الفساد ويد "دولة الرئيس" الحديدية!

Submitted on Sun, 03/03/2019 - 12:58

عوني القلمجي

لا يختلف اثنان حول ظاهرة الفساد وما يتركه من اثار خطيرة على اية دولة مهما كانت قوية. فهو يزعزع اركانها، ويخرب مؤسساتها، ويهدم بناها التحتية، ويدمر منظومتها التعليمية والصحية. كونه من جهة، يفسح المجال امام انتشار السرقة وغسيل الأموال والرشاوى والاختلاس والتزوير والتهرب الضريبي وتخصيص الأراضي والمحاباة والمحسوبية، ومن جهة اخرى يدفع الحكام لزج فئات المجتمع في نزاعات داخلية وحروب اهلية وطائفية للتغطية على ممارسات الفساد بكل انواعه، والبقاء في السلطة اطول مدة ممكنة.

والفساد يلعب دورا قوياً في تشويه العلاقات الاقتصادية والإنسانية، ويؤدي انتشاره إلى تعاظم ماسي الناس وشيوع الظلم وإهدار الكثير من الموارد العامة والخاصة وإساءة استخدامها، ويجبر المفسدون على اتباع جميع الوسائل غير المشروعة، لتامين حماية لهم عبر التقرب للسلطات بكافة أشكالها، وإيجاد تحالف بين المال والسلطة، ليتمكنوا من تنفيذ مآربهم، حتى لو اضطروا الى استخدام العنف والقوة والترهيب.

وان الفساد على إختلاف مظاهره يعد المعوق الأكبر لكافة محاولات التقدم، والمقوَّض الرئيسي لكافة دعائم التنمية، مما يجعل آثار الفساد ومخاطره أشد فتكاً وتأثيراً من أي خلل آخر، كونه لا يقتصر دوره المخرب على بعض نواحي الحياة دون البعض الآخر، بل يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكل هذه النتائج الخطيرة التي تحدثنا عنها، نجدها ظاهرة للعيان في العراق.

والمصيبة هنا، هو ان الفساد المستشري في العراق، لا يقتصر، على  افراد او حزب او وزارة او مديرية عامة، ولا يخص اعضاء لجنة او مفوضية، ولا  قاضي  او عضو في محكمة او موظف، كما هو الحال في الدول الاخرى التي تعاني من هذه الافة، وانما شمل كل مؤسسات الدولة، من اعلى سلطة فيها، مثل الحكومة ومجلس النواب والقضاء، الى اصغر سلطة مثل الدوائر الحكومية والمديريات العامة وغيرها. والمصيبة الاكبر ان جميع المسؤولين دون استثاء يعترفون بهذا الفساد، ولا يخجلون من ممارسته، بل ان بعضا منهم لا يهابون الحديث علنا عن سرقاتهم والاموال التي جنوها من خلال مناصبهم، بما فيهم اعضاء في لجنة النزاهة، التي من المفترض فيها كشف ملفات الفاسدين وتقديمها الى المحاكم.

لا اشك للحظة واحدة، بان عادل عبد المهدي يعلم كل ذلك علم اليقين، كونه جزء من هذا الفساد، وزميل قديم في منظومته، وهو حين يرفع راية الاصلاح وشعار الضرب بيد من حديد على الفساد والفاسدين، انما يفعل ذلك تيمنا بما فعله من قبله الاوائل، الذين شغلوا هذا المنصب بعد احتلال العراق، فراية الاصلاح ومحاربة الفساد، اصبحت بمثابة التعويذة التي يتمتم بها الحاكم بصوت عالي، كلما تصاعدت حدة الاستياء الشعبي واحتمال تحوله، في اية لحظة، الى ثورة شعبية تنذر بسقوطه ومواجهة مصيره الاسود. ولنا في عدم محاسبة حرامي واحد، او فاسد من رموز الحكومة، او اجراء اي اصلاح متواضع يخدم المواطن خير دليل على ذلك، بل على العكس تماما، حيث يجري تكريم الحرامي احيانا، او ينقل من منصبة الى منصب اخر، ربما يكون اكثر اهمية من حيث تحقيق المكاسب غير المشروعة.

ومع ذلك لندع عبد المهدي يمارس هواية اسلافه المفضلة، بالطريقة التي يختارها، تجنبا للدخول في نقاشات غير مجدية حول سجله الاسود هو وزملائه القدامى والجدد. فواقع الحال، يؤكد بما لا يدع مجال للشك، بان "الدولة العراقية" اصبحت الحاضنة الحنون لكل انواع الفساد، واصبح السياسيون الحاكمون حريصين جدا على ترسيخ نتائجه الخطيرة، خدمة لتنفيذ مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا، وهذا ما يفسر حرص المحتل الامريكي على توفير قدرا أعظم من فرص الفساد وتشجيع الانحرافات الأخلاقية والسلوكية داخل مؤسسات الدولة ومفاصلها. بل الاكثر من هذا، فان المحتل وضع الية لحماية الفساد والفاسدين، لحمتها المحاصصة الطائفية والعرقية، وسداها دستور ملغوم وقضاء فاسد ومحاكم مسيسة وانتخابات مزورة.

