"قرآن العراق" .. استعادة العراق

Submitted on Mon, 03/04/2019 - 13:30

عبد الامير الركابي

وخلاصة مروية استعادة العراق من وسط ركام الاسقاطات التي تغيبه وتستبدله بما لا يشبهه او يمت اليه بصلة الى اليوم، وبعد توخي اقصى مايمكن من التركيز على الأساسيات، تذهب الى ان:
ـ العراق الحديث يبدا مع القرنين، السادس والسابع عشر، بالتناظر مع ثلاثة تفارقات أخرى، شرقية من داخل الدائرة الابراهيمية الثانية، عي "العثمانية" الايلة للغروب، وغربية اوربية حداثية، قبل الامريكية المكتشفة والحاضرة اليوم من خارج رحم التاريخ، وهو يتصيّر استعادة لقانون الدورات والانقطاعات التاريخي، المميز لهذا الموضع من العالم، وكاستئناف للدورة الثالثة الأخيرة المعاشة، والراهنة.
ـ واهم مايميز دورة حضور العراق الحالية، انها تنشا ضمن ظروف معاكسة كليا لممكناتها الإمبراطورية الازدواجية المعتادة خصوصا، فالكيانية العراقية الازدواجية، هي نمط كيانية يتعذر لابل يستحيل تحققها، الا امبراطوريا، وبما يطابق خاصياتها من دون غيرها من الامبراطوريات. كان من اهم شروط بلوغها مداها الأعلى تشكلا، في الدورتين الأولى والثانية، اما غياب القوى الإمبراطورية الأحادية الشرقية والغربية، لسبق الكيانية الرافدينية الزمني، كما كان عليه الحال ابان الدورة الأولى السومرية البابلية، او مع عودة الياتها للعمل بقوة دفع تحريرية، تزيح ثقل الامبراطوريات الشرقية الفارسية، والغربية الرومانية، وتفتح المدى الشرقي الريعي التجاري الى اقصى حد، وهو ماحصل ابان الدورة الثانية، مع الفتح العربي الجزيري. 
فالبنية والتركيب الامبراطوري الازدواجي، غير مؤهل بنية وتركيبا في الغالب، للتصادم مع البنى الإمبراطورية الأحادية، وهو محكوم لتوازنات وتناقضات الثنائية المجتمعية وصراعيتها، مايضفي على تركيبها حساسية فائقة، تمنع استقلال الاطار الامبراطوري بالقرار، وتجعل منه قوة فوقية شبه مستقلة، غير مندمجة "وطنيا"، يستمد مقومات مكانته الرئيسية، من خارج المجال الذي ينشأ فيه ريعيا، بينما يظل مضطرا للتاقلم مع، والانصياع لضغط البنية الأسفل، التي هي بنية "لادولة"، لاتتيح للنزوع الاستبدادي و"الفرعوني" التغلبي، الأسباب لكي يكون طابع الدولة وتركيبها، فتميل هذه عادة وبالطبيعة لتملق المستوى الأسفل، وكل هذا مع اشتراطات بنيوية، تجعل البناء الامبراطوري هنا مفرط الحساسية،وعرضة للزوال بقوة ضغط المحيط الشرقي والشمالي المتكرر، ومطبوعا بخاصيات فريدة،مقارنة بالامبراطوريات الأحادية الشرقية والغربية، ونوع تركيبها وبنيتها الادائية.
وكما امتازت الدورتان الامبراطو ريتان الازدواجيتان، الأولى والثانية باشتراطات ميزتهما وجعلتهما ممكنتين، كما تحكمت بنهايتهما، وبحلول لحظتي الانقطاع التاريخي الكبريين بعد سقوط بابل، واثر انهيار بغداد، فقد عرفت دورة الحضور الحالية هي الأخرى، مميزات خاصة، أهمها انها وجدت ضمن شروط معاكسه لسالفتيها، فالتبلور الحالي الثالت، نشا بينما أسباب الانقطاع قائمة وغالبة، واستمر حاضرا ويتطور كظاهرة "حداثية من نمط اخر"تحت وطاة، وبحضور الامبراطوريات الشرقية الأخيرة، المتخلفة عن الدورة الثانية، والمتجهه للاختفاء، كما المستجدة الاوربية، مع ثورتها الحداثية الكبرى، ماستكون له اثار فعل استثنائي، خصوصا مع ظهور عامل النفط، واحتمالية "الاعالة" المجتمعية من قبل الدولة المركبة من اعلى.
