العراق الامبراطوري والوطنية الزائفة/2

Submitted on Fri, 03/08/2019 - 14:38

عبد الأمير الركابي

لايعرف أولئك الذن تصدوا عند بدايات القرن المنصرم،شيئا له قيمة او معنى، لاعن الوطنية ولاصنوها القومية، وهي لم تكن يوما من اختبارات ثقافتهم، او مادرجوا على التعامل به من مفاهيم، ويوم سمعوا بها وبحتمويات ماركس، وتشبهاته المضمرة، المعلومة المصدر، بالنبوية الرسالية الابراهيمية، لم يكونوا، مؤهلين على الاطلاق، لاي شكل من اشكال التوقف، ناهيك عن محاولة التمحيص، او محاججة ماوقع عليهم فجاة من مفاهيم غامضة ومستجدة، لاقت تطابقا مع أغراض كانت قد بدات تنمو داخل محيطهم، حفزتهم على البحث عن نمط بعينه من الإجابات والشعارات، خلقها واوجد مناخاتها، واتاح فرصها المستجدة حضور الغرب.
والامر ينطبق بالطبع على مايعرفه هذا النفر من مفاهيم عن المجتمعية وعلمها الجديد الجاهز ،والمكتمل افتراضا، مع انه وبحسب المنطق كان مايزال في الطور الاختباري، ولم تكن ميول الرسالوية من نوع تلك التي تميز بها ماركس، سوى مظهر بديهي انبهاري لايخلو من " صبيانية معرفية"، هي بذاتها وعند المصدرالذي اطلقها، انبهارية، لم تتوخ بجانب الاكتشاف المجتمعي "العلموي"، حقيقة هي الأهم والابرز، من نوع تلك التي ترافق، لابل تلازم، ويجب ان تكون من اهم عناصر موائمة هذا العلم المستجد على العقل. تلك هي حقيقة التفارق بين العقل والحقيقة المجتمعية، فالانسايوان امضى الاف السنين، عاجزا عن فك رموز الظاهرة الاجتماعية، وهو لم تمض على مقاربته الحالية لها، سوى مالايزيد عن قرن ونصف القرن فقط لاغير، الامر الذي يستوجب، لابل يحتم الإقرار، أولا وقبلا بحقيقة وقاعدة تأخر العقل عن ادراك الظاهرة المجتمعية.
وهذا المبدا او القاعدة الأساسية، تقع في صلب أي بحث في الاجتماع البشري، وتقف فوق ماقد عرف في القرن التاسع عشر، والى اليوم، من اشكال مقاربة أولية وجزئية للظاهرة المجتمعية، على الأقل قبل الذهاب لحد التصديق بما قد انجز منها كاوليات، غير المبالغة الطفولية لدرجة اسباغ معنى الحتميات والمطلقات عليها، ولايعرف المرء كيف وباي حق، ولماذا، يجري حصر منطويات الظاهرة المجتمعية وقوانينها، ضمن النموذج الغربي الأوربي وصيغته الحديثة الراهنة، او لماذا لايوضع بالاعتبار، ولو من باب الاحتمال، ان يكون ماقد اكتشف على هذا الصعيد في اوربا، مجرد مقدمة، وان قواعد العلم الجديد، يمكن، اوهي مرشحة لان تساعد على اكتشاف، حقائق مجتمعية اكثر شمولية وانطباقا على حركة التاريخ من الاوربية "الطبقية"، والتي تقوم بداهة على فرض نمطها، وشكل تركيبها البنيوي على العالم ومجتمعاته، كي تجعل من منظورها هو السائد، وبمثابة الحقيقة النهائية المطلقة.
نحن ولاشك امام افتتاحية وبداية مهمة ونوعية على هذا الصعيد، توجب في الحد الأدنى وفي موضع كالعراق، تأنيا وترصدا يبدا من محاولة استنطاق الظاهرة المجتمعية والتاريخية البنيوية الرافدينية لمابين النهرين، ربما يكون من ابرز موضوعاته ونقاط معالجته، ظاهرة "الإمبراطورية" الملازمة لتشكل الكيانية كشرط ملازم لتاريخ هذا المكان، علما بان هذا لن يكون سوى مدخل نحو مزيد من الموضوعات والاسئلة الواجبة، ذات الطبيعة الاستثنائية، من نوع " لماذا الكينونة الإمبراطورية ؟" ومن اين تنشا وتنبثق بنيويا؟ ولماذا هي موجودة قبل ايه ظاهرة من هذا النوع على مر التاريخ، ولماذا تاتي من اقصى جنوب العراق عند قرابة منتصف الالف الثالث قبل الميلاد، مع "سرجون الاكدي/2334 ق ـ م" القائل: " انا حاكم زوابا الدنيا الأربع" بمعنى " انا حاكم العالم او المعمورة"، وصولا الى بابل وحامورابي، وسلسلة الشرائع الكبرى الأربع السابقة، ابتداء من شريعة كوراجينا2355 ق ـ م، حيث وردت للمرة الأولى في التاريخ البشري، كلمة ( حرية / امارجي)، وكل المعروف اليوم مما يسمى "حقوق الانسان" في وثيقة مكتوبه.
