لينين الماركسي معادل محمد الابراهيمي/3*

Submitted on Sun, 03/10/2019 - 14:10

عبد الامير الركابي

قد يكون العنوان، وحتى صيغة التناول هنا، دلالية وايحائية بالدرجة الأولى، وهي بلا شك متقصدة لفت النظر والانتباه ( ماركس ولنين/ إبراهيم ومحمد )، رغبة منا في تكريس فكرة وواقعة "الازدواج" المجتمعي، وتعدد تمظهراتها، ومايدل عليها، فالنظر الى المجتمعية الاوربية، بظل الثورة البرجوازية الأخيرة، يقطع بالملموس بالتفارقية الازدواجية، وبالتعبير المتعدد الدال على ملامح "مجتمعيتين"، وهذا ماتوحي به الماركسية ونظريتها الحديثة،عدا دلالة انتشارها العالمي، والتي انهت بوجودها هيمنة الأحادية المجتمعية، التي ظلت غالبة وسائدة، فماركس هو التعبير الاخر المنتمي للمجتمعية البروليتاريه، وكل مايتصل بها تاريخا ومستقبلا، بصفتها انشقاقا مجتمعيا، وانشطارا افقيا واجبا، وناجما عن أساس ومبرر أساسي كامن في المجتمع كينونة وبنيه.
لكن، ولان هذا النمط من التفارق، والدليل عليه، ظل يعامل كفرادة تزكيها الجدة، ووهج الاكتشافية المتاخرة الباهر، فقد تضاءلت الرغبة في اخذه باي قدر كان، على اعتباره دالة على احتمالات ازدواجية وافتراقية أخرى، فظل مهملا، وغائبا، ذلك الشكل الأهم من اشكال ومظاهر الازدواج التعبيري المجتمعي، ولم يخطر، ومازال الى اليوم، على البال، خصوصا لدى الاتباعيين العراقيين والعرب، احتمال ان يكون مظهر التفارق الكوني و "الأممية" المبكرة، قد وجدت قبل الاف السنين، وان بصيغة الهامية وحدسية، نبوية، لتعذر الادراكية العلية في حينه، كمثل العبقرية الابراهيمية على سبيل المثال، التعبيرالكوني الهائل الحضور، والغامر على مستوى المعمورة، بقراءاته الكبرى الثلاث، لدى اغلبية بني البشر، فلم يسبق ان وضع مثل هذا التعبير الكوني الأكبر، الازدواجي، بالموضع الذي هو منه، وينتسب اليه ولمحركاته، باعتباره تعبيرا مجتمعيا مخالفا نقيضه، الظاهر، والشائع، السائد، المتصل بالامبراطوريات الرافدينية، وعواصمها الكونية، مع مايناظرها من اشكال حكم وامبراطوريات، من غير نوعها، على مستوى العالم والتاريخ البشري اللاحق.
يعود إبراهيم والابراهيمة، الى "مجتمع اللادولة" الرافديني، والى شكل تعبيره المفارق خلال طور انتكاسه وانتصار زمن الأحادية المؤقت على مستوى المعمورة، وهو نسق تفكير ورؤية متكاملة بذاتها، منطو على مقومات التعرف من زاوية مجتمعية بالذات، على الماضي والحاضر، والمسار المتوقع مستقبلا، أي انه يتمتع ب "تاريخانية" هي تاريخانية اللادولة، وبناء "مملكة الله" المفارقة على الأرض، وهو بالطبع وحكما، غير مايجري وصفه به من عالم ومعسكر مايضاده، أي الطرف الاخر المجتمعي، الغالب، والمهيمن تصورا وعقلا، الامر الذي ينسحب على اولئك الذين يجدون انفسهم ابراهيميين بحكم الولادة والتربية، وتصير الابراهيمية لهم فعل "ايمان"، لاقوة اشتراطات واقع وحقيقة مجتمعية معاشة، متواصلة ومستمرة تشكلا وصيرورة.
