نداء للعالم .. وللعراقيين بالمقدمة/أ ؟؟

Submitted on Fri, 03/15/2019 - 14:49

عبد الامير الركابي

ليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها تطابق الخاص والعام، فاوربا مع نهوضها وترسخ عقلانيتها الحديثة، اطلقت في القرن التاسع عشر، نظريتها الطبقية، معممة تلك الخاصية الانشطارية المجتمعية الافقية على العالم، ومقررة شمولها المعمورة، ومختلف مجتمعاتها، لابل والحقت ذلك وادمجته بقانون بلغ حد "الحتمية"، تقرر بموجبه انتقال المجتمعات الى " الشيوعية" باعتبارها مسارا حتميا مرهونا لقوانين وحكم ديالكتيك، مع تدخل الوعي، وصولاالى ، او ايحاء بما يمكن اعتباره، بلوغ الكائن البشري طور التحكم بحركة التاريخ، او تسريع مساراتها بالتناغم مع الياتها، ووعي منطويات وجهتها.
ولم يكن ماقد اعلنه ماركس وانجلز في حينه، وعززاه بمجهود ضخم من التحليلات والبحوث الثاقبة والضخمة، اكثر من اقتراب متقدم من خاصيات موضع بعينه من العالم، كان قد تمكن قبل ذلك من تحقيق الثورة الكبرى البرجوازية، مما سهل افصاحه عن بنيته، واهم خاصياتها بغض النظر عن صوابيه ماقد بنى على ذلك من تصور وتعميم، استحق ان يوضع موضع الاعتبارعلى نطاق واسع، هذا اذا لم يتم تبنيه والترحيب به كمنجز متحقق لصالح بني الانسايوان، والفقراء والمضطهدين من بينهم، عدا كونه موئل امل كبير، لاقى على مستوى المعمورة أوسع تاييد وتبن لفكرة ظهرت في العصور الحديثة، لدرجة ذكرت بنمط الايمانات النبوية المعروفه المعبرة عن مجتمعات اللادولة، والموصوفة ب "الدينية"، فلم يتردد الكثيرون في اطلاق تسمية "دين العصر" على ماقد انجزه ماركس ورفيقه انجلز وقتها.
ولايشمل الانخرط ضمن تيار هذه الحركة، او الظاهرة، الاعداد الكبيرة على مستوى المعمورة من مناهضي الاستعمار، والسيطرة الراسمالية الامبريالية، كما من هم بموقع من يقع عليهم الظلم والاضطهاد الطبقيين، وشتى اشكال التمييز الملازم لبنية المجتمعات، بل اجتذب أيضا قوى التفكير، وقطاعات كبيرة حية من طاقة الثقافة المنخرطة في الحياة، ومنها عقول لامعه او مطبقين عمليين، تميزوا بالبراعة، والاستعداد للتضحية، وكل هذا كان قد جعل من الظاهرة البرجوازية وصعودها تكتمل بنقيضها، وبوحدة ازدواجها العضوي، والتي لايمكن بحال تصورها ،او تخيل عالميتها مع افتقار لعالمية وصعود نقيضها، بالاخص اذا اخذنا تجليات الظاهرة او الثورة البرجوازية من خلال حضورها العالمي المتوازي، ناهيك عن تجليها الأول ضمن الدائرة الاوربية التي انبثقت ضمنها، حيث تأخذ بالخضوع على المستوى الكوكبي، لمؤثرات وفعل اشتراطات غير تلك الخاصة بموضع نشأتها وتحققها، وهو ماينطبق على سيرورتها اللاحقة، وعلى مجمل الياتها ومآلها.
ولم يكن لظاهرة من هذا الحجم والنوع، ان تنتقل هي ذاتها، من تدبر والانكباب على، لابل الحرص على تعظيم وترسيخ نفسها كظاهرة، بغض النظر عن ايه عوائق قد تقف بوجهها، الى رؤية مايمكن ان تكون قد تسببت في ايقاظه من مخبئات التاريخ والمجتمعية، فاصرت على نفي الاحتمالات الخارجة عن الانضواء ضمن القانون التاريخي التاريخاني البرجوازي الحديث، واحجمت، لابل هي عجزت، عن ان تتابع حقائق ومنطويات الفصل الثاني من تحققها على مستوى المعمورة، مع احتمالات مايتجاوزها.