ولا داعي للتعريح على العباسية/ القرمطية الوسيطة، أي الدورة الحضارية الرافدينية الثانية، وصيغتها العليا الازدواجية اللااكراهية، واللاسلطوية، او القهرية الاحادية، ولماذا مثلا لايخطر على بال احد، ان هذا الموضع من العالم، ليس هو موئل ومبتدا مايعرف بالحضارة وأول خطاها فحسب، انما هو أيضا موضع سر مجتمعيتها، والمكان الذي ينطوي على مقومات واليات السيرورة المجتمعية الانسايوانية، وصولا الى مابعدها، أي الى "مابعد مجتمعية"؟ هذا الاعتقاد، حتى يكون منطقيا، يجب ان يبدأ أولا من تجربة النظر في احتمالية الازدواج المجتمعي نفسها، فهل ثمة من نوع مجتمعي كهذا يمكن توقع وجوده، في هذا المجال سوف يفيدنا النظر الى المقطع المجتمعي الأوربي كثيرا، بالاخص من الزاوية التي نهتم بها، أي " الازدواج"، فالغرب يقول هو نفسه انه منقسم ، أي ان المجتمع الغربي محكوم دائما لالية محركها صراع مكونين لامجتمع من دونهما، بمعنى الانقسام المجتمعي الافقي بين الطبقات، وهكذا نكون امام ظاهرة مجتمعية، هي بنيويا وحكما "مزدوجة"، لاوجود لها ولاحياة ولاصيرورة تاريخية، خارج ازدواجها.
فهل هذا ياترى هو شكل الانقسام، او الازدواج المجتمعي الوحيد على وجه الأرض، بما يخص العراق وارض الرافدين، يمكننا ان نعاين المقطعية المجتمعية من ناحيتين متكررتين وبارزتين، تستجلبان التفكير، الأولى تخص الدورات التاريخية والانقطاعات، والثانية تتاتى من تعذر ظاهرة "الدولة الوطنية"، أي تلك التي يتسنى لها بسط سلطانها على المجتمع ضمن حدود جغرافية بعينها، على النمط المصري المقارب نشوءا للنمط الرافديني، مايخلق اليات صراعية فوق وطنية، مقابل تلك الوطنية الأحادية المصرية السكونية الاجترارية ذات التشكل الواحد، ومن ثم الاوربية الحالية، ويجعل من الإمبراطورية خاضعة لقانون بنيوي مجتمعي، حيث المجتمع يقوم أولا كمجتمع لادولة الى الجنوب، صدوعا لاشتراطات الطبيعة التي تضع الكائن البشري هنا كمنتج، على حافة الفناء حيث كل بنية العملية الإنتاجية واشتراطاتها، متحدية مضادة، قهرية ومعاكسة للجهد البشري، وهو مما لايمكن اعتباره من قبيل الصدفة، او الاعتباط الكوني، مع ان هذا الجانب خارج بحثنا الان، هكذا تكون الإمبراطورية الازدواجية فعل لادولة سفلى، ودولة قاهرة نازلة من اعلى، وتصادم مع مالا يقهر ككتلة مشاعية منتجه حريتها الإنتاجية تساوي وجودها، واضطرار لتوجيه النظر الى حيث صدرت عنه الدولة القهرية بالاصل، بحثا عن متنفس ريعي، يخفف وطاة الصراعية الازدواجية الناشئة *.
ولان مجتمعا تحكمة شروط كتلك التي وصفناها، لايمكن ان ينتج سلطات او تمايزات من داخله، منفصلة عنه، فان نوع السلطات التمايزية التغلبية القهرية، يصير من اختصاص الحيز الممتد خارجه واعلاه، أي "عراق الجزيرة"* ومايمر عبرها من نزوحات سلالية اتية من الشمال او الشرق او الغرب. ومع هبوط هذه باتجاه موضع الخصب والمصب البشري من الجهات الثلاث العليا، تبدأ عملية اقلمة وإعادة صياغة، تشمل الطرفين، الأحادي السلطوي التغلبي الاكراهي النازل من اعلى، والاسفل المحكوم لاشتراطات "اللادولة"، غير القابلة للاختراق من خارجها، او اكراهها على قبول سلطات مركبة فوقها، أي ان اليات التشكل " الوطنية" بحسب المعنى المتداول هنا، محكومة بدل الطبقية، لاشتراطات الصراعية المجتمعية وللانقسام المجتمعي العمودي، مايعني ان الازدواج ليس واحدا فريدا، وانه ليس حصريا وخاصا باوربا الطبقية، كما انه ليس باي شكل مقصورا على نوع، او نمط بذاته من الازدواج ، وقد يكون الأرجح ان الازدواجية الطبقية، والازدواجية المجتمعية، حالتان متقابلتان على طرفي المتوسط، تنتظمان في العمق، وعلى المدى التفاعلي الاشمل، الاليات المجتمعية التاريخية، وحركتها الصاعدة، بالتبادل والتناوب، ومن ثم، وعند نهايات المطاف، بالتداخل والخضوع لوحدة الاليا ت.
الازدواج / الانقسام العمودي "المجتمعي" الرافيديني فريد في نوعه، ونمطه، لامثيل له ولامشابه، وجد قبل المجتمعيات الشرقية والغربية، واسس لمساراتها، وانطوى على السر المضمر فيها، غيره الى الشرق لم توجد سوى الاحاديات، منها الضخم والهام، والى الغرب اعلى اشكالها، أي الأحادية الازدواجية الاوربية، الأعلى دينامية، والارفع منجزا، والعتبة الأخيرة الممهدة للانقلاب الكوني الأعظم الرافيديني.
ـ يتبع ـ