تاريخ حزب الدعوة الإسلامية: ستون عاما على ولادة جماعة العلماء/ج1

Submitted on Tue, 03/19/2019 - 16:01

حسين سميسم

أبناء العلماء :مرت علينا ذكرى تشكيل جماعة العلماء أواخر عام 1958، وقد مرت هذه الذكرى بهدوء غطته الاخبار السياسية وتناسته القوى التي كان لها مصلحة في زج رجال الدين والفقهاء في واجهة الحراك السياسي، وكنت اظن أن تلك القوى ستضع هذه الذكرى مبجلة في متحف حراكها السياسي وتحتفل بها في ذكراها الستينية، لكن المرء لايجدها الا بين سكراب جهاد الاحزاب السياسية الإسلامية، لذلك ارتأيت مسح الغبار الذي تراكم على هذه الذكرى وتنظيف ماعلق فيها من أوساخ السياسة لاكتشاف لونها الحقيقي وفتح كتابها وقراءته قراءة تاريخية جديدة، وتسليط الضوء على اسباب تأسيس هذه الجماعة ومناقشة الأمر بهدوء يتناسب مع هيبة العقود الستة التي مرت. ويتطلب ذلك النظر اليها من جوانب عدة لبيان حجمها وعمقها وتأثيرها وتأثرها، اذ أن الكتابات التي تناولتها في السابق قفزت فوق السبب وتجاوزته وتوقفت في حقل النتيجة وظلت تحفر فيه، سيما وأن تلك الكتابات نظرت إلى تشكيل هذه الجماعة نظرة احادية مسطحة، وغلبت المصلحة السياسية على حقيقة الاحداث التاريخية التي رافقت تأسيسها ثم استخدمتها مثلما تستخدم الافكار والاديان في السياسة.

الجماعة متكونة من رجال دين من الطبقة الثانية بعد المراجع الدينية الكبرى، ومن هذه الطبقة يرشح المرجع الجديد ويتبوأ المرجعية الدينية بعد غياب المرجع القديم بسبب وفاته. وهذه الجماعة تسيطر على مجريات الدروس الدينية وبعض المدارس، وقد استقل اغلبهم بالصلاة في صحن الإمام علي ع أو في الروضة ومن خلالهم يتواصل المرجع مع الاطراف المحلية والخارجية فهم بالتالي سفراؤه. ولم تك هذه الجماعة موحدة في تنظيم خاص بها بل يتصل افرادها بشكل فردي مع مختلف الفقهاء ويحافظ البعض على مسافة متساوية من جميع الفقهاء.

لقد تشكلت هذه الجماعة لا لسبب علمي يحتاج إلى مناقشة جدية ولا إلى تجمع المجتهدين لدراسة قضية اجتهادية محددة، ولا لسبب سياسي يراد منه نصرة الدين ضد الافكار الملحدة، بل تأسست بسبب وظيفي تنظيمي يخص إدارة المرجع الاعلى السيد محسن الحكيم للمرجعية، وذلك عكس التصورات والكتابات التي غلبت القراءة الأحادية وحاولت البرهنة على وحدانيتها وكأنها رد فعل طبيعي على انتشار الإلحاد بعد ثورة تموز 1958، فخلطت تلك القوى التي لها مصلحة آنية في استغلال تلك الأحداث المتسارعة، فتاه المتابع بين ترابط تسلسل الأحداث وبين انفصالها حتى أصبحت أحداث تلك الفترة جزرا لايربط بينها رابط. وساعد هذا الأمر عدم مناقشة المؤرخين ولا الأكاديميين - تاريخ جماعة العلماء لتسليط الضوء على زاوية مازالت مظلمة

ولكي لا نسبق النتائج دعونا نطل على كيفية تشكيل جماعة العلماء وأقوال المؤسسين عنها:-

