تعالوا نعيد اصدار- زوراء- العراق(2/2)

Submitted on Wed, 03/20/2019 - 12:22

عبد الامير الركابي

صدرت "الزوراء" الأولى عام 1869 ضمن محاولة استدراك متاخرة*، ورغبه في تحاشي الانهيار الوشيك، بعد صعود الغرب وثورته الحديثة، وتهالك السلطنة العثمانية الايله للغروب، وهي نوع من مؤشر"حداثي" متقدم زمنيا على ماعرف بالحداثة العربية، وسابق لها، بل ومختلف عنها سياقا ومحفزات،سبقتها مشابهات، اضطلع بها داود باشا المملوك الأخير ( 1817/1831)، والمضطر كاول ظاهرة من هذا النوع، لاستعمال التحديثية في التصنيع العسكري والجيش، وبعض مناحي الحياة، وسيلة لمواجهة وكبح العراق المتشكل من اسفل، وهو ماسيتحول الى قانون تتبعه كافة السلطات الحاكمة، بصرف النظر عما يقوله الحداثيون ممن يؤرخون لظاهرة داود باشا بحسب الإيقاع الحداثي الشامي، المصري* المفتتح مع ( محمد علي/ الالباني)،و( جمال الدين الافغاني) ـ وهذا الأخير، استاذ الحداثيين المصريين، إيراني درس في النجف/ حيث نبتت فكرة مايسمونة "عصر النهضة"، التي هي بالأحرى "عصر التشبه المستحيل بنهضة الاخر"، والطور المذكور هو نموذج ملحق إضافي، على زمن الانهيار والتردي المبتديء مع سقوط بغداد عام 1258 أوحى ضمن ظروف ملتبسه، ببعث الخاصيات،عن طريق طمسها، باعتماد نسخ باهتة من منهجيات الغرب ونموذجه الطاريء.
اليوم قد يكون مما له دلالة غير عادية، التفكير بإعادة تأسيس "الزوراء العراقية" ضمن اشتراطات ودوافع مختلفة كليا مع انهيار تجربة التحديث المستحيل بحلقتيه، العثمانية الاستدراكية الطارئة والهامشية، والغربية وتحولها لكارثة، بعد ان قرر الغرب من جديد قتل ماقد زرعه بيدية مضطرا هو الاخر، في العراق عام 1921، باقامته الدولة "الحديثة"، الستار الذي وجد نفسه وقتها مجبرا على التلطي خلفه، اذا أراد لشيء من نفوذه ان يستمر ( قدرت مثل هذه الامكانية وقتها ب 50 بالمئة) كاحتمال*. وهكذا تكرر القانون المستجد، المكرس منذ القرن التاسع عشر، حين صار من قبيل القاعدة استعمال التحديثية في العراق، لأغراض كبح عملية التشكل الوطني الثالثة الراهنة، المستمرة من القرنين السادس والسابع عشر، والتي تاتي بعد الانقطاع الحضاري الثاني المستمر من سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258.
تلك هي القاعدة الرئيسية الناظمة لتاريخ العراق "الحديث"، من داود باشا، الى صدام حسين، وهنا يتجلى عيانا، عمل القانون البنيوي الامبراطوري الازدواجي، بصفته طابع ومبنى الكيانية الرافدينية التاريخي. كما يتجلى الازدواج من اعلى، ومن اسفل باعتبارهما قوتين متباينتين ومتعارضتين كينونة ومقاصد، عند متغير تاريخي غير عادي، فحيث تصبح الحداثة وسيلة امحاء للاليات الصاعدة والصائرة من اسفل بيد الدولة، من اعلى، ، فان مايراد كبحه وامحاءه يصوغ من ناحيته "نوعا من الحداثة" المقابلة، من نفس نوعه وشاكلته، مكرسا من جديد حضوره واستقلاله، وبهذا ينشا عراق ازدواجي امبراطوري التشكل والديناميات، ثنائي الحداثة، كلامن طرفه، بدل عن ضائع، فالوطنية الحداثية في الدولة القهرية، كما في المعارضة، هما حالة استبدال، فلا دولة الملكية هي دولة ضروره وتعبير عن النصاب المجتمعي والتاريخي، ولا الحزب الشيوعي في طوره الجنوبي كمثال ( 1934/1963)، مبرر على أساس صراع الطبقات، والمادية التاريخية التي لاوجود لها ولمفعولها في المكان المقصود.
