بين زمنين: تجربة الحياة في براغ في طل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي /ج17

Submitted on Fri, 01/18/2019 - 14:10

د.زياد العاني

بقي دوبتشيك سكرتيرا عاما للجنة المركزية بعد تعهده للسوفيات بالحد من تلك الاجراءات وتقييد الاعلام وتعهد بالالتزام بسياسة حلف وارشو ولكنه أزيح من قيادة الحزب في نيسان سنة 1969 بعد المظاهرات التي اعقبت فوز فريق الهوكي التشيكي على نظيره السوفييتي وحرق شركة الطيران السوفيتية ايروفلوت التي ذكرنا تفاصيلها سابقا، قمعت تلك المظاهرات بشدة باوامر من دوبتشيك نفسه، وعين سفيرا لدى تركيا ومن ثم اختار ان يرجع الى موطنه سلوفاكيا وعمل لفترة طويلة كموظف في مديرية الغابات الى وقت حصول التغيير حيث اصبح رئيسا للبرلمان الى سنة 1992 أسس بعدها الحزب الاشتراكي الديمقراطي في سلوفاكيا ولكنه توفي بعد ذلك بفترة قليلة.

انتخب غوستاف هوساك سكرتيرا للجنة المركزية. كان هوساك محامياوهو من سلوفاكيا ايضا، وكان معتقلا لستة سنوات خلال الحقبة الستالينية. كان محسوبا على الاصلاحيين ولكنه لم يكن موافقا على الانفتاح الشامل الذي انتهجه دوبتشك مع أنه كان نائبا لرئيس الوزراء خلال فترة دوبتشك فانحاز الى الخط المحافظ و لكنه بقي ملتزما بخط متوازن و بدأ مرحلة تسمى مرحلة التطبيع وإعادة النظر بالإجراءات الإصلاحية التي اتخذت قبيل الغزو وتم إلغاء القوانين الخاصة بحرية الاعلام وارجاع العمل بالرقابة على الصحف والمطابع و محطات الإذاعة و التلفزيون.

وفِي الجانبين الاقتصادي والاجتماعي تم توسيع دعم الرعاية الاجتماعية والصحة والإسكان و تحسين رواتب العمال و الموظفين ودعم صناديق التقاعد وتخويل المؤسسات الرسمية الى نوع من الادارة الذاتية تحت إشراف مركزي، وتشكيل نقابات واتحادات وتعاونيات في تلك المؤسسات ممولة من قبل الدولة تتولى هي رعاية شؤون منتسبيها. ولكن كان ذلك على حساب تطوير قطاعات اخرى في التصنيع و التكنولوجيا حيث شهدت هذه المرحلة ارتفاعا ملحوظا في مستويات المعيشة و الرفاهية النسبية مقابل تضييق حرية الاعلام و السفر. و بطء في النمو الاقتصادي.

استمر العداء الشعبي للسوفيات بموازاة استمرار الدعاية الإعلامية الغربية الشرسة و محطة اوربا الحرة. اذكر اننا في سنة ١٩٨٦ كنّا في سفرة رتبتها لنا الجامعة الى سلوفاكيا لبضعة ايام و توقفنا في مدينة صغيرة لتناول العشاء في احد المطاعم وكانت هناك مباراة كرة قدم ضمن تصفيات كأس العالم بين فريقي الاتحاد السوفييتي و بلجيكا ( على الاغلب) فازت فيها بلجيكا بعدد من الأهداف. كنّا نسمع التصفيق الحار و علامات الابتهاج من قبل رواد المطعم المتجمعين حول الشاشة كلما ادخلت بلجيكا هدفا و كأن الفريق التشيكي هو الذي كان يلعب بالمباراة.

خذ مثلا آخر حول مبالغة الدعاية الإعلامية الغربية في الارقام المنشورة حول عدد المعتقلين من الناشطين بعد الغزو السوفييتي و الذين لم يطلق سراحهم حيث وضعت تلك الوسائل الإعلامية الاعداد بما يزيد عن الألف في حين ان العدد الحقيقي كان بالعشرات. 
في سنة ١٩٧٤ أصدرت جمعية المحامين التشيك بيانا تستنكر فيه ممارسات النظام الدكتاتوري في تشيلي باغتيال الآلاف من المواطنين التشيليين و اعتقال عشرات الآلاف من بينهم مئات من القضاة و المحامين وتدين فيه الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان. و ردا على البيان نشر عالم اللسانيات الامريكي الشهير نعوم تشوميسكي وكان في بداية بزوغ نجمه كمفكر أمريكي ليبرالي يساري رسالة مفتوحة في مجلة التايمزالى جمعية المحامين التشيك مرحبا بموقفهم من اعتقال زملائهم في تشيلي وانتهاكات حقوق الانسان ولكنه طالبهم بان يعملوا لدى سلطات بلدهم من اجل إطلاق سراح 30 معتقل رأي من بينهم أكاديميين عمل قسم منهم معه في معهد ماسوشيست للتكنولوجيا لاحظوا الرقم الذي ذكره تشوميسكي و الآلاف التي تصر عليها وسائل الاعلام الغربية . وهذا لايعني عدم استنكار استمرار اعتقال ذلك العدد وتقديمهم الى محاكمات صوريةبغض النظر عن ضلوع البعض منهم في اعمال مضادة من وجهة نظر السلطات التشيكية آنذاك.

قبيل التغيير بقليل في نهاية ١٩٨٩ اجريت استفتاءات عامة لأخذ الرأي حول الخيارات التي يفضلها التشيك بخصوص التحولات السياسية و الاقتصادية فكانت خلاصة النتائج : 41 بالمائة فضلوا الإبقاء على النظام الاشتراكي و 52 بالمائة على طريق وسط يبقي المكتسبات الاجتماعية التي حصلت خلال الحكم الاشتراكي ولكن بإعطاء بعض الحريات و 3 بالمائة فقط فضلوا التطور الرأسمالي و اربعة بالمائة لا فرق لديهم. سنتطرق في الجزء القادم الى استطلاعات الرأي العام التي تلت التغيير نحو التطور الرأسمالي شكرا لمتابعتكم.

 رابط لمقالة مطولة توجد فيها نتائج لاستطلاعات الرأي.

https://hrcak.srce.hr/.../nu/article/download/2235/1376

و في الثاني رابط لنص رسالة تشوميسكي

https://journals.sagepub.com/.../10.1080/03064227508532406