فما كان ممكنا او متاحا الى اليوم، النظر للابراهيمية بعين الابراهيمية نفسها، ومن داخلها، وبناء لكينونتها ومنطلقها، ومن ثم لاحتمالات صيرورتها وتاريخانيتها الموائمه لممكناتها، أي تطورها البديهي كظاهرة مجتمعية، لاتقل "مجتمعية !!!" عن مناظرتها، ومايوازيها، الامر الذي صار ممكنا تصوره في حال تابعنا نظرة النظم والجهات والأفكار، المخالفة،والمضادة للتعبيرية الطبقية البروليتارية الماركسية، بما تحمله تلك النظرية ومنطوياتها. مايستحق اخذه كدلاله متاخرة، صارت بيدنا اليوم، وبفعل التطور الأوربي الحديث الأخير. لكن هذه ليست الإضاءة الوحيدة التي يسلطها واقع الانشطار الافقي الأوربي، على الازدواجية المجتمعية غير الملاحظة، والمبعدة عن الوعي الانسايواني، فمثلا، ومن باب اقرب للطرافه، يمكن مشابهة الماركسية واللينينية وعلاقتهما ببعضهما، وانوع المآلات المترتبة عليهما تتابعا، بتلك التي يمكن العثور عليها بايحائية، ومن دون تطلب الحرفية، بين الابراهيمية، والمحمدية. فالماركسية/ أي ماركسية ماركس، وجدت في اوربا الغربية الطبقية الأعلى بنية، ولم يتهيأ لها ان تعرف شكلا من اشكال التطبيق في ارض المنشأ، بل وجدته في روسيا الطرفية، والابراهيمية وجدت في ارض الازدواج المجتمعي مابين النهرين الأعلى بنية هي الاخرى، ولم يتسن لها التطبيق في مكان المنشا والكينونة، بينما عرفت شكلا من اشكال التطبيق الختامي النبوي المؤقت، في الجزيرة العربية، حيث "مجتمع اللادولة الأحادي" لا الازدواجي، والخاضع لاقتصاد الغزو، اي المجتمعية الاحترابية. وهو ماقد منحها صفة التحقق المؤقت في "الطور الراشدي".
فماحدث في الجزيرة العربية على يد النبي محمد (النبي في تعبير اللادولة هو معادل ومفارق بمعنى النافي لنموذج الحاكم الأرضي في الإمبراطورية الازدواجية )هو منجز نمط مجتمعي هو مجتمع اللادولة، انما الأحادي، لا الازدواجي الأعلى الرافديني، الامر الذي يمكن مشابهته بحالة روسيا نصف الاسيوية، المتاخرة الاستبدادية، القابلة لان تحول بعبقرية لنين، كما عبقرية محمد الابراهيمي قبله، قوة التفاوت في النمو، والاختلاط البنيوي المجتمعي، الى طاقة، تغييرية مؤقته، لم تكن لتتسنى لماركس وانجلز، والايحاءات هنا تستمر، فالتطبيقية اللينينية، تنتهي بلنين صاحب مبدآ التطبيق الاستبدادي الأقصى الذي سيتعداه شخصيا بعد وفاته "حزب مالعمل"، الشرقي الجذوروالمبنى،لا الاوربي، والانقلاب الجزيري، الذي انتقل بمجتمع الجزيرة العربية، من القبلية الى العقيدية / المجتمع العقيدي/ انتهى بنهاية العصر الراشدي،لصالح انبعاث شكل من اشكال القبلية التغلبية، بعد ان ظل / العهد الراشدي/ محافظا هو فقط على مبدا "وامرهم شورى بينهم"، ملازم كينونة، اشكال تجلي مجتمعات "اللادولة" في صيغ كيانيةز ولاتنتهي الايحاءات عند هذا الحد، فالستالينية بعد اللينينية، قد تثير في المخيلة مشابهة، بين معاوية بن ابي سفيان، وخاتم، او رابع عهد الخلفاء الراشدين.
