تجربة الحياة في براغ في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي/ج18

Submitted on Fri, 01/25/2019 - 03:02

د.زياد العاني
بعد التغيير - احصائيات تفند الاكاذيب
في مقولة نسبت للاديب و الشاعر الداغستاني الشهير رسول حمزاتوف خلال مقابلة له في نهاية التسعينيات قال فيها" دخلت روسيا ما يسمى أقتصاد السوق و صارت الطماطة أغلى من البشر و صار بالامكان شراء كل شيء كالضمير و الموهبة و الجمال و الارض. صار كل شيء سلعة، و تبدلت المواقف. يمكن للمرء أن يبدل قبعته، لكن لايمكن لرجل شريف أن يبدل رأسه".
هذه المقولة تنطبق على ماحصل في تشيكوسلوفاكيا و فق مبدأ أيدولوجية الجدارة التي يعتمدها النيوليبراليون.

تطرقنا في الجزء السابق الى الاستفتاءات في نهاية 1989 قبيل سقوط النظام الاشتراكي و جاء فيها أن 41 بالمائة فضلوا الإبقاء على النظام الاشتراكي و 52 بالمائة على طريق وسط يبقي المكتسبات الاجتماعية التي حصلت خلال الحكم الاشتراكي ولكن بإعطاء بعض الحريات و 3 بالمائة فقط فضلوا التطور الرأسمالي و اربعة بالمائة لا فرق لديهم. و في جزء سابق تطرقنا الى بيع القطاع العام و الصناعات التشيكية العريقة مثل الجلود و الاحذية و شركة سكودا للسيارات و معظم مصانع الزجاج وتم في السنوات الثلاثة الاولى بيع 100000 شركة و مؤسسة حكومية الى شركات أوربية غربية و أمريكية و رجال أعمال استغلوا رخص العمالة و سرحوا عشرات الآلاف من العمال ومن تبقى منهم كان يعمل بأجور متدنية الى درجة دفعت أحد رجال الاعمال التشيك الى القول "تحولنا الى عبيد للشركات الاحتكارية الغربية".

بعد عشر سنوات من التحول نحو الرأسمالية أراد المنظرون الاقتصاديون الجدد انهاء دولة الرعاية الاجتماعية (Welfare State) ( التي ميزت الحقبة الاشتراكية وفق مبدأ المساواة (Egalitarianism) والذي يقوم على أساس أن جميع المواطنين متساوون ولهم فرص متكافئة في الحياة بغض النظر عن امكانيتهم المادية و الفكرية، و استبداله بمبدأ الجدارة ( (Meritocracy و الذي يعني حرمان الطبقة الفقيرة و ذوي الكفاءات المتدنية من التمتع بقوانين الرعاية الاجتماعية .

أستشرى الفساد و أصبح ظاهرة عامة تتكلم عنها الصحافة و وسائل الاعلام و تتصدر نقاشات الرأي العام في التجمعات و المقاهي و ظهرت طبقة من الاغنياء بشكل مفاجيء. في استفتاء لمعهد أبحاث الرأي العام الحكومي في سنتي 98 و 99 أجاب أكثر من 50% بأن سياسة الرعاية الاجتماعية تدهورت و أن نفقات الحكومة كانت واطئة جدا و 10 % قالوا تحسنت و 4% أعتبروها عالية نسبيا و 30% لم يعطوا رأيهم. 
تدهورت الرعاية الصحية بعدما أطلق العنان لشركات التأمين التي طالبت المواطنين بالمشاركة في دفع جزء من تكاليف الرعاية الصحية و ووصفت لجنة هلسنكي لحقوق الانسان سنة 2013 هذه السياسة بأنها ترسل الغير القادرين على الدفع الى الموت المبكر. و أعربت تلك اللجنة عن قلقها من تدهور حقوق الانسان بسبب تدهور الرعاية الصحية و اضطهاد الاقلية الرومانية. و ذكر أيضا أن معدلات الانتحار تضاعفت بين سنتي 2012 و 2013 ووصف تلك التحولات بالمتوحشة.

بموازاة هذا التدهورأستمرت حملات الدعاية ضد الشيوعية و الاشتراكية محذرة الرأي العام من عودة النظام الاشتراكي و الدكتاتورية " الستالينية" اذا لم يعطوا الوقت الكافي للتطور الرأسمالي من أجل قطف ثماره وأتخذت تلك الدعاية شكلا هستيريا خلال انتخابات سنة 2013 و أرتفعت لافتات و ملصقات في الاماكن العامة و محطات أنفاق المترو تحمل صورا لسياسيين سابقين تصفهم بالمجرمين و العار على المجتمع التشيكي الذين لطخوا سمعة بلدهم و كان جميع أولئك من رجال الفترة الستالينية و ليس لهم علاقة بما حصل بعدها. الستالينية بقيت ملتصقة بالانظمة الاشتراكية على الرغم من ادانة تلك الفترة و بشكل رسمي من قبل من حكموا بعد تلك المرحلة منذ أواسط الخمسينيات. كانت أبواق الدعاية موجهة الى جيل الشباب الذين لم يعاصروا تلك الفترة لغرض تحذيرهم و اخافتهم من أمكانية عودتها لو تمكن الاشتراكيون و الشيوعيون من العودة الى السلطة.

و لكن الاكاذيب حول جنة التحول الى الرأسمالية أصبحت واضحة للعيان، فعلى عكس الفقراء و الطبقة العاملة في أوربا الغربية الرأسمالية التي تتمتع ببعض الحقوق ، أصبح الوضع بالنسبة لهذه الطبقات في التشيك يزداد سوءا و في تدهور مستمر، و بدأت الافكار الثورية بالعودة و أخذت وتيرتها ترتفع بسرعة و سط تلويح الاشتركيين الديمقراطيين بالتحالف مع الشيوعيين في تشكيل حكومة أغلبية يسارية. وفي تلك الانتخابات حصل الحزب الشيوعي على 33 مقعدا (عدد اعضاء البرلمان الكلي 200 عضو) . في شهر مايس من العام الماضي صوت البرلمان التشيكي على الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل بأغلبية 112 صوت مع القرار مقابل 44 صوت معترض من مجموع الحاضرين صوت جميع النواب الشيوعيين الحاضرين ضد القرار.
في الجزء القادم نعرض لاهم التحولات الاجتماعية والاجابة عن السؤال المحير: هل فشلت الاشتراكية أم أن ما فشل هو تطبيق الاشتراكية ؟
الصورة لمبنى البرلمان التشيكي

الرابط أدناه لمقالة يوجد فيها بعض احصائيات معهد أبحاث الرأي العام الحكومي

https://hrcak.srce.hr/ojs/index.php/nu/article/view/2235?fbclid=IwAR0jFr5KLYp9MzBt-rZCvOXyTdA0gRlyNowaYQurOLMtsjk9CYK218C4XKI