النفط العراقي ينجو من مؤامرة عصابة الخمسة

عصابة الخمسة

صائب خليل

لو أن الشعب العراقي يختار أهم انتصاراته ليكون عيداً وطنياً له، فربما يكون هذا اليوم 23 كانون الثاني 2019 يوماً مرشحاً لذلك!

لقد نجى الشعب تواً من أعتى مؤامرة على نفطه منذ اكثر من نصف قرن! واعني بها مؤامرة ما يسمى زيفاً بـ "قانون شركة النفط الوطنية العراقية"!

وملخص فكرة القانون – المؤامرة، ان يتم تمليك النفط العراقي إلى "شركة" حكومية – مستقلة. وان تعطى هذه "الشركة" صلاحيات مهولة لم يسمع بها من قبل: فيتم تمليكها كل الثروة النفطية العراقية التي تستخرجها، وعلى الحكومة أن تتفاوض معها لتعرف كم ستمنح الشركة الحكومة من اجل موازنتها السنوية! أن تكون معفية من الكثير من القوانين العراقية المختلفة، أن يعامل موظفوها وعمالها بشكل مختلف عن بقية العراقيين، وأن تقوم بنفسها بتخصيص جزء من الثروة لصناديق مختلفة (تبين انها رشوة لا قيمة لها) وأن تكون لها استقلالية عالية في قراراتها عن تخطيط الدولة وأن يحق لها تملك العقارات والممتلكات التي تمتلكها وزارات أخرى دون ان تضطر لدفع قيمتها وأن يحق لها أن تعقد عقود القروض من الخارج ومن خلال البنك المركزي. وان يكون رئيسها برتبة وزير ونائبه برتبة مدير عام. وان يحصر بها استخراج النفط وخزنه وبيعه (عدا كردستان، التي يكون لها ممثل في مجلس الإدارة رغم عدم شمول نفطها بالقانون) الخ من المواد الغريبة المثيرة للريبة.

 

قاد المؤامرة كل من رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي وكان عرابها ومصممها الأساسي، إضافة الى د. إبراهيم بحر العلوم، والنائب السابق عدنان الجنابي وتبين لاحقاً ان الوزير السابق جبار لعيبي كان ضمن الفريق، وأخيراً وليس آخراً "السوبر ناشط" مصطفى جبار سند، الذي لا يعلم إلا الله من الذي مكنه من اختراق المنطقة الخضراء، وأتاح له دخول مجلس النواب كل يوم والمرابطة فيه، هو وفريق من اتباعه اطلقوا على انفسهم اسم "القوة المجتمعية"، ليقود حملة اقناع للنواب الذين لا يفقهون شيئا في النفط، إضافة الى حملة ضغط وإعلام ضخمة موجهة الى كل القوى السياسية والدينية والاجتماعية في العراق. ومن الجدير بالذكر ان لمعظم المتآمرين كبارا وصغاراً، جذور في وكر الفساد الأكبر في العراق، المجلس الأعلى، والذي فرخ لنا عادل عبد المهدي ضمن ما فرخ من كوارث.

 

رغم الحملة الإعلامية الشرسة، إلا ان نص القانون بقي مخفياً عن اعين خبراء النفط. فالحملة كانت تقام على أساس أنه "قانون شركة النفط الوطنية" الذي قدمته الوزارة. لكن الحقيقة هي ان عادل عبد المهدي (أومن وراءه، فهو لا يفقه شيئا في النفط)، بتغيير القانون حتى لم يبق فيه شيء، سوى اسمه، الضروري للحملة الإعلامية.

وقام كل من عدنان الجنابي وإبراهيم بحر العلوم كل بدوره المشبوه داخل البرلمان وخارجه. وكتب كل منهما العديد من المقالات التي تشيد بالقانون وتبرره بمختلف الألاعيب البعيدة عن كل منطق وكل فهم لأسس الاقتصاد والتجارة والنفط. وكشف جبار لعيبي نفسه حين أيد القانون مشيداً به، بدلا من الاحتجاج على القانون الذي قدمته وزارته! ثم كشف نفسه بعد ذلك باستعجال تعيين مجلس إدارة الشركة فور تعيينه رئيساً لها كأنه كان يخشى أن يفقد الفرصة، وبطريقة تكشف التخبط الشديد، اضطر بعدها بأيام الى سحب قراره!