قال الشيخ حسن الجواهري في احدى مقابلاته (انظر كتاب محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة ص 299) (عندما كان العلم زاهرا في هذا البلد كانت المهام موزعة بين الشخصيات المتواجدة في هذا البلد. كان هناك مرجع يقوم بمهامه المعهودة من تدريس وإفتاء وقبض وإقباض وما إلى هناك، وكان إلى جانبه شخصيات علمية سياسية واجتماعية، وكانت عبارة عن حلقة وصل بين المرجعية وبين الرأي العام، وكانوا في الساحة، فإذا ماحدث فيه ضرر على الإسلام والمجتمع كانوا يعملون والمرجعية تسندهم، إلا أن الوضع تغير، فقد أصبح المرجع يريد أن يكون هو الكل في الكل وبيده كل الأمور، ويريد أن يكون هو وابنه حلقة الوصل بينه وبين الحكومة، فلا حاجة إلى الشيخ جواد صاحب الجواهر، الشيخ عبد الكريم الجزائري،السيد محمد تقي بحر العلوم... عندها اختل النظام واختل التوازن وعمت الفوضى، لأن هؤلاء لم يكونوا وليدي الساعة وإنما كانوا وليدي عشرات السنين يعرفون ماذا يقولون وماذا يفعلون وكيف يدخلون وكيف يخرجون أما ابن المرجع فهو فارغ من جميع الجهات ولا يملك ما يملكه هؤلاء). وفي اليوم التالي التقى الشيخ الجواهري بالشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي بحر العلوم والسيد محمد صادق الصدر والسيد اسماعيل الصدر والسيد موسى بحر العلوم والشيخ جواد الشيخ راضي والشيخ محمد طاهر الشيخ راضي والسيد مرتضى الخلخالي والشيخ محمد تقي الايرواني وآخرين وقال لهم (إن الذي أراه هو أن تكليفنا في الوقت الراهن هو أن نقوم بتشكيل جماعة من العلماء يكون لها وزنها ومكانتها ويكون لها رئيس لا يطمع في مرجعية أو قيادة، وإنما هو رئيس هذه المجموعة العلمية، فإذا تم هذا الموضوع حينئذ نشرع في المرحلة الثانية في ماهو التكليف المتوجه إلى الجماعة، فوافقوا على ذلك بالاجتماع).

فلو اعدنا قراءة هذه النص لتبين مايلي:-

- كانت مهمة المرجع في الحوزات العلمية هي - التدريس - والافتاء - القبض - والاقباض. وهي مهمات متصلة به وتسقط كلها بوفاته.

- يوجد إلى جانبه شخصيات علمية سياسية واجتماعية هي حلقة الوصل بين المرجع والمجتمع. أي أن لهم أدوارا علمية في تدريس الطلاب وتقديم المحاضرات لشتى المستويات (المقدمات والسطوح وفي بعض الاحيان البحث الخارج)، وقد ذكرالشيخ الجواهري أسماء أفاضل المجتهدين في النجف. أما الدور الاجتماعي المذكور فهو من صلب مهماتهم اليومية، فهم بحكم اتصالهم بالناس يستطيعون أداء مهام اجتماعية بأمر وتكليف من المرجع ويكونون حلقة وصل بين المرجع والمجتمع مثل توزيع الحقوق الشرعية من رواتب ومساعدات أخرى على مستحقيها وإدارة المدارس الدينية والأقسام الداخلية والمكتبات وترشيح الوكلاء....الخ. أما الدور السياسي فقد اعتاد المرجع تكليف من له القدرة والحنكة السياسية في متابعة الشأن السياسي مع الحكومة المركزية والمحلية إلى جانب قيام المرجع بالالتقاء مع الرؤساء والوزراء والمحافظين للتباحث والاتفاق على أمور مهمة تتطلب تدخل المرجع.

- يشير النص إلى أن الوضع قد تغير عن السابق وأصبح الأمر مقتصرا على المرجع وعلى أبنائه، وأصبح الأبناء يقومون بالدور المناط أصلا بالمجتهدين المحيطين بالمرجع رغم أنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى الاجتهاد (وليدي الساعة، فارغ من كل الجهات). وقد لاحظت هذه المجموعة من المجتهدين بأن المرجعية بدأت تنحرف باتجاه العائلة وتقتصر عليها. فكان الشيخ محمد حسن الجواهري يفكر بانتفاضة علمائية ضد هذا الانحراف، وقد استعرض في مخيلته واقع الحوزة العلمية فلم يجد فيها وراثة علمية ولا مرجعية بين الأب المرجع وأبنائه،.. وربما يظهر فقيه ما من أبناء ذلك المرجع لكنه لا يأخذ مكانه مباشرة بل يحتاج إلى سنين طويلة من الدراسة الحوزوية والأعمال التي ترشحه لنيل هذا المنصب، وفي الماضي القريب لم نر مرجعا نصب أحد أبنائه لهذا المنصب، فهذا السيد محمد سعيد الحبوبي والسيد كاظم اليزدي والخراساني والنائيني والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والبروجردي والسيد محمود الشاهرودي وحتى السيد الخميني وعشرات غيرهم لم يبادروا إلى تنصيب أبناءهم خلفاءا لهم، ولم يحجزوا أماكن صلاة الجماعة التي يصلون عادة بها لأبنائهم. وأبعدوهم عن الحقوق الشرعية، ولم يسمحوا لهم بالتصرف بها.

