عن الحشد والجيش وإيران وأميركا في العراق!

Submitted on Tue, 02/19/2019 - 10:16
مقاتل من الحشد الشعبي

علاء اللامي*

 إنَّ الدعوة إلى تقوية الحشد تعني أن الجيش ليس بخير، أو لا يراد له أن يكون بخير، أو أن هناك من يريد تحويل الطارئ إلى دائم وتأخير البدء ببناء دولة حقيقية مستقلة لها جيش حقيقي. إن الحشد حالة طارئة حتمتها ظروف انهيار الجيش الذي بناه المحتلون الأميركيون وسلحوه ودربوه في سنوات الاحتلال الأولى، وقد نجح الحشد الشعبي والعشائري في مهمته ببسالة منتسبيه الشجعان وبتضحياتهم الغالية، ولكن المهم هو إنهاء حالة الطوارئ بتقوية الجيش أولا، وكل من لا يريد تقوية الجيش لا يريد دولة مواطنة بل دولة مليشيات ومكونات طائفية متصارعة على الغنائم!

* بعض القوى والفصائل المسلحة الإسلامية الشيعية ذات العلاقة الملتبسة بالحشد وبالدولة عموما تريد جعل الحشد رديفا دائما للجيش، وهذه هي مرحلة أولى في استراتيجيتهم وقد نجحوا فيها بعد أن اطلقوا عليه صفات القداسة وأحاطوه بالخطوط الحمراء، والثانية هي أن يكون الحشد ومعه الفصائل بديلا للجيش، أو في الأقل شريكا ومنافسا في صفته الحصرية كمؤسسة أمنية وعسكرية وحيدة للدولة، تحمي السيادة الوحيدة، والاستقلال الوحيد.

*لا توجد دول فيها سيادتان واستقلالان وجيشان، فكيف بنا ودولة المكونات القادمة اليوم هي ناقصة السيادة أصلا وتابعة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وثقافيا لدولة الاحتلال؟

*ما يقال هنا حول الحشد الشعبي والعشائري يصح تماما على البيشمركة في الإقليم ويمكن أن تبدأ المرحلة الأولى في الحل الهادف إلى ترتيب وضع المؤسسة العسكرية بفصل الجيش عن القوى المسلحة الدستورية وغير الدستورية وبتحويلها الى حرس وطني في المحافظات كما في تجربة بعض الدول أو بدمجها في الجيش وفق ضوابط دقيقة وشفافة. هذا الحل يبقى رهنا بقيام نظام وطني ديموقراطي مستقل حقا وذي سيادة فعلا وقولا.

*هناك بعض الأصوات الوطنية تدافع عن الحشد ضد محاولات واشنطن تحجيمه وحتى ضربه وهذا الكلام ليس دقيقا فهدف أميركا ليس الحشد بل الفصائل المسلحة الشيعية على مقربة منه أو التي جعلت من نفسها جزء منه لفترة وتركت بينها وبينه مسافة حتمتها انتخابات. الدفاع عن الحشد القائم حاليا بوجه أية محاولة أجنبية لضربه وبوجود قوات أجنبية ترفض الخروج من العراق مهمة سليمة فالحشد "قوة دستورية" أما حدوث عدوان أميركي على الحشد أو حتى على الفصائل المسلحة القريبة منه فهو عدوان مرفوض يجب أن يتصدى له الجميع: الجيش والحشد والفصائل ولكن بقاء الحال على ماهو عليه الآن من فوضى واختلاط وتنافس وتصارع على النفوذ والمواقع فهو كارثة حقيقية تنذر بولادة كوارث أخرى مستقبلا! ويبقى حدوث صراعات مسلحة بين جيش وشرطة الدولة والفصائل الشيعية المسلحة موضوع آخر يدخل في بابا صراعات أهل النظام الداخلية بالدرجة الأولى، تدفع إليها السفارة الأميركية بالدرجة الثانية.

وهناك أصوات تكررمقولة (الجيش لأميركا والحشد لإيران) فهل هذه مقولة صحيحة ولماذا يروجها من يروجها؟ يتبع قريبا.

*إن مقولة  (الجيش لأميركا والحشد لإيران) التي تتكرر هذه الأيام بقوة وكثافة هي مقولة غير صحيحة بل هي كذبة تستغل واقع الهيمنة الإيرانية على أغلب القيادات الشيعية وتحاول المساواة بينها وبين الاحتلال الأميركي وتبعية النظام الكاملة وبجميع قياداته الشيعية والسنية والكردية  له. وهي غير صحيحة لأن الحشد ليس الفصائل الشيعية المسلحة، لا دستوريا ولا قيادة ولا تنظيميا دون إنكار وجود تداخل وغموض في العلاقة بينهما. إن من يكرر هذه المقولة هو إما مغرضٌ أو مخطئ، أما من يدعو الحشديين أو الفصائليين أو كليهما إلى مواجهة أميركا إذا رفضت سحب قواتها، ويجلس هو ليتفرج فهو أسوأ من الجاهل. لماذا؟ لأن الجيش ليس لأميركا، ولا يعني ولاء عدد من كبار الضباط لواشنطن أو علاقتهم بالدوائر الأميركية وحمل بعضهم لجوازات السفر الأميركية أو بطاقة اللإقامة "غرين كارت" أن الجيش بات لأميركا، وإذا كان الجيش مخترقا فالحشد مخترق أيضا، ولكنه قد يكون أقل اختراقا حتى الأن، ولكنه مخترق، والاختراق والفساد يتفاقم فيه، وفي العراق الكثير من قصص وفضائح الفساد والتجاوزات قد سجلت على الحشد لأنه مؤلف من بشر وليس من ملائكة كما يتصور "المقدسون له"، وهذا الفساد والاختراق سواء كان في الجيش أو الحشد ليس مستحيل العلاج ولكن ليست هناك رغبة ولا إرادة لدى قمة النظام لعلاجه لأن هذه القمة نفسها فاسدة وتابعة للخارج