وقد تكون اهم ميزة بالإمكان ملاحظتها على الصعود الرافديني الحديث، كونه ظل ممتنعا وقادرا على فرض الياته بغض النظر عن وبرغم وجود القو تين التفارقيتين، الأولى العثمانية، والثانية الغربية، فمنع على هذين ان بفرضا نمطهما، او سيطرتهما، او ان يفلحا برغم جهدهما غير العادي، في إيقاف الاليات الإمبراطورية الازدواجية عن العمل، فظلت الدولة من اعلى، والعاصمة المتشبهة ببغداد، بعد فقدها دورها التاريخي، مجالا لسلطات متعاقبة، ماخوذة بقوة ضغط وفعالية الاليات الازدواجية، ولم تتمكن في اية فترة، من اخضاع المجتمع العراقي في دورته الراهنة لقانونها، وحين خرج العثمانيون من العراق عام 1917 حلت حالة من الفراغ و انعدام الدولة الكلي دليلا على الافتقار لاية جذورمجتمعية، لحين فبركتها على يد الانكليز بعد الثورة عام 1921، وفي عام 1958 جرى سحق تلك الدولة، بعد اكثر من ثلاثة عقود على قيامها، ليعود فيتكررالفراغ على مستوى السلطة، ويستمر لعشر سنوات، لم ينته الابالتدبيرية الثانية الريعية، عام 1968 ،حين دخل عنصر النفط الحلبة، وصار ركيزة أساسية، لايمكن من دونها تصور قيام حكم متلائم مع الاشتراطات والضوابط " الدولية"، لم يفلح هو الاخر بالاستمرار، برغم خصوصية واستثنائية مامتوفر له من ألاسباب، الى ان جرى سحقه هذه المرة، لاعلى يد المجتمع نفسه، كما حدث في 14 تموز 1958 حين اكل العراقيون الحكم في الشوارع، وظلت مراكز الشرطة مقفله لستة اشهر، بل على يد الغرب المضطرنفسه لقتل ماقد انشاه، وهذه المرة بيد وريثه الأكبر، الولايات المتحدة، التي غزت العراق لمرتين 1991 / 2003 ،وجهدت في المرة الثانية بصورة أساسية، الى انهاء أي تعبير يمكن ان يكون صالحا لبناء "دولة"، من قبيل او من نمط تلك التي كان الغرب قد اصر ساعيا لاقامتها في العشرينات، الامر الذي تستمر مفاعيله الى الان، حيث "عراق بلادولة"، هو النمط او النموذج القائم منذ 2003 .
ـ هذه الدورة كان من ابرز محطاتها وحقبها الثلاث: القبلية، والدينية التجديدية الانتظارية، طور الفبركة الغربية، بوجهيها من اعلى، على مستوى الكيان واصطناعه، مع الفبركة الايديلوجة الحزبية من اسفل، كلحظة انتقالية أخيرة من لحظات تفاعلية التفارقية الرباعية، الايلة الى مابعد انسايوان(1) ومابعد مجتمعية، وهي لحظة لاتندرج بحسب المفهومات المتعارف عليها، والتي تمثل تصور الغرب للعالم، ضمن مايسمى تاريخ الاستعمار العادي للأمم والشعوب غير الغربية، والتي لم يتسن لها ان تعرف الثورة البرجوازية، بقدر ماهو تاريخ خاضع للتفاعلية بين اخر اشكال وتمظهرات الأحادية، وبارقى واخر تجلياتها البرجوازية الحداثية الاوربية، وبين مجتمع الازدواج الامبراطوري التحولي التاريخي. 
ـ يترتب على مثل هذا الانتقال بمايخص التفاعل الأوربي الحديث، ومقابله الكيان الازدواجي، من منظومات التصور المعروفة بادبيات "حركات التحرر"، الى اليات التصادم التفاعلي الكوني بين موضع التحول الأكبر، وموئل مغادرة "الانسايوان"، الى الانسان، والتاريخ الأحادي، وبين التجلي الأوربي الطبقي بآخر اشكاله، مايسقط من الاعتبار الاعتقاد برجحان الكفة لصالح الطرف الأقوى الاستعماري، ويجعله من حيث المضمون والنتيجة، في مكان ادنى واضعف، ومضطر لاستحداث تدابير، قد تصل حدودا متعدية لقدرته المسبقة المستبدهة، او لما يمكن ان يقبله ضمن قواعد واسس الضبط العالمي المتاحة له.
ـ من هنا تاتي عملية اللجوء للتدبيريتين الخارجتين عن السياق المعتاد والمعمول به على صعيد العالم المستمر في القارات التي لم تعرف التحول البرجوازي. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)مقتطع صغير من كتابي القادم( " قرآن العراق" والثورة الكونية المنتظرة منذ 7 الاف عام: نهاية المجتمعية الارضوية والانسايوان )
(1) "الانسايوان" المقصود به بحسب رؤية هذا العمل، الكائن ماقبل الإنساني، المستمر بالتحول لحين تخلص العقل من وطاة الجسد المستمرة بالحضور والغلبة على كينونة الكائن البشري، بعد ظهور العقل وانبثاقة في الجسد الحيواني، والراي الماثل يقوم على الاعتقاد بان عملية النشوء والصيرورة، من الخلية الاولى الى العقل، يعقبها طور نشوئي اخر عقلي، محكوم عليه ان يمر بمرحلة أساسية، هي المجتمعية السائرة اليوم للانتهاء، قبل ان يبدا طور تشكل "الانسان" الاسم الذي اعتيد على اطلاقه اليوم اعتباطا على كائن مايزال في طور الترقي التكويني هو "الانسايوان".