لقد اقترح السيد الشهيد محمد باقر الصدر بعد أكثر من عقد نفس المقترحات التي حاول الشيخ محمد حسن الجواهري تثبيتها في الوسط الحوزوي منذ ذلك الوقت، وكتب في هذا الشأن بعد وفاة السيد محسن الحكيم حيث تحرر من هيمنة المرجع وبدأ نجمه يصعد وتصدى بنفسه للمرجعية، وبدى لنفسه أن الأمر قابل للتحقق، لكنه اصطدم بحقيقة صخرة وراثة الأبناء لمرجعية آبائهم المالية، وقوة تأثيرهم في الوسط الديني مادام المال المتجمع من الحقوق الشرعية تحت تصرفهم.

كان السيد محمد باقر الصدر يريد تنظيم أداء المرجعية بحيث تتحول إلى مؤسسة يكون فيها المرجع فقرة واحدة من فقراتها العديدة، وعند وفاته يتم التداول الطبيعي للمرجعية، فقد يظهر مرجع واحد أو اكثر قبل وفاة المرجع السابق يتميز بالأعلمية والصلاحية التامة لهذا المنصب فتميل إليه المؤسسة ويتحقق التلاقي الطبيعي بين علمية وصلاحية المرجع الجديد وعدالته مع شروط وقوانين المؤسسة، وقد ذكر السيد كاظم الحائري في كتاب مباحث الاصول ص ٩٢ بأن المرجعية لا تؤدي إلى وجود مؤسسة مرجعية صالحة بل بالعكس فأن المؤسسة المرجعية الصالحة هي التي تؤدي إلى وجود مرجع صالح).

وطالب السيد محمد باقر الصدر بتشكيل لجان لتلك المؤسسة للاشراف على تسيير الوضع الدراسي في الحوزة وتنظيم شؤون الطلبة والاصدارات العلمية، ولجنة لتسيير الوكلاء في جميع المناطق ولجنة مالية تعني بتسجيل المال وضبط موارده وتنمية الموارد الطبيعية لبيت المال، وتنظيم مؤسسة المرجعية بشكل هرمي حيث يمارس المرجع عمله من خلال مجلس يضم علماء الشيعة ويقود هذا المجلس جميع اللجان جماعيا (الدراسية والمدارس الدينية، والعتبات المقدسة، والوكلاء، وبيت المال والتمثيل السياسي....الخ) ويشرف المرجع (نائب عن الإمام الغائب) على هذا المجلس ويحظى بتوجيهاته (انظر مباحث الاصول ص ٩٩).

لم يستطع الشيخ محمد حسن الجواهري ولا السيد محمد باقر الصدر تغيير قضية وراثة الأبناء للحقوق الشرعية للاسباب التالية.: -

- توسع عمل المرجعية وتمددها إلى بلدان بعيدة وتضخم ايراداتها من جهة وتطور مؤسسة الاستلام بالترافق مع تأخر مؤسسات الصرف الشرعية، فيحصل فائض متزايد عند المرجع لم يصرف، ويتسرب تدريجيا إلى أماكن آمنة بعيدة عن عيون السلطة وخوفا من استيلاءها عليه، ويلعب نقص الشفافية دورا كبيرا في عدم إمكانية المرجع من مراقبة المال ولم تعد المؤسسة المالية تحت تصرفه.

- المال أشد قوة وأسرع تنظيما وأقوى من الفقه، ويتيح لحائزه الشعور بالسلطة. ويعني ذلك أن المرجع المتوفي الذي وزع الحقوق الشرعية الواردة على مستحقيها في حياته سينفي أصل الوراثة المالية للحقوق الشرعية ويسمح للأبناء سلوك الخط الحوزوي العادي للوصول مرة أخرى إلى المرجعية بعد اجتيازهم الشروط الضرورية لهذا المنصب، وستنتفي في هذه الحالة إمكانية تكوين مرجعية مدعومة بالمال، وينطبق هذا الأمر على الفقهاء الذين ذكرناهم من السيد محمد سعيد الحبوبي ولغاية السيد الخميني فقد عاشوا فقهاء وماتوا فقراء.