ونعثر هنا على الخاصيات الانسايوانية العقلية البديهية، ودرجة ونوع خضوعها للاشتراطات الجسدية الارضوية، ومقاربتها الغائية الجسدية البواعث، و"الواقعية"، او " العقلانية" بما هي حزمة التدبير الوجودي المادي المباشر، والتي تصف العقل، وتجعل منه عادة وسيلة مهمتها ضمان "الأنسب" و"الاصلح"، بمعنى الموافق لتامين الحاجات الحيوية الراهنة، وضمان مايعتبر افضل أنواع العيش، ناهيك عن الامتناعات الآنية، والانسدادات الحائلة دون خرق العقل لماهو ضمنه من متحقق، كان في حينه مما لايمكن اجتيازه تصورا، او رؤية احتمال مابعده.
وثمة مايجب وضعه بالاعتبار من مسوغات الحالة المنوه عنها، كخاصية تمخض عنها النهوض الغربي الهائل الحديث، تكمن في واقع الاستحالة الموضوعي المجرد، المتعدي لطاقة العقل الغربي، وهو منغمس فيما هو مصمم للتطابق معه بنيويا خلال لحظة انقلاب كبرى، مع مايتطلبه ذلك من غرق كلي، و انشغال استثنائي، من جهة، وتطلب إمكانية خروجه على النطاق الخاص به، صوب منطويات أخرى، واحتمالات مجتمعية وتكوينية بنيوية مغايرة ومختلفة، بالاخص وان هذه لم تكن قد عبرت باي شكل من الاشكال عن ذاتها بعد، ولا لوحت بما يدل على حضورها الفعال الآني، وبغض النظر عن قصورات العقل، وتدني قدراته بإزاء الظاهرة المجتمعية تاريخيا وبالمطلق، فان مانريد التنبيه له، كان أصلا مشروطا بالظاهرة الغربية الحديثة، وبالتفاعل الصراعي معها كشرط، قبل بدء افصاحه عن ذاتيته، وعن كينونته كطرف حاضر في الصراع الأخير، الناشب بفعل الظاهرة الغربية الراسمالية وحضورها المباشر.
فما كان لارض الازدواج الرافديني، ان تخرج من تاريخها الطويل، حيث استمرت ذاتيها غائبة ومتعذره على العقل، الا بعد زمن، استمر لقرابة القرن منذ حضور الغرب الى العراق، وسعيه للسيطرة عليه، والحاقه بمشروعه التسلطي الهيمني، نموذجا وفكرا وكيانية، مااوجب وقتها غلبة منظورات الحداثة على مستويي الدولة المقامة من قبل الاستعمار لأغراض "الحكم من وراء ستار"، او الدولة الريعية العقيدية القرابية اللاحقة زمنيا، كضرورة لامجال لتحاشيها. حيث صارت "الوطنية الحزبية الايديلوجية"، هي الدولة المختارة لتصفية "اللادولة"، وإيقاف عجلة التشكل الامبراطوري الازدواجي الرافديني الحديث، اي النمط المجتمعي المركب الارقى والاعلى بنيويا من بين أنماط المجتمعات الأخرى، ذات الطبيعة الأحادية، بشكليها الدولة، واللادولة، ومن ثم الابعد عن نطاق الإحاطة العقلية، اذا ماقورنت بالحالة الأقرب الاوربية التي لم يمض على تعرفها على نمطها الازدواجي الطبقي المقابل، سوى عقود سبقت وصول الغرب الى العراق بداية القرن العشرين.
