المسلسل التركيّ الطويل نحو المزيد من الدراما‎

Submitted on Tue, 03/19/2019 - 01:31

محمد صالح الفتيح

ثلاثةُ أعوامٍ ونحن نراقب تركيا وهي تنوس بين الولايات المتحدة وروسيا. تتوتر العلاقات الروسيّة التركيّة الهشة في أكثر من مناسبة، ولكن من دون أن تنهار، ولكن كذلك من دون أنّ تتطور وتنضج بما يسمح بتسوية تفاصيل مهمة من الحرب السوريّة. تتعدد مؤشرات عودة أنقرة إلى بيت الطاعة الأميركيّ، قبل أن تعود لتدفع، وواشنطن، تحالفهما التاريخيّ […]

ثلاثةُ أعوامٍ ونحن نراقب تركيا وهي تنوس بين الولايات المتحدة وروسيا. تتوتر العلاقات الروسيّة التركيّة الهشة في أكثر من مناسبة، ولكن من دون أن تنهار، ولكن كذلك من دون أنّ تتطور وتنضج بما يسمح بتسوية تفاصيل مهمة من الحرب السوريّة. تتعدد مؤشرات عودة أنقرة إلى بيت الطاعة الأميركيّ، قبل أن تعود لتدفع، وواشنطن، تحالفهما التاريخيّ إلى حافة الهاوية، ثم تتراجعان، ولكن من دون تحقيق خروقات. هكذا مضت السنوات الثلاث الماضية منذ منتصف العام 2016، عندما أعطى أوباما الضوء الأخضر للوحدات الكرديّة لعبور الفرات بعدما انتهت مهلة الأشهر الستة التي طلبتها أنقرة لطرد تنظيم «داعش» من الشمال السوريّ. منذ ذلك الحين تصالحت أنقرة مع موسكو وتعاونت معها، فأثارت حفيظة واشنطن، ولكن من دون أن تقطع شعرة معاوية معها.

قد يكون من المبالغة تفسير ما حصل بالدهاء التركيّ. فما حصل كان نتيجة الظروف الجيوسياسيّة للمنطقة والمتغيرات التي تمر بها الدول الثلاث. روسيا تواجه عقوباتٍ وضغوطاً غربيّة وتحدياتٍ اقتصاديّة لم تترك لها الكثير من الخيارات في محيطها المباشر، فوجدت في تركيا شريكاً في ملفات عدة، منها سوريا والغاز والتجارة. الولايات المتحدة الحائرة في رؤيتها للعالم والتي وإنّ لم تمتلك رؤيةً استراتيجيّةً واضحة لما يجب القيام به، تدرك أنّها يجب ألا تخسر تركيا لصالح روسيا. وتركيا من جانبها لم تملك رؤيةً استراتيجيّةً لموقعها بين القوتين العظمتين، ولا لطبيعة علاقاتها بدول المنطقة ولا لطبيعة النظام الإقليميّ الذي لا يزال في مرحلة التبلور.

يحصل لقاءٌ حميمٌ بين أردوغان وصهر ترامب، جاريد كوشنر، وبيرات البيرق، صهر أردوغان ـ والمتهم بأنه يده التنفيذية في كل ما يتعلق بالفساد ـ في مستهل جولة كوشنر للترويج لخطة حماه، ترامب، لتحقيق «الاتفاق الكامل» للسلام في الشرق الأوسط. ثم تعيد أنقرة مطالبتها واشنطن بتسليم رجل الدين فتح الله غولن، الذي تتهمه بالتورط في المحاولة الانقلابية الفاشلة صيف العام 2016. بعدها بأسبوع، تزور زوجة ترامب إحدى المدارس التابعة لرجل الدين التركي فتح الله غولن، فيما مولود حلمي تشينار، أبرز مساعدي غولن، يلتقي مسؤولين أميركيين في منتجع «مارالاغو» الذي يملكه ترامب. توازيًا، يرفع ترامب اسم تركيا من نظام المعاملة التجارية التفضيلية التي تقدم إعفاءات جمركية لحزمة واسعة من البضائع التركية، وتعيد الإدارة الأميركية التذكير بأن الصفقات العسكرية لتركيا معلقة بانتظار تخلي تركيا عن صفقة منظومة S-400. يغضب أردوغان، فيؤكد أنّ بلاده ستمضي قدماً في صفقة منظومة S-400 للدفاع الجوي، بل وأنها تدرس التعاقد على منظومة S-500! وبالتزامن مع هذه الأحداث، تستقبل تركيا في موانئها السفن الحربية الأطلسية التي دخلت لإجراء مناورات في البحر الأسود. وبمجرد انتهاء المناورة الأطلسيّة التي استفزت موسكو، تجري البحريتان التركيّة والروسيّة مناوراتٍ في البحر الأسود.