- عدم وجود مؤسسة دينية قائمة بذاتها ومنفصلة عن بيت المرجع لها الحق في استثمار المال والأملاك والأوقاف التي تبقى بحوزة المرجع السابق، فينبري الأبناء لإدارتها وتوزيعها داخل العائلة أو استثمارها في مؤسسات دينية يقسم ريعها بينهم. كما أن انعدام وجود نظام داخلي وشكل قانوني حقوقي واعتماد مبدأ الوراثة العشائرية القديم يمنح الأبناء حق وراثة الاباء دون مسوغات دينية أو قانونية. وسيكون الدفاع عن بقاء هذه الحالة عن طريق إضفاء القداسة الوهمية ومنع الشفافية والاقتصار على مجموعة صغيرة جدا من اللأقرباء والإلتجاء إلى السرية المفرطة ورسم الخطوط الحمراء وإشعال هالة من المقدسات تعمي الابصار.

- عدم وجود نيابة مرجعية محددة في حياة المرجع السابق تبيح للمرجع الجديد التصرف المالي بالمال والأملاك المتبقية من المرجع السابق.

- تسجيل الأملاك والمؤسسات الدينية بأسماء الورثة وهو عائق قانوني لايسمح للمرجع الجديد إدارة تلك المؤسسات. (وصية السيد الخوئي مثلا).

هذه الأسباب وغيرها تجعل المرجع الجديد يبدأ من نفس النقطة التي بدأ بها المرجع السابق، فيعلن عن مرجعيته ويصل بالتدريج إلى مراكز جمع الحقوق الشرعية ومصادرها، ويستعين في احيان عديدة بحاشية المرجع السابق للاستفادة من خبرتهم في تثبيت مرجعيته والتعرف على مصادر المال وإدارة المؤسسات الدينية. وقد يتصدى للمرجعية أحد أبناء المرجع السابق سيما وأن لديه عدة العمل التي يستطيع بها شق طريقه بمفرده وبمساعدة حاشية والده.

كما حدثت بعض الحالات غير المسبوقة في تاريخ المرجعية مثل عدم حصول ابن المرجع المتوفي على تأهيل حوزوي يبيح له التصدي للمرجعية (يملك المال لكنه لا يملك العدة الفقهية)، فيعتمد على مرجع جاهز في الافتاء فقط ويظل الابن متمسكا بالمقلدين والحقوق وجميع صلاحيات الوالد. وقد ذهب بعض الأبناء إلى تأجيل تصديهم للمرجعية عن طريق إبقاء مكتب الوالد المتوفي مفتوحا، فيستقبل الاستفتاءات والحقوق الشرعية وكأن الوالد المتوفي ما زال حيا. وقد طور الفقه نفسه في هذا الجانب وسمح للمقلدين غير المبتدئين بتقليد المتوفي، وتلك من الفتاوي الحديثة.

لقد فشلت محاولة الشيخ محمد حسن الجواهري ولم تستمر الا أياما او أسابيع معدودة، كما فشلت محاولة السيد محمد باقر الصدر واصطدم حينها بمرجعية السيد الخوئي وثبت من خلال الممارسة أن قوة وراثة الأبناء هي اشد بأسا من غيرها وأقوى من امكانية تأسيس مؤسسة حوزوية مختصة، وسيبقى الأبناء يقاومون كل التغييرات التي تهدد وضعهم في وراثة الحقوق الشرعية والحلول بواسطتها محل آبائهم.

ستون عاما على ولادة جماعة العلماء/ التحول

ولدت جماعة العلماء في فترة حرجة من تاريخ العراق الحديث، فقد شهدت هذه الفترة قيام ثورة ١٤ تموز واستيلاء الضباط على السلطة وسقوط النظام الملكي وتهشم تحالفاته، وبدأ النظام الجديد يخرج من سيادة النظام الاقطاعي وما ارتبط بذلك من تغيرات اجتماعية سياسية، وأدت هذه التطورات إلى قفز المرجعية إلى وسط ساحة الصراع، فتطوعت في لعب دور سياسي خالص ونزعت ثوب الطائفة الفقهي المتوارث، وطوعت الفقه ليسير خلف توجهاتها السياسية، وركبت حصان السياسة الجامح الذي اوصلها إلى نقطة أصبحت العودة منها تعد انكسارا لشوكتها، كما أدى خروجها المتسرع وغير المدروس إلى الوقوف بوجه المنجزات التي تحققت لأول مرة لطائفتها (اعتراف الحكومة الجديدة بكلية الفقه، ومعادلة شهادتها ومساواتها بالكليات الحكومية وتعيين طلابها، وشمولها بمنحة الحكومة، تعيين خريجي الحوزة كمعلمين في المدارس الحكومية، احترام المرجعية الدينية وعدم التدخل بشؤونها الخاصة وكثير من المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي شملت كل مناطق الشيعة). وكانت جماعة العلماء إحدى ضحايا تلك السياسة فاضمحلت بعد عمر قصير.