*إنَّ هذا الخلط يسهله الغموض، وتفاقم من خطورته لعبة الصراع على النفوذ والغنائم. نعم، الغموض والتشوش واللبس موجود ويسود طبيعة العلاقة بين الحشد وقيادته والتي تبدو وكأنها مفروضة (سواء تعلق الأمر برئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أو نائبه أبو مهدي المهندس)، أو هي مستقلة تنظيميا وحركةً، رغم أنها تتبع إسميا ورسميا للقاد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. أعتقد أن من الضروي أن تكون العلاقة أكثر شفافية وخاضعة بشكل تام للقيادة العليا وهذا الغموض والتشوش يجب أن يزال وتعين قيادة مستقلة من كوادر الحشد التي لا علاقة لها لا بإيران ولا بأميركا والتي أبلت بلاء حسنا في معركة تطهير العراق من عصابات داعش.

*أما من يحاول أن يزج بالمرجعية العليا "السيستانية" خاصة في موضوع تقديس الحشد أو الفصائل والإتكاء على هذه المرجعية لتعضيد وجهات نظره يتناسى أن هذه المرجعية هي الطرف الوحيد الذي لم تستعمل قط اسم "الحشد الشعبي" حتى الآن وحتى في خطبتها العلنية بعد الانتصار على العصابات التكفيرية الداعشية بل استعملت عبارة "المتطوعون الشجعان". وفي آخر تصريح للمرجع السيستاني مع ممثلة الأمم المتحدة بلاسخارت قبل أيام، أيد المرجع علنا وللمرة الأولى (حصر السلاح بيد الحكومة والوقوف بوجه التصرفات الخارجة على القانون، ومنها عمليات الاغتيال والخطف، ومحاسبة فاعليها بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية)!

*أما دعاة التفرج والقائلون (إنَّ على الحشديين والفصائليين أن يصفوا حساباتهم مع أميركا بعيدا عنا)، تحت شعار "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين"  فهم مخطئون -إذا أحسنا الظن - ولكنهم خطرون أيضا، وسبق لهم أو لأمثالهم أن أطلقوا هذه الدعوة في ذروة  مواجهة الخطر الداعشي، وكأن ضحايا داعش ليسوا من العراقيين، وكأن خطر داعش يستهدف جزءا من العراق ويرحم جزءا آخر. المواجهة مع القوات الأميركية إذا حدثت فهي معركة تحرير عراقية 100%، لأنها كذلك فعلا، ولأنها تدور على أرض العراق بين عراقيين ومحتلين أميركيين وبناء على نتيجتها يتقرر مصير العراق برمته.

*خلاصة القول هي: لا لضرب الحشد أو تحجيمة في الوقت الحاضر، وبوجود قوات احتلال ترفض الخروج، وترفض بعض أطراف النظام إخراجها، ومن ناحية أخرى فبقاء الحال على ما هو عليه سلبي جدا وخطير جدا وسيولد كوارث جديدة مستقبلا ولن يمنع وقوع هذه الكوارث قولنا "أن بعض الشر أهون من بعض" وعلاج هذه الحالة هي في تقوية الجيش وتطهيره ولكن المشكلة هي : مَن سيقوم بهذه المهمة بوجود هذا النظام البائس والمخترق؟

*يبقى سلم الأوليات قائماً وهو يتدرج من مهمة التصدي لضرب وتحجيم الحشد أو حتى لاختراقه أو احتوائه من أي طرف، هذه مهمة راهنة، كما يجب حسم علاقة الفصائل المستقلة عنه به وبطريقة تحترم إسهامات هذه الفصائل في مقاومة الاحتلال وحرب تطهير العراق من عصابات داعش، أما تطهير وتقوية وبناء الجيش فهي مهمة النظام الوطني المأمول وليس هذا النظام.

* #لاحل_إلابحلها ... أعني: حل وإنهاء العملية السياسية الأميركية وأعادة كتابة دستورها الاحتلالي المكوناتي  ليكون دستورا مواطنيا ديموقراطيا ولا سبيل إلى ذلك إلا بالكفاح السلمي واسع النطاق والتظاهرات المليونية!

*كاتب عراقي