امام هذا الواقع، فان ما يبشر به عادل عبد المهدي حول امكانية قضائه على الفساد بيد من حديد، هو مجرد كذبة كبيرة واستخفاف بعقول الناس، فالفاسد لا يحاسب نفسه او يطبق القوانين والاحكام التي تدينه. ثم ان سياسة من هذا القبيل لا ترتبط بقرارات ورغبات، او اختزالها بشعارات رنانة، بقدر ما ترتبط بشكل كبير بسلوكيات الحاكمين والمؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية، وهذه جميعها دون استثناء ينخرها الفساد من القمة الى القاع، بل ان هؤلاء الحكام الذين يتداولون السلطة منذ الاحتلال وحتى يومنا الحاضر، قد تم اختيارهم من قبل المحتل الامريكي على وجه الخصوص، بعناية فائقة لتنفيذ هذه المهمة المشينة، وهذا ما اكده بول بريمر، الحاكم المدني للعراق حينها، في وصاياه العشرة الى خليفته جون نكروبونتي، وتحديدا في الوصية الاخيرة التي تقول "هؤلاء يؤمنون بأن الاحتيال على الناس ذكاء، والاستحواذ على أموال الغير واغتصاب ممتلكات المواطنين غنائم حرب، لذلك هم شرهون بإفراط تقودهم غرائزية وضيعة، وستجد أن كبيرهم كما صغيرهم كذابون ومنافقون، المعمم الصعلوك والعلماني المتبختر سواء بسواء، وشهيتهم مفتوحة على كل شيء: الاموال العامة والاطيان، وإقتناء القصور، والعربدة المجنونة، لينتهي الى بيت القصيد ومربط الفرس بقولة "ولكن وعلى الرغم المحاذير والمخاوف، فأنني أنصح وأؤكد على أن لا تفرّط بأي منهم لأنهم الأقرب إلى تنفيذ مشروعنا وضمانةً مؤكدة، لإنجاز مهماتنا في المرحلة الراهنة، وإن حاجتنا لخدماتهم طبقا لاستراتيجية الولايات المتحدة، مازالت قائمة، وقد تمتد إلى سنوات أخرى قبل أن يحين تاريخ انتهاء صلاحيتهم الافتراضية، بوصفهم مادة تنفيذ لم يحن وقت رميها أو إهمالها"

وفق هذا السياق، فان القضاء على الفساد من قبل حكومة عبد المهدي، التي هي  نسخة طبق الاصل من الحكومات السابقة، يكون امرا مستحيلا. وبالتالي يمكننا التاكيد دون تردد، بانه لا اصلاح على يد هذه الحكومة، سواءا اكتملت ام بقت ناقصة، وانما ياتي الاصلاح بعد الخلاص من هذه الحكومة وبرلمانها وقضائها واتباعها ومريدها دفعة واحدة وليس على مراحل، والاتيان بحكومة وطنية فعلا، وهذا الهدف المشروع  لن يتحقق على يد انتفاضة سلمية او اعتصام مدني او تظاهرات مطلبية، ما لم ترفده بوسائل كفاحية اخرى تبيح للانتفاضة استخدام كل ما لديها من قدرات لمواجهة القوة بالقوة. فالشعوب هي سلاح الدمار الشامل التي تخشاها كل قوى الشر والظلام، سواء كانت محلية او خارجية، ومن يشكك في هذه الحقيقة او يقلل من شانها،بصرف النظر عن نواياه، فانه يخدم المحتل ويسهل عليه تكريس مشروعه التدميري الى عقود طويلة من الزمن.

ان الذين ينكرون هذه الحقائق ويظنون بان امريكا قد ادركت خطا سياستها، التي ادت الى هيمنة ايران على العراق، وانها ستقوم في القريب العاجل بطرد ايران من العراق وحل المليشيات المسلحة التي تاتمر باوامرها، هم في ضلال مبين، فامريكا لم تات الى العراق من اجل عيون العراقيين، وانما جاءت من اجل تدمير العراق دولة ومجتمعا، وهذا ما يفسر سر تعاون ملالي طهران مع المحتل الامريكي، كون مخطط تدمير العراق هو القاسم المشترك الاعظم فيما بينهما، ولا يغير من هذه الحقيقة كل الخلافات التي نسمع عنها والتهديدات المتابدلة بين واشنطن وطهران، فهذه لن تصل قطعا الى القطيعة او الدخول في حرب محدودة او مفتوحة، وانما هي مجرد تصحيح لمسيرة التعاون بينهما التي اخلت بها ايران.

 نعم ينبغي عدم الوثوق في هؤلاء الذين اتى بهم المحتل، واصبح ولي نعمتهم، فقد سمعناهم وجربناهم وفي النهاية كذبناهم، وبالتالي علينا اللجوء الى الانتفاضة لتحقيق كامل اهدافها الخدمية والاجتماعية والسياسية، وطرد المحتل، سواء كان امريكي او ايراني او تركي او غيره. هذه ليست خطبة امام مسجد في يوم الجمعة، او خطاب حماسي في ندوة، ففي تاريخ الشعوب وتجاربها، لم يقدم لنا هذا التاريخ مثلا بان شعبا، مهما كان صغيرا، استسلم لمثل هذه الاقدار، بل على العكس من ذلك، فان قوى الاحتلال، ومهما بلغت من قوة، هي التي لم تتمكن من فرض ارادتها على الشعوب المستعمرة الى ما لا نهاية. وشعب العراق قد اثبت هذه الحقيقة، فهو  قد رفض الاستسلام للمحتل الامريكي العملاق ، وشرع في مقاومته منذ اليوم الاول لاحتلال بغداد، والحق به هزائم نكراء، كان انسحاب معظم قوات الاحتلال الامريكية واحدة منها، رغم امكانات الشعب العراقي المتواضعة والاسلحة البسيطة التي قاتل بها، وبالتالي فان هذا الشعب  سيكون قادر على اسقاط العملية السياسية ودستورها الملغوم ومحاكمة رموزها، سواء عبر انتفاضات سلمية او انتفاضات مسلحة. اذا لا يمكن لهذا الشعب المظلوم السكوت طويلا على هؤلاء الحكام الذين اجرموا بحقه، وبحق العراق العظيم.

عوني القلمجي

2/3/2019