تجربة الحياة في براغ في ظل النظامين الاشتراكي و الرأسمالي/ج19:تزييف التأريخ : أكاذيب متحف الشيوعية

Submitted on Thu, 01/31/2019 - 21:50

د.زياد العاني

من بين جميع المتاحف التي تتميز بها مدينة براغ والتي تعكس تأريخا حقيقيا وتراثا زاخرا و ثقافة أدبية و فنية و معمارية مدهشة ينفرد المتحف المسمى بمتحف الشيوعية ليسجل أكاذيب و دعاية غربية مفصلة أمريكيا. و لاعجب في ذلك فمن موّل انشائه هو رجل أعمال أمريكي أسمه ماكلين سبيكير يتاجر بالتحف الفنية و الصور ولازال يحصل على قسم من أرباح المتحف . أنشيء في عام 2001 كمتحف صغير في طابق ثان لبناية صغيرة يحتل مطعم ماكدونالد طابقها الاول و في البناية كازينو لعب و كأن اختيار الموقع كان مقصودا لتذكير التشيك بما كانوا محرومين منه أيام الاشتراكية، ثم نقل سنة 2016 الى مكان أوسع منفصل فيه حدائق و مطاعم و محلات لبيع التحف و التذكارات وجميع المطبوعات الخاصة بمرحلة الشيوعية التي نشرت بعد التغيير. يوجد فيه القليل من التماثيل و المنحوتات و الكثير من الملصقات المعلقة على الحيطان و نماذج غرافيك ومعارض صور وبوسترات تحتاج على الاقل ثلاث ساعات لاكمال قرائتها بالتشيكية أو الانجليزية. يقسم المتحف الى ثلاثة أجنحة هي الحلم ، الواقع، و الكابوس ومن أسمائها يمكن معرفة ما يوجد في داخلها.

تذهب الى قسم الواقع تجد نموذجا يصور محل بقالة صغير لاتتجاوز مساحته 3 أمتار مربعة فيه معلبات غذائية من نوعين فقط ورفوف شبه خالية و لوحة مكتوب عليها " نأسف لايوجد لدينا مسحوق غسيل صحون ولكن لدينامواد غسيل دماغ" . غرفة جلوس ومكتب بأثاث قديم و مقاعد مهترئة تتوسطها طاولة تتكدس فوقها صحف مطبوعة على ورق رديء وكتب قديمة و أكواب قهوة وساعة منضدية قديمة وبجوارها دراجة هوائية معلق عليها حذاء رياضة و شماعة ملابس و راديو موديل قديم سوفييتي الصنع، وستارة تفصل الغرفة عن مكان ضيق محشور فيه سرير نوم وخارج الغرفة دورة مياه مشتركة يوجد فيها قصائص من صحيفة الحزب الشيوعي "رودي برافو موضوعة بدلا من ورق التواليت و ملاحظة مكتوب عليها اعتذار لعدم توفر ورق التواليت.

تمشي قليلا فتجد في الممرات صندوقا خشبيا بشكل كابينةمكتوب عليها تلفون عمومي و فيه تلفون مكتوب عليه ملاحظة " لايعمل" ثم تقرأ لوحة ملصقة على الصندوق تقول بغباء واضح " في زمن الحكم الشيوعي لم يكن الشخص التشيكي العادي يمتلك جوالا" ويستدرك الكاتب و يقول "في كل الاحوال لم يكن قدتم انتشار الهاتف الجوال عالميا آنذاك ولكن كان الحصول على خط هاتف نادر جدا و الوسيلة الوحيدة للاتصال هي الهواتف العمومية التي لا تعمل معظم الاحيان و ان كان القليل منها يعمل فعليك التحلي بالصبر حتى يأتيك الدور" و التلفونات الارضية فقط لدوائر الدولة". هذا الكلام لا صحة له اطلاقا كان لدي في شقتي تلفون و في مختبري تلفون وجميع أصدقائي التشيك و غيرهم لديهم تلفونات و كانت المكالمات الداخلية مجانية ومن صندوق الهاتف شبه مجانية ولم أواجه صعوبة في الاتصال الدولي يوما ولكنها كانت أرخص اذا كانت من الهواتف العمومية.

يوجد في جناح الواقع صف دراسي وعدد قليل من الطاولات (رحلات دراسية) مغطاة بكتب الماركسية و الاشتراكية فقط و سبورة مكتوب عليها شعارات شيوعية ومقولة للينين و دمية تجسد فتاة قصيرة تلبس ربطة حمراء و تضع شعار النجمة الحمراء ولا تستطيع أن تقرر ان كانت هذه طالبة أم معلمة.
يطالعك بوستر لجسر تشارلس على نهر الفلتافا شبه خالي من المشاة و منظر كئيب يصور النهر ملوثا و تطفو عليه أوساخ و أوراق و مخلفات و أكياس و يقارنه بصورة أخرى مبهجة تجسد واقعه حاليا ممتلئا بالسواح و النهر نظيف خالي من الاوساخ و القاذورات ويكتب البوستر تعليقا " في زمن الشيوعية كان عدد السواح قليلا بحيث تبدو براغ و كأنها مدينة أشباح والنهر كان ملوثا و ضفتيه تبدو و كأنها مكبات نفايات" باعتقادي أنه تم تزوير التواريخ على تلك الملصقات كي تبدو معكوسة . ففي سنة 1986 كان أحد أصدقائي المدخنين يجلس على مقعد على مسافة قصيرة من ضفة النهر و رمى عقب سيكارته فوقعت على الارض قريبا من حافة النهر و كانت احدى مفتشات البلدية مارة من هناك بالصدفة فتوجهت اليه و عنفته و طلبت منه أن ينزل و يلتقطها و يرميها في منفضة مثبتة على بعد مترين من مقعده.

