قراءة بالأمر الديواني 70 والطريق الملغومة لمكافحة الفساد

Submitted on Wed, 02/13/2019 - 02:34

عامر القيسي

أصدر السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمراً ديوانياً بالرقم 70 قال عنه بأنه خارطة طريق لمحاربة الفساد من خلال المجلس الجديد الذي شكّله للغرض نفسه، وسنستعرض هذه الخارطة وحدودها وآليات اشتغالها كما في ال 70 محاولين الوصول الى وجهة نظر، فيما إذا كان السيد عبد المهدي يسير في الطريق الصحيحة أم إنه يعيد علينا المواويل القديمة بأصوات جديدة !

الفقرة الأولى من الأمر الديواني 70 للسيد عادل عبد المهدي يدعو فيها إلى: "الاسراع باكتمال المنظومة القانونية لمكافحة الفساد ودعوة مجلس النواب، ومجلس الدولة لاخذ ادوارهما ومسؤولياتهما بهذا الشأن، من خلال استكمال الاجراءات لإصدار القوانين المقتضية".. نص عائم وهلامي ودعوة لمؤسسات فاشلة بإمتياز بأن تصدر قوانين محاربة الفساد.. مجلس الدولة نائم كما الدولة ومجلس النواب فشل بإمتياز بتشريع ولو قانوناً واحداً بفصله التشريعي الأول..!

لقد أسمعت لو ناديت حيـًا ولكن لا حياة لمـن تنادي..

ولو نارٌ نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في الرماد..

لا أعتقدها بداية مشجعة لمحاربة الفساد، فيما تدعو الفقرة الثانية إلى: "الإلتزام الصارم بإفصاح المسؤولين المكلفين عن ممتلكاتهم، وخلال مدة لا تتجاوز اسبوعا واحدا".. هذا النداء لمن يوجه؟

يومان من النداء افلتا من الحساب هما الثلاثاء والجمعة وقد يلحق بهما السبت، فضلاً عن ان غالبية النواب على سبيل المثال يتمتعون باجازاتهم، هل سيقطعونها لتقديم "الافصاح" أم سينشغلون بها في وقت راحتهم الميمونة، الم يسأل السيد عادل نفسه، كيف يمكن لهؤلاء المساكين أن يحصروا ويعدوا ثرواتهم "مسؤولين ونواباً" خلال سبعة أيام؟!

حقيقة هذا تجني عليهم واحراج.. سلمولي على مجلس مكافحة افساد.. بينما الفقرة الثالثة الموجهة لمؤسسات الدولة تدعو إلى: "التزام الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة بوضع برامط (يقصد برامج) وخطط عمل لمدة ٩٠ يوما، لابرز الاولويات للمشاريع الخدمية والاعمار، وتتولى الاجهزة الرقابية مهمة المتابعة والرصد وتقييم البرامج والسياسات والخطط المذكورة، لتحديد المسؤوليات والادوار والمقصرية للوزارة او الجهة غير المرتبطة بوزارة ازاءها".

دعوة للالتزام بعمل وليس تحديد لمهمة محصورة بالمجلس وهي مكافحة الفساد وليس البحث عن مقصرية العمل أو التلكؤ وإن كان جزءً من الفساد.محاربة الفساد كما في نوعيته الموجودة في العراق لاينفع معها مثل هذه الهلاميات، كما إن الدعوة لمؤسسات غارقة في الفساد مثل ما تقول الاغنية العراقية لسعدون جابر "مثل اليلّم بالماي ويرد جفّه خالي".!

أما الفقرة الرابعة من الأمر الديواني 70 للسيد عادل عبد المهدي فتدعو إلى: "التزام الاجهزة الرقابية (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي ) بإستكمال متطلبات اعمالها سواء الاطار القانوني او المؤسساتي او العملياتي وتقييم ادائها واعادة مراجعة سياساتها وبرامجها بما يتناسب وحجم التحديات والمسؤوليات".

النص كما ترون يناشد هيئة نزاهة لم تقم بدورها على الوجه الأكمل وعليها مؤشرات تواطؤ ليس أقلها "دفن" الملفات الكبيرة في ادراجها لسنوات، المناشدة الثانية لديوان الرقابة المالي الاتحادي، وللإنصاف فقد أشّر هذا الديوان على ملامح فساد أثناء عمله دون ان يلتفت اليه أحد، إي إن عبد المهدي يناشد مؤسستين غير قادرتين على الاستجابة لمتطلبات حملة لمكافحة افساد من الطراز العراقي!!

والانكى انه يطالبها بـ"تقييم إدائها" و"مراجعة سياساتها".. هي نفسها بنفسها!!

الفقرة الخامسة موجهة لنا وتدعو الى: "الاسراع في اعداد المؤشر الوطني للنزاهة (قياس الفساد) ودعوة هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي الى انجاز المشروع خلال فترة مناسبة لقياس الاداء الحكومي ومساءلة ومحاسبة القادة والاداريين عما يفرزه المؤشر من مظاهر فساد في الوزارة او التشكيل".

