اكتشاف قانون المجتمعية الكوني؟؟/4

Submitted on Tue, 03/12/2019 - 22:03

عبد الامير الركابي

تحت نفس السماء، نريد ان نعلن من دون تواضع كاذب، ان العالم مقبل اليوم على انقلاب اعظم، وان هذا التحول الكبير، ينتظر الانقلاب الممهد واللازم الموازي في مجال الرؤية، ووعي مسارات المجتمعية والتاريخ، وصيرورة العالم، والكائن البشري ومصيره. هذا يعني ان اشكال التصورات المتداولة الى اليوم، هي في طور الزوال، ومنها بالطبع نظريات المراحل الخمسة الماركسية، وبالذات فرضيتها عن "المرحلة الشيوعية" التاسيسية الأولى، غير الموجودة، لافي أمريكا قبل الغزو الابادي الأوربي، ولا في بلاد المايا والازتك، ولا في ارض الرافدين والنيل، وهما اعرق من اوربا واقدم، ولايالطبع في الجزيرة العربية، ومعظم الشرق، وافريقيا، مع احتمالات وجود ملامح منها، او استمراريتها كنمط دائم، غير متبوع ببقية أجزاء المخطط الخماسي العبودي الاقطاعي البرجوازي ومابعده افتراضا.
والمجتمعات البشرية التي يتصورها، او تصورها الأوربي الحديث، واحدة على مثاله وشبهه هو، احادي ماخوذ في نهاية المطاف، وبحكم احاديته، للإيحاء في افضل الاحوال بانتقال "الانسايوان"، الى " الانسايوان السعيد" الاشتراكي، بينما المجتمعية مصممة لكي تتعدى كصيرورة، "الانسايوان"، الى "الانسان"، باعتباره الطورالطبيعي اللاحق، والذي يعقبة ويحل محله، متعديا المجتمعية، وهو مايتوافق مع حقيقة الاليات المجتمعية الثلاثية الانماط كما هي موجودة كوكبيا:
ـ نمط ازدواجي مجتمعي ( وهو نمط فريد اختصت به ارض الرافدين من دون المعمورة)
ـ "احادي دولة" مثاله الاعرق حالة وادي النيل، واعلى اشكاله دينامية وانشطارا ازدواجيا "طبقيا" ارضويا، الأوربي.
ـ مجتمعات "لادولة أحادية" مثالها أمريكا قبل الغزو الاستيطاني الابادي الأوربي، وامريكا اللاتينية، وأستراليا، وبعض افريقيا، وأجزاء من أسيا. 
ـ أنماط مختلطة.
اما مااقترحه وتصوره ماركس، فيمكن احالته للحظة من التاريخ، كانت مفعمة بنفس الانتصارية التاريخية، النموذجية والنمطية، في غمرة فصل تاريخي هام، ومفعم بالأهمية الفاصلة، والانتقالية التي تجيز إدخاله باب مؤشر النهاية، ضمن قانون المجتمعية المرتكز لمسار أخرابعد هو التالي:
ـ (تبدا المجتمعية البشرية الأرضية بالازدواج المجتمعي، وتنتهي ب " بفك الازدواج"،وبين اللحظتين والمحطتين تغلب، لابل تسود منظورات الأحادية وصولا لنهايتها المتمثلة في اخر واعلى تلك الرؤى كما هي قائمة في الطور الأوربي الأخير الحالي ،والانتصارية الاحادية تعللها ضرورة توفير الأسباب المادية والمفهومية الضرورية للانتقال الأكبر نحو مابعد مجتمعية).