في سنة 2009 و ضع تقرير أوربي عدد الذين قضوا بسبب التلوث بأكثر من 2000 حالة انخفضت الى 1600 حالة سنة 2014 و 1000 حالة سنة 2018 بعد ضغوط من الاتحاد الاوربي. في سنة 2014 نشر تقرير أعدته لجنة بيئية حكومية يشير الى تدهور بيئي في الهواء و الماء (رابطه في أول تعليق) كذلك نشر تقرير في 2017 عنوانه " الفضلات تغطي ضفاف الفلتافا" (رابطه في ثاني تعليق) في حين يقول لك متحف الشيوعية أن النظام الاشتراكي دمر البيئة بسبب الصناعات الثقيلة و التكنولوجيا القديمة.

وأنا في المتحف التقيت صدفة بأحد السواح من أمريكا اللاتينية مقيم في ألمانيا كان ينزل في نفس الفندق الذي نزلت فيه و كنت قد تحدثت معه مرة في صالة استقبال الفندق، فمشينا سوية في أحد أجنحة المتحف ولدى خروجنا قال لي " أنا لا أحب الشيوعية ولكنني زرت براغ ثلاث مرات خلال الحكم الشيوعي لانني أحب المدينة و اليوم يصور لنا هذا المتحف و كأنه لم تكن هناك حياة في هذا البلد". المتحف يغطي الحقبة الشيوعية بأكملها ولكنك لا تجد منجزا واحدا مجسدا حققته الاشتراكية في نظام الصحة و التعليم و الصناعة و المواصلات و غيرها. خذ مثلا أن شبكة مترو براغ التي تأسست في سنة 1974 هي واحدة من بين أفضل و أكفأ شبكات المترو في أوربا و أجملها هندسة و ديكورا بعد شبكة مترو موسكو. كان المترو بالنسبة لي هو متعة لاتضاهيها متعة ففي كل محطة تجد شيئا مميزا من ديكور أو محلات قهوة صغيرة أو أكشاك بيع الكتب و المجلات و قسم منها يبدو وكأنه متحف. في خريف 1985 كنت هناك عندما افتتح الخط الثالث ويتضمن محطة فيها أطول سلم كهربائي (اسكليتر) تحت الارض في أوربا وأجمل محطة تسمى (نامستي ميرو – ساحة السلام) فيها حركة مستمرة و نشاط دائم يشعرك بالراحة و أنت تتنقل بين السلالم و ما أن تصل الى أعلى السلم حيث تصل نقطة الخروج حتى ترى أمامك أكشاك تبيع المعجنات و الورود و القهوة و الفاكهة و بعض الاكلات الخفيفة و أمامها مقهى و مسرح "أوبسني دوم الشهير" (أحدى مقاهي الجواهري المفضلة). كان ذلك في عهد الحقبة الشيوعية ولكنها كانت غائبة من المتحف ولا تجد حتى صورة أو بوستر يجسدها. تجد دراجات هوائية و بخارية بائسة ولكنك لاتجد سيارة سكودا الشهيرة التي أشترتها شركة فولكس واكن .

الشيء الوحيد الصادق كان ملصقا صغيرا عليه صورة الرئيس الاول بعد التغيير فاسلاف هافل في جناح الحلم، الذي حققه التغيير، كان يتكلم عنه وعليه صورة بيته الريفي الواسع ويأتي ضمن السياق عن حياته في الملصق مقطعا صغيرا يقول" كمعظم أهالي براغ أيام الحكم الاشتراكي كان هافل يمتلك بيتا للعطلات في ضواحي مدينة براغ يقضي فيه العطلات في نهاية كل أسبوع وقد توفي في ذلك البيت". و قبل ذلك في جناح الواقع كانت حياة الناس العاديين ممثلة في شقة ضيقة بائسة بحمام مشترك مع الجيران". الاكاذيب مستمرة ولم تنتهي الى وقتنا الحالي خاصة بعد ما أثبتت التجربة أكذوبة جنة الرأسمالية. 
الصورة الاولى تجسد شقة بأثاث مهتريءكما هو في المتحف و الثانية بوستر عن أكاذيب الهاتف و الثالثة لواحدة من أجمل محطات المترو في براغ الذي تأسس في سنة 1974 و الذي لايأتي المتحف على ذكره.