يواصل عبد المهدي التعثر في نفس الاشكال بتكليف مؤسستي النزاهة والرقابة، لقياس الفساد في الإداء الحكومي، وبدبلوماسية أو تجنباً للمواجهة المبكرة (إن رغب بذلك ) يتحدث البند عن محاسبة " القادة والإداريين " بالمفهوم من المفردتين يعني محاسبة مدير عام وأقل، وإلا لقال بشجاعة محاسبة الوزراء والوكلاء ثم مادونهما لأن " الوحدة بآمرها" كما يقال !!

كان المفروض أن يسمي الأشياء باسمائها، الفقرة السادسة يدعو فيها السيد عادل إلى: "الزام الوزارات بالاشراف والتوجيه الميداني لمشاريعها وتحديد واقع تلك المشاريع والتغلب على العقبات ازاءها ورفع تقارير الى الجهات الرقابية".. يعيدنا هنا السيد عادل عبد المهدي الى الفقرة الثالثة بشأن المشاريع والمراقبة، مع إضافة رفع التقارير الى الجهات الرقابية دون تحديها أولاً ومع كل الملاحظات عليها ثانياً.

يعني محاولة محاربة الفساد بالأدوات نفسها وبالتفاصيل التي سيغرق بها، وكما يقال " الشيطان يكمن في التفاصيل " !!

الفقرة السابعة من الأمر الديواني تدعو إلى: "الاسراع في اعادة (ربما يقصد "إعداد") ستراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد تشترك فيها مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تكون شاملة عامة، واقعية،قابلة للقياس،وتتولى هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي مهمة اعدادها".

نفس المؤسستين لمهمة أخرى فوق مهامها.يعني كما يقول المثل الشعبي " جيب ليل وأخذ عتابة".. وبتقديري الشخصي، وأتمنى أن أكون مخطئاً، إن هذا الاعداد سيأكل البقية من عمر وزارته الناقصة أو المنقوصة أصلاً.

الفقرة الثامنة تترك فساد الداخل وتتوجه الى خارج هلامي وتدعو إلى: "تفعيل اجراءات استرداد الممتلكات العراقية المنهوبة في الخارج، وتقديم هيئة النزاهة الملفات المهمة للتواصل مع الدول المعنية لاجل استردادها".

للإنصاف فان هذه فقرة جيدة لكنها لا تمس جوهر الفساد في الداخل، كما أن استمرار تكليف هيئة النزاهة بكل هذه وتلك الفقرات، سينطبق عليها المثل الشعبي العراقي "لا حظت برجيلها ولا خذت ملا عبد الله"!!

الفقرة التاسعة فيها ومافيها من الوهم والاوهام والامنيات فتدعو الى: "تفعيل (من اين لك هذا) ودعوة البرلمان للاسراع بتشريع قانون الكسب غير المشروع".. فقرة جيدة وكانت مطلباً شعبيا ن لكن تسليمها بيد البرلمان سيجهضها ويدخلها في نفق مظلم لاتخرج منه إلا وهي فاقدة المحتوى. وينطبق على الفقرة مايقال بسخرية " سلّم البزون شحمه"!!

الفقرة العاشرة تدعو الاجهزة التي فشلت بمحاربة الفساد بمحاربته بروح "الفريق الواحد ": "دعوة الاجهزة الرقابية (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية الاتحادي) للعمل بروح الفريق الواحد في رصد ومتابعة وتقييم السياسات والبرامج الحكومية وتقديم الحلول والمقترحات بما يضمن التطبيق الامثل لمبادرات مكافحة الفساد في الوزارات وتشكيلات الدولة وتقييم تلك المبادرات).. إعادة وتكرار لفقرات سابقة وكأن الأفكار على فقرها قد نضبت.. ويبدو إنها مثل "خلالات العبد" كما في مثلنا الشعبي!!

الفقرة الحادية عشرة من الأمر الديواني 70 للسيد عادل عبد المهدي يدعو فيها إلى: "الالتزام الصارم باستقلالية وعمل القضاء وحظر اي تأثير او تدخل باعماله".. فقرة عامة وشاملة ومطلوبة سواء في قضايا الفساد أو غيرها نتمنى ان لاتكون "حبر على ورق"!

الفقرة الثانية عشرة والخاتمة تواصل مسلسل النقر في قربة فارغة: "دعوة الاجهزة الرقابية الى مراجعة وتقييم عمل مكاتب المفتشين العموميين بضوء الامر التشريعي رقم ٥٧ لسنة ٢٠٠٤، وتقديم دراسة بالنتائج مدة لا تتجاوز شهرا واحدا"..

الإصرار على المفتشين العموميين ومكاتبهم يعني "مكانك راوح".. أجزم إن أي دراسة لن تستنتج بضرورة إنهاء عمل المفتشين ومكاتبهم، هذه المؤسسة التي يشوبها الكثير من إشارات الفساد الكبيرة.. يعني خلاصة الموضوع.الرجل عبد المهدي لايريد الضرب تحت الحزام.. وابوكم الله يرحمه !!

وفي خاتمة الخاتمة يقول عبد المهدي ان "ما تقدم يمثل خارطة طريق على المستوى الآني وسنعلن عن خطتنا الستراتيجية من خلال المجلس الاعلى لمكافحة الفساد".. وحتى تأتي الستراتيجية ربما ستفرغ الخزينة مرّة اخرى كما في سابقاتها!!

العالم الجديد