العراق الامبراطوري والوطنية الزائفة

Submitted on Wed, 03/06/2019 - 11:32

عبد الامير الركابي

لم يعد ماعرف بالوعي او "المفهوم"الوطني في العراق، يحظى باية مصداقية تطبيقية، او عملية اليوم، وهو موجود، ان وجد، بسبب غياب بديله الذي صار التاريخ يلح موجبا تبلوره، وهذا التطور مهم على صعيد مغادرة هذا النمط من الأفكار، او المشروعات الوهمية، والزائفة التي ركبها الغرب الحديث، سواء كتحصيل حاصل عن ظاهرته الحداثبة الضخمة والهامة تاريخيا، او على الصعد العملية، وتحديدا في مجال إقامة/ فبركة، "الدولة"، والسعي لتكريس الكيان الحديث العراقي، مع سرديته، وتاسيساته الاكراهية، الخارجة عن أي سند ملموس، او في ماقد استثاره من اعتقادات وأفكار، بدت في الظاهر مضاده لهيمنتة الفكرية، والمباشرة، مع انها لم تكن لتبتعد عن منطلقاته الأساسية في النظر والحكم، او في المقترحات العملية والتنظيمية، ولا في نوع الاستهدافات والاغراض.
مثل هذا النمط من الوعي المؤقت الزائف، لم يكن قد وجد قبل القرن العشرين، واحد مؤسسية يلاحظ ذلك في نص له تاسيسي (1) محاكيا نفس نمط حكم غيره من اقرانه ومشابهيه من الحداثيين الحزبيين الايديلوجيين، ممن حظيت أفكارهم ومشايعهم، بمكانة مميزة بعد الثلاثينات من القرن المنصرم، لاسباب موضوعية، خاصة باليات صراعية كيانية مضمرة، لاعلاقة لها فعلية بما جرى وصفها به الى اليوم، مع انها لاتمت بصلة لما يدعيه هؤلاء، او يعتمدونه من تفسيرات لحقيقة العراق المعاصر، ولموقعهم ودورهم كما يعتقدونه ويتصورونه ضمن هذا الجزء من التاريخ.
والظاهر كما تدل الوقائع والتجربة العملية، ان هذا الموضع من العالم، كان ينتظر حتما وكضرورة مرور هذه الحقبة من تاريخه الحديث، أي الايديلوجية الحزبية، كما تجلت كحداثة منقولة ومقحمة على مستويي الدولة والأفكار، باعتبارها معبرا اضطراريا، وربما لازما بإلحاح، قبل ان تتسنى، او تبدا بالنضج الاشتراطات اللازمة، لادراكه ذاتيتة التاريخية، او الشروع بالتعبير عنها. سعيا لبلورة ملامح واسس المنظور المطابق للخاصيات والكينونة البنيوية. والحقبة المقصودة، هي الحقبة الثالثة من تاريخ تشكل العراق في دورته الراهنة، سبقتها حقبتان هما : القبلية، تبعتها الدينية التجديدية الانتظارية، استغرقتا الفترة من القرنين السادس والسابع عشر، حتى بداية القرن العشرين، حين تبدلت الاشتراطات، لتوجب تبلور الحقبة الأخيرة، الايديلوجية الحداثية الحزبية.
وقد يكون من الوجيه افتراض تحقيق الطور الأخير المذكور، لأهم ماقد فاته وتغافل عنه، بالاخص بناء لما يوحي هذا التيار به هو نفسه، أو يدعية، ممايعرف ب "العلموية" المرافقة لبنية الأفكار الحديثة، كما هي معروفة في الغرب، ومايتصدر نهضته الأخيرة، ويمكن بالطبع للغرب بالذات ان يدعي كونه قد حقق بالفعل، ماهو منوط به، ومفروض عليه إنجازه، بما يخص بنية مجتمعاته، وذاتياته الوطنية / القومية، خصوصا وان حداثة الغرب قد نجحت في اجتراح مجال علم المجتمعيات، وتسنى لها ان تفحص بناها، وتكشف عن اليات حركتها الانتاجوية والطبقية، بغض النظر عن احتمال ان يكون مافعلته وانجزته على أهميته خاضع لاحتمالية النقص وعدم الاكتمال المطلق، الامر الذي لم يقاربه او حتى يتخيله من ينسبون انفسهم الى المعرفة والأفكار في المنطقة الناطقة بالعربية، وفي العراق بالذات.
