكي على الجليد في وسط براغ في شارع الفاسلافاك قرب ساحة المتحف، اقتربت التظاهرة من شركة خطوط الايروفلوت السوفيتية وفجأة شب حريق ضخم في الشركة فجاءت الشرطة واعتقلت عددا من المتظاهرين الذين اشتبهوا بتورطهم فخرجت الصحف تتهم الشرطة السرية بانها هي التي أشعلت الحريق من اجل قمع المتظاهرين و كعادتها اتهمت محطة اوربا الحرة الشرطة التشيكية ايضا ونددت بالتنكيل بالمتظاهرين.

حادثة أخرى تستحق الذكر لم يتمكنوا من قلب حقائقها لذلك لا توجد اليها اي اشارة في منشورات و أبحاث المعادين للنظام الاشتراكي لانها على عكس ماتهدف اليه أبواق الدعاية الغربية و ذيولها، وقعت في منطقة مورافيا سمعتها لأول مرة من شقيقي الذي كان يعمل طبيبا متدربا في احدى مستشفيات براغ خلال سنة الغزو السوفييتي ومن اصدقائي البروفيسور فيروفيتش والدكتور بدناش و كلاهما كانا من مؤيدي حركة ربيع براغ وطالبة كاثوليكية متدينة من تلك المنطقة كان عمرها ست سنوات ومنذ أيام قليلة أكدتها الاستاذة رينا سيفاجئ 
Rena Shivagi
و التي كانت تعيش في تشيكوسلوفاكيا ايضا خلال فترة الغزو. تتلخص الحادثة بانه في احدى المناطق الجبلية في منطقة مورافيا كانت دبابة سوفياتية تصعد منحدرا مجاورا لاحد الوديان وما ان وصلت الى اعلى الطريق فوجىء قائد الدبابة بطفل صغير أمامه مباشرة فما كان منه الا ان يختار الانحراف من الطريق ليسقط هو و دبابته في الوادي مضحيا بحياته من اجل إنقاذ ذلك الطفل.

استمرت الاكاذيب حتى بعد سقوط النظام الاشتراكي في أوائل التسعينيات و الى وقتنا الراهن و سأقوم بسرد احداث ومشاهدات أخرى فيما تبقى من الأجزاء. في الجزء القادم هو لمرحلة التطبيع بعد غزو حلف وارشو.
الرابط في التعليق الثاني للتقرير المقدم الى المؤتمر الرابع عشر للحزب سنة ١٩٦٩.
شكرا لمتابعتكم و تعليقاتكم.