لقد حاول الشيخ محمد حسن الجواهري إبعاد تلك الجماعة عن السياسة وعن تأثير العلماء عليها خاصة مرجعية السيد محسن الحكيم كي تكون مستقلة بذاتها وتقف على مسافة واحدة من كل العلماء الأعلام في ذلك الوقت. (وكان رأي الشيخ محمد حسن الجواهري أن يكون الشيخ مرتضى آل ياسين رئيس هذه الجماعة، بينما كان رأي بعض الحاضرين - الذي كان قد اعترض على دعوة السيد إسماعيل الصدر للمشاركة -أن يكون رئيسها السيد علي بحر العلوم، ولكن الشيخ الجواهري ناقشه في ذلك باعتبار أن السيد علي قريب إلى السيد محسن الحكيم فتصبح الجماعة حكيمية، وهم يريدون لهذه الجماعة أن تبقى غير منحازة إلى مرجع دون آخر) (محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة ص 301).

وشدد الشيخ الجواهري على (الابتعاد بالجماعة عن الأحزاب السياسية، وتم الاتفاق كذلك على أن الجماعة تنحل تلقائيا إذا شعروا بميل احد اعضائها نحو حزب من الأحزاب. ولهذا اشتد النزاع بين الشيخ محمد حسن الجواهري وبين أحد الأعضاء الذي تحسس الشيخ الجواهري ميوله نحو عبد الناصر).

كانت هذه النقاشات والنزاعات داخل الجماعة تجد طريقها إلى مسامع مراجع النجف، فيقرأ المرجع توجهات تلك الجماعة من خلال قربها أو بعدها عن هذا الحزب أو ذاك. وفي ذلك الوقت تشكلت بوادر جبهة سياسية متكونة من البعثيين والقوميين والإقطاعيين بإسناد من المحيط الشاهنشاهي والناصري والخليجي وبدعم أمريكي بريطاني، وانجر بعض رجال الدين إلى هذا التحالف ضد عبد الكريم قاسم وضد كل قوانينه وإجراءاته وضد مؤيديه من الشيوعيين، واتخذ كل فصيل شعاره المناسب فرفع البعثيون والقوميون شعاراتهم ضد دكتاتورية قاسم (وكأنهم لم يقيموا دكتاتورية فجة بعد مقتله) ورفع بعض رجال الدين شعارا ظاهره ديني وخلفيتة سياسية، وهم يعرفون أن الزعيم رجل متدين ويصلي ويزور مراقد الائمة وقتل في منتصف رمضان وهو صائم، لكنه في نفس الوقت كان وطنيا غيورا، ورفعوا شعار مكافحة الإلحاد والشيوعية. وهو شعار تماهى معه الزعيم في بعض جوانبه وابتعد عن الشيوعيين وكان قبل ذلك قد زج بهم في السجون وأبعدهم عن العلنية السياسية. ثم قالوا بأنهم ضد الشيوعية الكافرة وقصدهم في ذلك أنهم ضد قاسم وإجراءاته التي لا ينطبق ذلك الشعار عليها.

لقد واجهت الجماعة مهمة أخرى وهي ضرورة إخبار المراجع ليتم الاعتراف بهم والموافقة على نشاطاتهم المستقلة ودعمها وتسهيل أعمالها، لكن السياسة والأحداث المتسارعة سبقتهم إلى بيت المراجع، ونظر كل مرجع إلى الفائدة المتوخاة من وجود هذه الجماعة والعوائد التي يرتجى منها. ولم ترواد المرجع فكرة استقلالية الجماعة ووقوفها على مسافة واحدة من كل المراجع. أن مراجع النجف لم ينظروا حينها إلى الدور غير السياسي المستقل الذي ستلعبه الجماعة، ولم يفكروا بإعطائهم اية صلاحية من صلاحياتهم، بل لتحقيق أهداف المرجع وتبعيتهم له، فهو الذي سيدفع في النهاية.