 

ليس من المستبعد ابداً ان يكون تنفيذ هذه المؤامرة، ضمن أسباب اختيار عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة الحالية. فالقضية كبيرة جداً وتهم الشركات النفطية الكبرى. وقد كان عبد المهدي مهندس المؤامرة وقائدها "الروحي" والأدبي. وخاض حرباً إعلامية شعواء للترويج للقانون بحجة محاربة "الاقتصاد الريعي". وكان كلامه فارغاً تماما، فكما بين بعض السادة المتصدين له مثل فؤاد الأمير، أن قانون شركة النفط الوطنية يزيد اعتماد الشعب على الريع ولا يقلله! وادعى أن الشركة تهدف الى "تقليل الروتين"، في الوقت الذي يمكن للمرء أن يتخيل كمية الروتين التي تضيفها هذه المؤسسة الهائلة على كل الحكومة وليس على وزارة النفط وحدها، حيث ينافس رئيس الشركة وزير النفط في صلاحيته، بل يزيد عليها ويزيد في بعض النقاط حتى عن رئيس مجلس الوزراء المنتخب، واضعا الحكومة كلها في حالة تضارب مسؤوليات وصلاحيات كبيرة جدا.

لم تكن حجة التخلص من الريع وحجة تقليل الروتين هي الحجتان الكاذبتان الوحيدتان، فكل الأفضليات التي قدمت لتبرير الشركة تبين انها كاذبة، حتى الرشوة التي أرادوا بها خداع الشعب تحت شعار "للشعب حق في ثروته النفطية" تبين انها كذبة كبيرة، وما ان تخضع للحسابات والأرقام حتى تفتضح حقيقتها. وعندها سيتبين أن الوعد الذي قدمته هذه العصابة للناس (ولا شك انهم خدعوا به النواب أيضا) بما يسمى بـ "صندوق المواطن" الذي "سيقلل الفقر" في العراق للجميع، تبين أنه لن يزيد عن 40 دولاراً للمواطن في العام الواحد! هذا اذا تم توزيعه بأمانة بالفعل!

والغريب ان هناك جهات غير معلومة نشرت فيديوات تغالط الحسابات لتثبت انه يمكن للشعب ان يصبح ثريا كله باقتطاع ربع دولار فقط من سعر كل برميل وتوزيعه على المواطنين، وسنعود لهذا الفيديو في نشرة قادمة.

 

لكن الدعوى نجحت وبوركت بالموفقية الكاملة، حيث كانت النقاط المطعون بها غير قابلة للنقض، وسارع افراد العصابة لتقديم بعض التراجعات ليهربوا من مسؤولية القانون كما تهرب الفئران من السفينة الغارقة.

فاعترف عبد المهدي بتفاهة مردود "صندوق المواطن" والذي كان العمود الأساسي للحملة الإعلامية للمؤامرة، وقال ان المبلغ لا يصلح إلا كإضافة إلى المخصصات الاجتماعية لإنقاذ العوائل الأشد فقراً، وليس الشعب كله. الجنابي الذي حصل على جائزة صاحب افضل انجاز نفطي، من مكتب اجنبي مشبوه، ودون ذكر "الإنجاز" الذي قام به بالتحديد، تحدث عن تغيير القانون لإصلاحه، وكتب بحر العلوم يعترف بأن القانون كتب على عجل وانه يجب تغيير الكثير من نقاطه قبل ان يصبح صالحا، لكنه كتب مطالباً قبل بضعة أسابيع بالتعجيل بتنفيذه!!

من الذي حقق هذا النصر الكبير للشعب العراقي؟ إنهم الأستاذ أحمد موسى جياد الذي انتبه قبل غيره الى القانون الخطير وسارع للكتابة للتحذير منه، وعلى إثر ذلك كتب عدد من خبراء النفط آراءهم المحذرة من الكارثة، وسارت الاخبار بسرعة كبيرة عن المؤامرة بمساعدة الناشطين من الكتاب. ثم جاءت الخطوة الحاسمة حين تقدم الأستاذ فؤاد الأمير والأستاذ ماجد علاوي بدعوى قضائية للطعن في القانون عند المحكمة الاتحادية (ولم يتمكن الأستاذ جياد مشاركتهما ذلك لصعوبة كونه خارج العراق)، وتحملا التكاليف الباهظة للدعوى، دون ان يكون هناك ما يضمن نجاحها في بلد أبعد ما يكون عن احترام القانون والدستور. لا ننسى أيضا الموقف الشريف للأستاذ حمزة الجواهري الذي استدعي خبيراً من قبل المحكمة، فكشف حقيقة القانون مؤيداً كل ما جاء في الدعوى من طعون، فألف تحية منا لهم جميعا، ولكل من وقف معهم. حقاً أن العراق مليء بالشرفاء، لكن هناك من يدفعهم بعيداً عن قيادة البلد ليأتي بمن يناسب اجندته التدميرية وينشر الفساد!

 

سوف نكتب مقالة لاحقة توجز وتبسط نقاط الطعن التي قبلت بها المحكمة، ثم مقالة ثالثة عن نوعية المخاطر التي كانت في المؤامرة، وما يجب ان نستنتجه مما جرى، وما الذي يفترض بنا ان نفعله لنمنع المؤامرات القادمة بلا شك، لعل البلد يصل الى بر الأمان يوما.

هذا للأيام القادمة، أما اليوم فهو يوم احتفال عراقي حقيقي، لمن يعلم، فقد افلت الوطن بأعجوبة من كارثة كبرى!