البصرة المريضة في عراق لا يموت

Submitted on Tue, 03/12/2019 - 13:40

سعد القرش

يستغني أي بلد دينه القانون عن زحام لافتات تؤكد محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين... لكن العراق الذي ابتدع القانون في فجر التاريخ عاد إلى طفولته، فانتصبت صور رجال الدين، الشيعة بالطبع، يعظون في السياسة.

لا يعلن العارفون بسيكولوجية المسرح وفنونه، قبل بدء العرض أو بين فصول المسرحية، عن موت كبير، أو وقوع فاجعة “تفصل” الحضور عن الوهج وتخفض منسوب البهجة، وتعكّر المزاج الجاهز لاستقبال الفرح.

ولكن شاعرة كردية فعلتها، في مهرجان المربد مساء الخميس 7 مارس 2019، في قاعة الفراهيدي قبل أن تلقي قصيدة بالكردية لم يترجمها أحد لجمهور أغلبه عربي. أعلنت الشاعرة عن قتل تنظيم داعش لبضعة مقاتلين من الحشد الشعبي، من اللواء السابع، في بلدة طوز خورماتو القريبة من كركوك.

الخطر الداعشي ليس مجهولا تماما من يغذيه بالأفكار والأموال والأنفس والسلاح، ويستفيد من شبحه، هو حقيقة لها ضحايا لا تُرفع باسمهم لافتة تذكّر بطبيعة القاتل. ومعه يوجد خطر إيراني يشعر بوطأته ويشكو منه كل بصريّ.

ولإيران وللدواعش ضحايا عراقيون ومشاريع ضحايا، والأوْلى والأكرم لهؤلاء الشهداء أن تؤطر صورهم مقترنة بإشارة إلى قاتل لا يعتذر عن جرائمه، ويصرّ على رفع السلاح، بدلا من تكفين شوارع البصرة وميادينها بفرض عين جنائزي يحمل شيئا من المفارقة، “لكي لا ننسى.. قتلهم بعثي”.

أذهب إلى البصرة قادما من العاصمة العراقية. ولمن لديه طرف من خبر بغداد سيحزن على عنوانها، على المطار الذي كان الأول عربيا في حركة السفر، قبل مطار دبي آنذاك، ثم أصبح لا يليق إلا بمدينة صغيرة في دولة فقيرة، والعراق غني، غني جدا غني أكثر من معنى الثراء المادي. بعد وصولنا إلى مطار بغداد سَكَنَتْ قاعة الوصول، خلت من الحركة، ثم استقبلت بعد ساعة رحلة لفريق رياضي عربي. ثم هدأ مطار مدينة كانت يوما عاصمة الدنيا، ورمزا للقوة والتفاعل الحضاري والتسامح الإنساني، وألهمت الشعراء والموسرين وعشاق الحياة معنى “البغددة”. ما يجمع بين البصريين هو الوعي بقيمة الحرية، ويجمعون على التذمر من فساد لا يخجل منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وهم عادة يقولون "بعد السقوط"

وكان مطار البصرة أقل حظا، وحال الظلام دون قراءة الكثير من معالم الطريق المؤدي إلى شيراتون البصرة، حيث يقيم ضيوف مهرجان المربد الشعري الثالث والثلاثين (6 و9 مارس 2019). وفي الطريق لمحت لافتة غريبة “جيراننا أصدقاؤنا لا أسيادنا”.

في الضوء الشحيح لم أتمكن من التدقيق، ولم أستطع التأكد من بضع كلمات تشي بالعجز وقلة الحيلة والشعور بالهوان، هواني بالطبع؛ فلا أتخيل شعارا أو إعلانا مثل هذا في دولة أخرى، إلا إذا كانت خاضعة أو خائفة تتوسل الرحمة. والصداقة الحقيقية بين الجيران لا ترتبط بعنوان على راية في طريق المطار، فالجار المتكبّر لن يقرأ هذه الكلمات التي لا تزيد العربي إلا حزنا على المصائر. ولا أتوقع لافتة مشابهة على الضفة الشرقية لشط العرب.

تحاصرني كلمات “لكي لا ننسى.. قتلهم بعثي” وأتأمل صور شهداء صار للبعض منهم بنون وأحفاد، ولا أعرف مدى اتفاق أهالي الشهداء على هذه الصيغة الموحدة المعممة؛ لكي تظل أصابع الإدانة تشير بالاتهام إلى عدوّ أصبح بحكم التاريخ والأمر الواقع مجرد تاريخ، وما هذه الصور والشعارات إلا تحنيط لفترة طالت أكثر
مما ينبغي، ويريد المنتقمون والمستفيدون من الذكرى تثبيت الزمن، حيث لا يوجد مجال للثأر من سراب، في حين لا يحظى عدوّان حاليان بهذا القدر من الغضب الجنائزي.