وبسبب من بنية الثقافة والتفكير بحسب اللحظة والموروث الغالب على بنية العقل في هذا المكان، بالاخص في اللحظة التي عرف الغرب ابانها نهضته، فلقد كان من المستبعد ان تتمكن النخب المتصدية للشؤون العامة، والأفكارفي مقدمتها، من وعي منتج الغرب خارج اشتراطات حالتها هي، وبعيدا عن التماهي مع حالة من تنقل عنه، فوجدت بداهة، بان منجز الغرب الفكري هو من نوع "السحر"، والقوة الخارقة، وبدل ان تميل لاتخاذه كاطار مساعد على تفحص واقعها، ذهبت ومباشرة، الى استبدال ماتعيشه وما تنتمي اليه بنية وتاريخيا، بالغرب وواقعه، وتاريخه وبنية مجتمعاته، وراحت تطبق ماقد خرج من تضاعيف وافراز تلك البنى العضوي، وصدوعا للضرورات وحكمها هناك، وكانه ملائم لها، وخاص بها، وهكذا نشات حالة من التقصير بحق المنجز الغربي أصلا، لافائدة منها، لاللغرب، ولا للعالم الذي تتصور، او تريد النطق باسمه من دون مؤهلات.
وفي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، ظهرت جماعات عراقية قليلة، وجدت نفسها معنية بالشان العراقي الاني، والمستجد، وبالطبع المستقبلي، اول ماواجهته، وكان خارج قدرتها على وعي دلالته، ان التاريخ في المكان التي هي منه، لم يعرف برغم غزارته، أي شكل من اشكال سابقة من التبلور، او التعبير عن الذاتية، وهو مااعتبرته النخب المذكورة من قبيل المكسب، بما انه حررها من احتمالية المنافسه المحلية، وعزز من احتمالات وحظوظ منظوراتها الايديلوجية الجاهزة، ماكان مميزا لحالة العراق آنذاك، مقارنة بالحالة المصرية، حيث حضور الوطنية المحلية التاريخي، والمتجدد على إلايقاع الغربي، ليصير غمط الخاصيات، او أي شكل من اشكال، او ضرورات تفحص الحقيقة الوطنية السابقة على القرن العشرين( الامر الذي يشترطه البحث "العلمي" بداهة)، من قبيل الغوص في ماصار هؤلاء يرفعونه كعصا غليظة، ضد كل محاولة تفحص للواقع، باسم "الخصوصيات" المذمومة، والمجافية برايهم لمنطق العصر الاممي والعالمي الخرافي كما يعرفونه.
هذا والجماعات المذكورة ( برغم ضحالة وقلة مارافق وجودها من منتج ينتمي لعالم النظرية والفكر حتى المنتمي لنوع تفكيرها) كانت تعيش في مكان يزيد من ورطتها ويضاعفها فهي في ارض مابين النهرين، وتريد ان تكون معبرة "حديثة " عنها، وعن ذاتيتها، بعد ان توفرت لها مااعتقدته الوسائل السحرية الضرورية، وساعدها الغرب بان منحها القواعد والاسس والمنهجيات، كي تباشر مهمة التعرف على ذاتها كما فعل الغرب إزاء كينونته وتاريحه، املا في الوصول لمقطعية مجتمعية تدل على واقعها الراهن، وتكوينه، وعناصر الفعل الواجبة فيه، ومحركاته الفعلية التي تتيح تبيان نوع العمل، والمواقف الملائمة له، هذا مع العلم ان المكان المقصود، لم يكن في يوم، خارج المعروف ضمن مجرى الفعل الحضاري الكوني، وحين كان يحضر، فانه لم يسبق ان حضر بصفته مكانا من بين أماكن أخرى، بل كقمة إبداعية حيوية، الامر الذي انطبق على وضعه كما تجلى خلال دورتين من التاريخ، القديمة السومرية/ البابلية، والثانية العباسية/ القرمطية، حين تجلى تواليا،كعاصمة عالمية، وكمصدر لانجازات كونية نوعية، وفاصلة.