تركيا مع من اليوم إذاً؟ ومع من ستكون غداً؟

تبدو هذه الأحداث وكأنها مشاهد من مسلسل تركيّ طويل لا ينتهي. ولكن إن لم يكن هناك نهاية قريبة، فالأكيد أن هذا المسلسل يقترب من تصعيد درامي كبير.

من المستبعد أن يُظهر أردوغان أي مرونة في موقفه من الولايات المتحدة هذا الشهر، فالانتخابات المحلية التي تجري نهاية آذار الحالي تتطلب منه استخدام كل أدواته الشعبويّة والدراميّة. ولا أدلّ على هذا من قيامه الأسبوع الماضي بترديد أبيات الشعر التي كانت السبب في سجنه منذ عقدين من الزمن. التصعيد الدراميّ المتوقع سيكون مع بداية هذا الصيف، مع استحقاق 180 مليار دولار من الديون التركية في تموز. 146 مليار دولار من هذا المبلغ هي ديون مترتبة على القطاع الخاص والمصارف الخاصة التركية، والباقي على الحكومة والقطاع العام التركي. ومن بين ديون القطاع الخاص، هناك حوالي 47 مليار دولار هي قيمة ائتمان تجاري، وهذا يمكن بسهولة نسبية تمديد فترة سداده. المئة مليار من الديون المستحقة على القطاع الخاص هي المشكلة. الخيار الوحيد هو اللجوء لصندوق النقد الدولي. هذا الخيار معروف ومتداول منذ العام الماضي، إلا أن أردوغان يرفضه ويشجبه علناً. هل تنجح تركيا في الحصول على المئة مليار دولار التي تحتاجها الشركات الخاصة التركية لكي تتجنب الإفلاس من صندوق النقد الدولي؟ هذا المبلغ يعادل ضعف القرض الذي قدمه الصندوق في العام الماضي للأرجنتين (57 مليار دولار)، علمًا أن القرض ذاك يعدّ الأكبر في تاريخ صندوق النقد الدولي. فهل تستطيع أنقرة الحصول على قرض مشابه أو أكبر منه من دون رضا واشنطن؟ في العام الماضي، رفض صندوق النقد الدولي مساعدة باكستان بسبب الضغوط الأميركية على خلفية مشروع الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني ودور باكستان في ما يعرف بطريق الحرير الصيني الجديد، فلجأت باكستان إلى الصين والسعودية، فإلى من ستلجأ تركيا؟

التصعيد الدراميّ المتوقع سيكون مع بداية هذا الصيف، مع استحقاق 180 مليار دولار من الديون التركية في تموز

واشنطن من جانبها لا تظهر أي تراجع، بل إنها رفعت من ضغوطها مؤخراً ولمّحت إلى أنها قد تعاقب تركيا عبر قانون «كاتسا» CAATSA (قانون محاربة أعداء أميركا عبر العقوبات) إذا لم تتخلّ عن صفقة منظومة S-400 التي سيتم تسليمها لتركيا في شهر تشرين الثاني المقبل. هناك مجال زمني ضيق أمام لتركيا للتخلي عن هذه الصفقة. وإذا ما عوقبت تركيا بهذا القانون، فلن يحظر عليها الحصول على منظومات الباتريوت وF-35 فحسب، بل سيحظر عليها الحصول على أي مكونات عسكرية من الولايات المتحدة. في العام الماضي، خسرت أنقرة أكبر صفقة في تاريخها لتصدير المروحيات التركية الصنع، بقيمة 1.5 مليار دولار، بسبب رفض الولايات المتحدة تسليم المحركات اللازمة لتلك المروحيات.

بالرغم من كل هذه المعطيات، وبالرغم من التوتر المتزايد بين أنقرة وموسكو حول ملف إدلب، إلا أنه من المبكر القول بشكل جازم إن أنقرة ستعود لبيت الطاعة الأميركي خلال الأشهر الثلاث أو الست المقبلة. فأكبر دائني تركيا هم من المصارف الأوروبية الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين لتمديد فترة السداد لتجنب قيام مديونيهم بإعلان إفلاسهم. الأكيد أن المسلسل التركيّ الطويل سيكتسب جرعةً هائلةً من الدراما.

محمد صالح الفتيح

أكاديمي سوري مقيم في المملكة المتحدة. يعمل على إنجاز رسالة دكتوراه في اللغويات من جامعة "إسكس" البريطانية. باحث في شؤون الشرق الأوسط. كتب مقالات تحليلية بانتظام في جريدة "السفير" اللبنانية وفي عدد من الصحف والمواقع الأخرى.

أوان