يعني ذلك ان أسباب التعرف على مكنونات البنية الاجتماعية الرافدينية، وبالأخص الازدواجية، وعلى وجه الخصوص "مجتمعية اللادولة"، كانت خارج الادراك، وممايلايمكن افتكاره، وهو ماعجز عنه ليس الغرب واليات افتكارة في حينه، بل وأبناء ارض الر افدين انفسهم كما كانوا وظلوا تاريخيا، وعلى مر دورتين تاريخيتين، قبل الراهنة الثالثة المبتدئه من القرنين السادس والسابع عشر، وكل هذا كان من شانه تعزيز مكانة ووجاهة الظاهرة الغربية، وموضوعاتها، ونموذجها، وتكريسه وكانه الحقيقة التي لاتضاهى، ولايمكن التفكير بما يتعداها، الى ان صدع العقل الرافديني العراقي في الحالات التي تسنى له التفاعل مع اللحظة الحداثية الاوربية، فحضر في حال حضوره، اتباعا واستعارة، لااثر فيهما لاية ملامح تململ تذكر، او افتراض احتمالية أخرى، بينما تكرست إزاء الاليات المضمرة وفعلها غير الملحوظ والمدرك، أنماط من العصبوية الحزبية والايديلوجية الاختزالية، لاتمت بصلة حتى للغرب ومفاهيمه، وطريقة تعامله مع ماقد انجزه، وتحول بداهة وموضوعيا، الى حياته وممارسته المتفقة مع كينونته وبنيته.
كل هذا ابقى "الوطن / كونية" العراقية المقابلة للغربية تاريخيا، والمواكبه موضوعيا للازدواج الامبراطوري، خارج الافتكار، مع ان سياقات الحياة واليوميات الناشئه تحت وطاة وظل حداثة الغرب، كانت تجافي، ولاتستجيب لمقاييس الغرب المتعارف عليها، ولاتتوقف عن التفلت عن كافة أنواع الصياغات والتقديرات، أواشكال الخطط الموضوعة، ابتداء من اضطرار الإنكليز عام 1921 لاعتماد مبدا "حكومة من اهل البلاد تكون واجهة للنفوذ" أي الشكل الأول المبكر من اشكال ماعرف بعد أربعة عقود باسم "الاستعمار الجدديد"، بعد ان وصل المستعمرون عام1914 الى الفاو اقصى جنوب العراق، مشبعين بالنظرية الهندية الاستعبادية في الاستعمار، وهي اللحظة التي فات العقل ان يؤرخ معها لانكسار الظاهرة الاستعمارية بصيغتها الكولونيالية القديمة عالميا، لتعود الدولة المفبركة لغرض "الحكم من وراء ستار"، فتفقد قدرتها على الحياة والاستمرار كليا مع نهاية الاربعينات، مااوجب نمطا من التصرف القمعي التصفوي الشرس، لم يؤد للنتيجة المطلوبة منه، ولم يظهر كمنقذ لمثل تلك التدبيرات غير المجدية، الا مع عامل الريع النفطي،واعتماد منهج "اعالة المجتمع"، مع ان هذا المنحى لم يكن حتى هو ممكنا، الا بايداع السلطة والحكم الى القوى الحزبية، مشكلة مايسمى "الوطنية العراقية الايديلوجية الحزبية الحديثة".
في هذا الاطار جرى بعد ثورة 14 تموز 1958 وضع التدبيرية الثانية، بتحوير الأحزاب " الوطنية" ونقلها من "المعارضة" والارتباط بدفع مجتمع اللادولة الاسفل، الى "الحكم". بمزيج من وسائل التصفيات الدموية، والادخال الكلي للريع النفطي ضمن مقومات حياة الدولة الأساسية، وهذا وغيره من ظواهر بارزة، كان يعني بمالايدع مجالا للشك، بان "الوطنية العراقية" لم تنشا، ولم تقم لها قائمة في العصر الحديث، وانها ظلت مؤجلة وحاضرة كبديل مستعارعن غائب، متعذرة الحضور، الى مابعد طور الوطنية المستعارة، المفبركة ضمن عموم فبركة الغرب للكيان العراقي الحديث وملحقاته، ومايضاده، لابل والى انهيار تلك الطبعة من "الوطنية" الحالي، وطنية ماقبل الوطنية الازدواجية الإمبراطورية التحولية الرافدينية، المنتظرة، والتي يلح انبثاقها اليوم، ومن هنا فصاعدا على انقاض ماقد سبق وكان عارضا، مؤقتا ولازما بحكم التاريخ وموجباته القاهرة.
ـ يتبع ـ