رحب السيد محسن الحكيم بتشكيل هذه الجماعة فقد كان يفكر بتشكيل كتلة موحدة ضد انتشار الشيوعية، والوقوف بوجه عبد الكريم قاسم وقال (هذا نعم العمل ونعم الرأي ونعم التفكير... نسأل الله أن يسدد خطاكم ويأخذ بساعدكم ويشد أزركم) (المصدر السابق ص301). وبعد خروجهم من بيت السيد محسن الحكيم اقترح الشيخ الجواهري على الشيخ مرتضى آل ياسين الذهاب إلى السيد حسين الحمامي لكي لا يعتبر موقفهم انحيازا للسيد الحكيم. فذهبوا إلى السيد الحمامي (الذي لم يقف موقفا ايجابيا من الموضوع، حيث كان بعض من يثق بهم ويركن إلى قولهم قد صوروا له الجماعة على أنها ذات هدف خاص وذات غرض خاص لا يرتبط بالدين وإصلاح حال المسلمين فخرجوا من عنده متأثرين) (السيرة والمسيرة ص 302). وأضاف أن أشخاصا حاولوا ثني الشيخ الجواهري عن الانتساب إلى جماعة العلماء التي وصفوها بجماعة العملاء.

كان الوضع السياسي حساسا وانقسم الناس مع الثورة أو ضدها، وما أن تم تداول خبر تشكيل جماعة العلماء والأخبار التي تناقلها الناس عن قربها من الخط السياسي للسيد الحكيم حتى بادر الشيخ عبد الكريم الماشطة إلى تشكيل جماعة تناظرها باسم جماعة العلماء الاحرار إشارة إلى وقوف الأولى خلف السيد الحكيم ضد الثورة ووقوف هذه الجماعة مع الثورة.

وكانت آخر محاولات الشيخ الجواهري لإبعاد جماعة العلماء عن الحزبيين من البعثيين والقوميين هو محاولته منع توزيع الدعوات عليهم بمناسبة الاحتفال بميلاد الإمام علي ع الذي جرى التحضير له في جمادي ١٣٧٨ وتم يوم 13 رجب 378 ه الموافق 22 كانون الثاني 1959.

أقيم الاحتفال في المسجد الهندي وكان الوائلي عريفا للحفل (وقبل حلول يوم الذكرى وأثناء العمل على توزيع البطاقات إلى المدعوين في أنحاء العراق عقدت جماعة العلماء اجتماعا أكد فيه الشيخ محمد حسن الجواهري على عدم دعوة اي شخص معروف بانتمائه الحزبي، وقد تبين له اثناء الحديث أن اشخاصا قوميين تمت دعوتهم إلى الاحتفال وكان موقفه أن قال لهم (إذا أتى إلى الحفل شخص حزبي يحمل بطاقة فهذا فراق بيني وبينكم) وأصر على موقفه، وأدى بالجماعة إلى تمزيق سبعمائة بطاقة على ما نقله للشيخ الجواهري السيد حسين بحر العلوم، ويبدو أن الرقم قد بالغ به الاخير لترضية الشيخ الجواهري الذي قرأ كلمة في الحفل باسم جماعة العلماء كانت الأولى والأخيرة له، وكانت خاتمة نشاطاته، وبعدها وتوقفت الجماعة عمليا حيث ذهب أعضاؤها فرادى إلى ممارسة حياتهم اليومية بعد أن اتضح لهم سيطرة مرجعية السيد محسن الحكيم عليها وتورطه بالعمل السياسي المباشر ودفعهم إلى ميادين غير معروفة كانوا يرفضونها بشدة. فقد رعى السيد الحكيم مبادرة تأسيس الحزب الإسلامي الإخواني بقيادة السامرائي، وأرسل السيد طالب الرفاعي فيما بعد ممثلا عنه لدى حكومة جمال عبد الناصر في القاهرة. ورشح السيد هادي الحكيم لإذاعة برنامج أسبوعي من إذاعة بغداد، وتسرب مقالات السيد محمد باقر الصدر إلى جريدة الحرية لصاحبها البعثي قاسم حمودي إضافة إلى صلة السيد محسن الحكيم القوية بشاه ايران، فنفض البعض يده من هذه الورطة واشترك البعض الآخر بخطط السيد السياسية.

الحوار المتمدن