والغريب ان الماضي المشار اليه، لم يدخل في اعتبارات هؤلاء، ولا استفز لديهم حاسة وفضول "البحث والتفكر"، الامر الدال على نوع من الانقطاع المزري، عن اية حقيقة لها صلة بالمعرفة الحية، او الوجود الفعال ضمن اللحظة، وقد امكن لهذا النفر مثلا ان يفكر وفق " المادية التاريخية" كما راها، ليشرع فورا في الثلاثينات، في إقامة "حزب للبروليتاريا"، قاطعا صلته كليا بالتاريخ العراقي، وماينطوي عليه من معطيات يمكن ان تكون جديرة بالاهتمام، او التوقف، فضلا عن ان تنطوي على شيء من الاحتمالات الغائبة عن الغرب الحاضر، واستشراقه، ولها ربما معنى يضيف للرؤية الحديثة، شيئا جديرا بالاعتبار، ولعل الامر هنا كان يتطلب النظر للمنجز الغربي باعتباره قفزة كبرى خطيرة وهامة، من دون ان يعتبركمناسبة تبيح لهذا الغرب مصادرة التاريخ، والهيمنه على احتمالاته، او منع إمكانية واحتمالات وجود مخبآت، ومايتعذر ادراكه الان، كما كان عليه الحال قبل اكتشافات الغرب الحالية الحديثة، فالغرب من ناحية المنظور الذي يقره هونفسه، ويفترض انه يعمل به، هو اضاءه كبيرة على الحقائق المعاشة، المجتمعية والتاريخية، لكنها ليست اضاءة مقفلة، او نهائية، او تقطع بالمطلق بخصوص الوجود البشري وممكناته.
ان شخصا مثل يوسف سلمان يوسف "فهد" مثلا، يمكن ان يكتب كراسا بعنوان "حزب شيوعي لااشتراكية ديمقراطية"،مكررا علينا درسه الذي تعلمه من رحلته الدراسية الى روسيا، لنجد انفسنا امام معركة "موصلية"، مع ذوالنون أيوب، والصايغ، دوافعها قد تكون مذهبية، او دينية، لكن بثوب "المنشفيك"، و "البلشفيك"، فاذا قيس نوع هذا التفكير بحال العراق ومشكلاته الراهنة، وحضوره الفعلي والمفترض، والياته المعاصرة والمستجدة، صار من الواجب اعتبار هذا الكراس دليلا على الخطل، لدرجه تبيح اخذها كوثيقة تجيز ادخال كاتبها مستشفى الامراض العقلية. وليس في الامر هنا من مبالغة، او أي نوع من أنواع التجني الذي يتقنه المذكور ومعسكره، ويعتمده وسيلة أساسية في التحاور مع الاخرين، خارج، وبخلاف مقتضيات المعرفة والحقيقة الواجبة الاتباع.
فاي عراقي يريد التعرض لقضايا تعتبر دالة على خيارات أساسية، مقرر عليه مثلا ان يمتلك حدا ادنى من النباهة، تجعله يتساءل "لماذا تجلى العراق في التاريخ ياترى امبراطوريا وكونيا حصرا ؟" من دون ان يمنع ذلك النظر لما انجز على يد الغرب، ومارافق او تولد عن ثورته البرجوازية، وعلومه، لابل ومع الرغبة الضرورية الملحة، لاستعمال ذلك المنجز في فحص ظاهرة، هي بلاشك كونية، واستدعت اهتماما غير عادي من قبل الغرب نفسه، عبر اهم باحثيه. لابل ووصل الامرحد اطلاق احدهم وهو باحث متميز، عنوانا لكتاب له يقول نصه بلا تحفظ:" االحضارة بدات في سومر"*.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من المعتاد القول كما يفعل كامل الجادرجي زعيم التيار الليبرالي الشعبوي، من قبيل التاسيسات، مايلي : " قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، واثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال العهد العثماني لم يكن هنالك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية في العراق، لقد كانت هنالك فئات وطنية صغيرة، كما كان هناك افراد قلائل يحملون أفكارا وطنية وقومية" كامل الجادرجي / مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي/ دار الطليعة ـ بيروت/ ص 20 .
• مؤلف نوح كريمر الشهير.