مثل هذه المقابلة، سوف يعاملها الاتباعيون الببغاوات، بلي الشفاه، والأفضل من بينهم سيكلف خاطره اذا لم يكن جهما كالمعتاد، ليتكرم على نفسه بنصف ابتسامة من طرف شفتيه، وهو يقول هازا يده: ( الماركسية وين والابراهيمية وين؟ ) هذا باللهجة العراقية، وترجمتها بالفصحى ( اين الماركسية من الابراهيمة) ولنكون هنا ووقتها بعيدين عن عالم لايمل من تكرارات العلموية الفارغة الجهولة بمقابل الماورائية، والميتافيزيقية، واي دكتاتورية أحادية مفهومية، غير المدعمة باية قراءة للوجود الفعلي المجتمعي، ولمنطوياته، ومضمرات الصيرورة الانسايوانية المتصلة به، الابراهيميون "الميتافيزيقيون" ينظرون للمادية على انها كفر( بمعنى كل ماهو خارج عالم اللادولة الارضوي)، وخروج على الحقيقة الكونية، والماديون بعكسهم. والعالم بناء علية منقسم و "ازدواجي"، لكنه ليس ازدواجيا نهائيا، ان ظهور الازدواجية الاوربية الطبقية المتاخر، وتفارق تعبيراتها بين برجوازية وبروليتارية عمالية، ليس مصدر مقارنات موحية ودالة وحسب، بل هو أيضا مجال نفي مايدل عليه ويوطده بقوة.
فالازدواج المجتمعي بشكليه الابرز المعروف منذ الان، ليس ظاهرة محايدة، او تتوقف عند كونها متضمنة في البنية المجتمعية، من دون منطوى ومعنى، من اهم مايجب ان يلاحظ بمناسبة الاستلال عليه، ان الوجود بالأحرى ثنائي على الصعيد المجتمعي، كما على صعد لاتحصى في الطبيعة، مع فرضية اختلاف الصيرورة، لان وجود الثنائية في المادة، غير وجودها في المجتمع الظاهرة الحية، القابلة، لابل المصصمة على قاعدة التصيّر والانقلاب ( تحول الكمي الى كيفي نوعي) بحسب الديالكتيك.
وهذا مامن شانه ان يجيز لنا الاعتقاد بان "المجتمعية" مآلها " اللامجتمعية"، او "مابعد مجتمعية"، ومثل هذه الفرضية لايمكن ان تنطبق على الانشطارية الافقية الطبقية، فمخطط ماركس المعروف، يقول بانتهاء الازدواج فقط لاغير، أي انه لاينهي الظاهرة المجتمعية، بل يذهب لتابيدها، لانه يتناول تناقضها الداخلي المجتمعي ويحله ضمن المجتمع نفسه، مما يضفي على نظريتة صفة الانغلاق، وانسداد الأفق، مثلها مثل كل المفاهيم الأحادية الارضوية، بالمقابل، تذهب الازدواجية المجتمعية، الى نقض ذاتها، بحكم كونها أصلا وفي البدء والصيرورة،"مجتمعية سماوية"، لاارضية*، وان محركها الأول ووجهتها التاسيسية في ارض الرافدين، في سومر، صعودية انتكاسية، ذهبت بحكم البنية والكينونة، تحت دفع البحث عن مخرج باتجاه الأعلى، نبذا وتجاوزا للمتعذر المجافي، المهلك ارضا.
هكذا نكون قد اقحمنا انفسنا وسط قضية غاية في العسر والتعقيد، لانظن، ولا احد معنا يمكن ان يتصور، بانها قابلة للحل خلال هذه الحلقة من القراءة التي نعمد لتقديمها هنا، ماسيتطلب عودة أخرى وأخرى، بانتظارماياتي.
ـ يتبع ـ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• غيرنا العنوان الموضوعة هذه الحلقات تحته، لأغراض لفت النظر، ولان المقارنة الواردة كعنوان، يفترض ان تجلب انتباه أوسع دائرة متصورة من المهتمين، ومن يتمتعون بقدر من الفضول المعرفي، على العموم السماء تبقى هي نفسها: " قرآن العراق".
• انقسام المجتمعية الى "سماوية" و "أرضية"، مفهوم يستحق التوقف والايضاح اللاحق.