وهذا القانون الشامل، والمحكوم لاليات تحقق تبدا من أولى محطات اللادولة، والعيش على حافة الفناء السومرية، قبل توفر أسباب الازدواج اللاحق، هو قانون مشترك بين المجتمعيات كلها، فالازدواج النموذجي الرافديني الأعلى، له مايردد صداه، في المجتمعات جميعا، انما بدرجات واشكال ومستويات، كافية ـ بالإضافة الى التوضع المجتمعي الجغرافي، وتوزع المجتمعية على القارات ـ لنشوء آلية كونية موحدة في نهاية المطاف، تنتهي بشمول قانون الوجود على حافة الفناء، المجتمعيات برمتها، وهو مايكون مقاربا ومتداخلا مع زمن " فك الازدواج" في ارض الرافدين وعلى المستوى العالمي.
ولايتحقق الانتقال الأكبر، واستقامة الظاهرة المجتمعية واتساقها مع القانون الكامن خلفها كظاهرة، عند هذا المنعطف الأكبر، الا بالصيغة الالصق، والاقرب لنوع الانتقال الحال على الكائن البشري بصيغته الانسايوانية، وهو يغادر الزمن السابق على اجتيازه العتبة التي هو عليها حاليا، ليبقى مشمولا بلحظة مؤقتة سابقة، مضطربة مشوشة، مباشرة قبل بدء لحظة مغادرة الكائن العاقل الجسد، ومع هيمنته كبقية من متبقيات طور الصيرورة الأولى الحيواني المستمر من الخلية الأولى، عبر السمكية والعضية، واللبونات، الى الكائن المنتصب القادر على استعمل يديه، وله عقل انبثق فيه، كبذرة خاضعه لاحكام الصيرورة، والطور النشوئي الارتقائي الثاني العقلية بدل الجسدية الحيوانية الأولى*.
من اين يأتي القول بمثل هذه "النظرية" المخالفة، والتي تقلب ماهو معروف ومتفق عليه وشائع في العلوم التطبيقية والإنسانية، وماهي الاسانيد والاختبارات التي تتيح لمثل هذا التصور، ان يعامل بصفته "حقيقة"، ومن اين يأتي صاحب هذا الراي الخطير، بعلومه، وعلى أي القواعد الثاته المثبتة استند؟ كل هذه بالطبع محاجات أحادية، وهي بالطبيعة والكينونة اشتراطية ذاتية، لاترى الا ماهي عليه، واكثر من ذلك هي في المعتاد اقل اعتبارا لما تسمية وتدعية من "علموية"، لانها اقتناعية كلية بحدود ما تراه وتلمسه، بما في ذلك اذا كان ماهي فيه وتستطيع ان تصله وعيا ، اقل من الحقيقة البشرية الموضوعية، وربما اقرب الى الحيوانية التي ماتزال الى الوقت الحالي، هي المحرك الطاغي على عمل العقل، برغم جهاد هذا ومحاولاته المنبثقة من حكم الصيرورة، كي يتحرر من وطاة ماظل عالقا به كحكم انتقال لازم، من طور ومرحلة النشوء الحيوانية الأولى، المنقضية عند لحظة انبثاقه.
لايجوز قطعا توقع انبثاق منظور مطابق للحقيقة من خارج بنية بذاتها، وخارج كينونتها، وهذا ينطبق بداهة على الموضع المنطوي على الحقيقة المجتمعية الكونية المضمرة، والخارجة عن الادراك العقلي الى اليوم، للتعذرالعقلي، وبسبب انتماء النمط الازدواجي الرافديني، لما يتفوق على الطاقة المتاحة للكائن الانسايوان عقلا، الامر الذي صار ممكنا الاستدلال عليه بالملموس عند مقارنة علاقة العقل بالظاهرة المجتمعية في الغرب الحديث، وتاخرها الطويل واحتمالية استمرار عدم اكتمالها لما وراء بتلهايم وماكس فيبر وماركس.