أتأمل المزيد من الصور، وأخشى أن يؤدي هذا الإلحاح على التذكّر إلى شيء من اللامبالاة؛ فذكرى الشهداء مقيمة في القلوب، وتستعلي على التظاهر بها. وفي لقاء بالقرب من تمثال بدر شاكر السياب، قلت لأكاديمي وشاعر عراقيين، ألتقيهما للمرة الأولى ولا أعرف اسميهما، إن السياب هو “المتغلب بالشعر”. وكانا بالطبع يلمّان بقاعدة في الفقه السني عن حكم طاعة الحاكم “المتغلب بالسيف”.

أدركا بالطبع ما لم أقله عن صمود تمثال السياب طوال الحرب العراقية الإيرانية، وبقائه شامخا بهيا بعد إزالة تماثيل أرهقت أعين العراقيين عدة عقود، وصارحتهما بأن ألمانيا بعد العام 1945 لم تشغل فضاءها العمومي بهذا الشعار “لكي لا ننسى.. قتلهم نازي”، فقد صار النازي تاريخا، وليس من الحكمة رهن المستقبل بالماضي، وتعليق الفشل على “عدو” لا يملك عشيرة تدافع عنه. فقال أحدهما إن “العشيرة” هي مفتاح هذا السر، نحن أقرب إلى الروح القبلية في صعيد مصر، ولهذه التقاليد سطوة وقدرة على إدارة الكثير من الأمور، وللشهيد منزلة لا يصح التقليل من شأنها.

ولم يتسع المجال للإفاضة عن دهاء الساسة وقدرتهم الشيطانية على تحويل البوصلة واختيار نوع العدو، وأقصد مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، إذ علقت في الشوارع ورسمت في الميادين صور شهداء مساكين قتلهم رجال الشرطة في المظاهرات السلمية.

إيران وللدواعش ضحايا عراقيون ومشاريع ضحايا، والأوْلى والأكرم لهؤلاء الشهداء أن تؤطر صورهم مقترنة بإشارة إلى قاتل لا يعتذر عن جرائمه، ويصرّ على رفع السلاح، بدلا من تكفين شوارع البصرة

وبالإجراءات الطبيعية حصل القتلة على أحكام قضائية بالبراءة. ثم دارت الدائرة، واستهدف الإرهاب باسم الدين كنائس وجنودا وقضاة ومواطنين، وتم تغييب الشهيد اليتيم ونسيانه، وأطلقت أسماء شهداء الشرطة والجيش على المدارس، وأصبحوا وحدهم “الشهداء”. كما صار ضحايا البعث وحدهم محل التكريم، ولهم قداسة رسمية تسري في أثر “بعثي” لا أظن بقاءه موضع إجماع شعبي وطني، وأقصد “الله أكبر” في علم بلد يضم أتباعا للديانات الإبراهيمية والصائبة والإيزيديين وغيرهم.

يستغني أي بلد دينه القانون عن زحام لافتات تؤكد محاربة الفساد، ومحاسبة الفاسدين، وغير ذلك من البديهيات. ولكن العراق الذي ابتدع القانون في فجر التاريخ عاد إلى طفولته، فانتصبت صور رجال الدين، الشيعة بالطبع، يعظون في السياسة. وحضور الكلمات أحيانا يدل على غياب المعنى. وما أكثر الكلمات في البصرة، ففي واجهة مؤسسة شرطية تجد “الشرطة فوق الميول والاتجاهات”، في تعريف للماء بالماء.

البصرة التي تؤهلها ثرواتها الطبيعية لتكون من أغنى عشر مدن رهينة الحزن، ولكنها كالعراق يمرض ولا يموت. وما يجمع بين البصريين هو الوعي بقيمة الحرية، ويجمعون على التذمر من فساد لا يخجل منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وهم عادة يقولون “بعد السقوط”.

بهذا الوعي والنزوع إلى الفرح تشعر بالتفاؤل، والرغبة في الحياة، تجدها أيضا في حركة الأسواق، وزحام التعاملات في شركات تحويل الأموال، وفي حركة نشر الكتب والحفاوة بالغناء والشعر الذي يتنفسونه ويحفظونه، كما يعرفون أقدار شعرائهم. ولكن، أي شعر في سياق سلفي طائفي؟ سؤال صعب، ومن حسن حظي أن ينتهي المقال؛ لأفكر بهدوء في الإجابة.

موقع جريدة " العرب"