والمجتمعية الازدواجية الرافدينية ظلت على مدى التاريخ، خارج الافتكار، ومما تتعذر الإحاطة به، في الماضي خلال الدورتين الحضاريتين، واليوم مع انقضاء ثلاث حقب من الدورة الثالثة الراهنة، واخرها الايديلوجية المستعارة الحزبية "الوطنية" ماقبل "الوطن كونية" المطابقة للبنية الازدواجية الرافدينية، وتجليها الامبراطوري التاريخي، مع عدم استبعاد خاصية تلازم المحلي بالكوني، وهنا أيضا يمكن الاستدلال بالمنجز الغربي الذي اعتبر ومايزال مااكتشفه منذ قرابة قرن ونصف قرن، هو "العالم"، والحتم المعمم، سواء البرجوازي، او الاشتراكي الشيوعي.
مع اكتشاف اليات التاريخ الرافديني، يكتشف حتما القانون الناظم للتاريخانية المجتمعية، باعتباره مسار تحول باتجاه اللامجتمعية، ونهاية عصر الانسايوان والاحادية الارضوية التابيدية، وتصير المجتمعات البشرية على مشارف "فك الازدواج المجتمعي"، والامر هنا لايخلو من ابهام يصل حد التناقض، فكيف يكون النمط، او النموذج الرافيديني متضمنا القانون المقرر على المجتمعية على مستوى المعمورة، ولايكون الانشطار الطبقي الأوربي، كما ادعى في حينه، هو الأكثر انطباقا على المقتضيات الوجودية للكائن الحي؟
ليس بيدنا مصباح تفكر سحري، بمقدورنا استعماله كي نرجح الازدواج المجتمعي الرافيديني على الازدواج الطبقي الأوربي، ونضعه هو لا الأخير، بموقع الصدارة في عالم الفعالية الوجودية، وكما ان الغرب لم يكن يملك مايدلل به قطعيا، على تصوره عن نفسه ومكانه التاريخي، لانملك من جهتنا غير التصور والاعتقاد، مع محاولة الاستدلال بالفحص العقلي والتاريخي، مع فارق كوننا ندل على لحظة من التاريخ، تبدأ ملامحها بالتحقق الواقعي، مايفتح الباب اليوم لمواصلة المتابعة العيانية المباشرة، مع البحث في المجريات، وفي اتجاهات الحياة الانسايوانية كما تشارف تباعا على التحول والانتقال.
ويبقى الأهم والحالة هذه، الإفصاح الممكن عن مايعنية "فك الازدواج " كفهوم وكواقع متصور، ومعتقد انه وشيك التحقق، ودخول الحياة البشرية. فهنا بالذات سيكون لهذا الاكتشاف الوطن كوني، المضمر، والمماط اللثام عنه متاخرا، قريبا من التطبيق، وابعد بخطوة عن النظرية المجردة، بمعنى حظوته وتميزه بقوة المتحقق المنظور. ان العالم متجه من اليوم وبالأخص في العراق كبداية، الى الصيغة الثانية من صيغ العيش على حافة الفناء وتوقف وبدء استحالة فعل الانتاجوية الارضوية، اليدوية والالية، وحلول العقل كقوة انتاج رئيسية، أي "الإنتاج العقلي" التكنولوجي، المفضي لزمن رجحان العقل وبدء التخلص من هيمنه الجسد والارضوية، ان ارض "مابعد النهرين"* من هنا فصاعدا، هي ارض الانقلابية، في المدى القريب، ليس ابعد من عقدين من الزمن، حين يتعطل فعل الريع النفطي، ويغيب النهران، ويكون تعداد نفوس العراقيين 70 مليونا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتت
• مع الأهمية القصوى للمنجز الداروني فانه يتوقف عاجزا عن وعي استمرارية النشوئية والصيرورة البشرية بعد ظهور العقل، فلا يرى للكائن الحيواني الذي انبثق فيه العقل أي مستقبل او نشوئية ثانية، الامر الذي سنعالجه لاحقا، متتبعين اثاره الايهامية ومنها إضفاء صفة الانسان الخاطئة على الانسايوان.
• ليست هذه التسمية موضوعة عرضا او سهوا، فالعراق في اخر الزمان الحالي، لم عراق مابين النهرين بل " عراق مابعد النهرين".