وذلك على كل حال زمن انتهى اليوم، مع تراجع الحداثة وتقلص حضورها، وانتهاء "الوطنيات الاستبدالية" معها، منهارة، وفاقدة اللزوم والفعل( قومية، وماركسية، وليبرالية)، بينما تطرا على العراق مهمة عظمى وتاريخية غير مسبوقة، جوهرها "إعادة بناء العراق بماهيته كعراق" حيث يصير التحدي الأكبر،اماطة اللثام عن "العراقوية" المتعذرة على الادراك منذ بداية تشكل هذا الموضع من الكرة الأرضية، الى اليوم، الامر الذي ستكون له مفاعيل كوكبية، ينتظر ان يفصح عندها التاريخ عن حقيقتة الكبرى المضمرة والمؤجلة، على مستوى المعمورة، وهو ماظل خافيا في قلب البنية الرافدينه، مادام العقل دون القدرة على وعيها، فضلا عن ادراكها.
ومثل هذه المهمة الكبرى والعظمى، تحتاج قطعا لمنبرله دلالة رمزية، لالانه كان في حينه، وعند افتتاحه دالا على عهد جديد، بل لانه كان العهد الأخير قبل الانتقال من الوطنيات الزائفة المستعارة، الى وعي الذات، والنطق عن الخاصيات، وبحسب ماارى، فان أولئك الذين هم خارج دائرة وتيار الاحتلال، واوهامه المحايثة الكاذبه، بالاخص منهم من يعيشون خارج العراق، يحتاجون من جهة الى ادراك نوع مهمتهم التي تعطي لوجودهم وجهودهم معنى وفعالية ضرورية أولا، والى تركيز جهودهم، بدل استمرارتبعثرها في منابر ومواقع متعددة، بالانتقال لتوحيدها بما يمنحها قوة مضاعفة، بشرط ان يكون المنبر الجديد الموحد باسم "الزوراء العراقية" بمثابة عمود فقري، لاتتوقف مهمته على النشر المشترك، بقدر ماينبغي ان يصير مركزا لقاعدة ومشروع عنوانه الرئيسي "إماطة اللثام عن سر العراق التاريخي الاكبر".
عندها نصير على الأرجح على مقربة من بداية تاريخية عظمى، لا يجب اعتبار مجرد وجودها عنوانا للنجاح، بقدر مايفترض النظر اليه كمنطلق للبداية الموافقة للمطلوب من هنا فصاعدا، ان وطن / كونية العراق، لن تتجسد بين ليله وضحاها، اطلاقا، والغياب على مر سبعة الاف عام، لن يتحول لانبثاق مكتمل خلال أيام، انها بداية مقصود هائل ونوعي، والبدايات دائما عسيرة وصعبه، خصوصا وان الهدف انقلابي كوني، يقع إنجازه اليوم على عاتق العراقيين الذين لااحد غيرهم يستحق شرف تحقيقه بحكم الانتماء، لصالح العالم، كما لصالحهم، بينما الكوكب الارضي يزداد تخبطا، والعراق يغط تحت سحابة الموت كالح القسمات.
فهل يجوز ياترى للمرء ان يتخيل انتقال من يتخذون، وظلوا متمسكين بمواقفهم خلال العقود الثلاث الماضية،مصرين على خيار العراق، ضد غزاته ومحتليه، وكانهم قوة او افراز حقبة من التاريخ انقضت، من دون ان تبلور مابعدها، ومايمكن ان يعقبها، بما يؤهلهم بعد كل هذا الزمن، الى الحضور الموحد في التاريخ، بصفتهم قوة حية، اقرب للفعل، او على الأقل تأسيسية، تسعى لان يكون لها حضور يبدأ بالتحول الى نواة دالة على العراق الذي ماتت الرؤية المستعارة فيه، وهل يصلح ياترى عنوان مثل "الزوراء العراقية" لافتة لمظهر وحدة من نوع جديد لاتتشبه بالحزبية الايديلوجية؟
يجري التنوية هنا بحالة انتقال تاريخي طويل، برزت أولى المظاهر الملفتة الدالة عليه، داخل المعارضة في الخارج، مع الحرب العراقية الإيرانية 1980/1988، وانقسام الخيارات والمواقف منها، قبل ان تتجدد مع بدايات التسعينات، متخذة اشكالا ابعد، وصولا الى مابعد الغزو الأمريكي بعد 2003 وحالة الجمود الراهن المهيمن عليها منذ بضع سنوات الاخيرة، وهي ربما اخر لحظات تحول وانتقال، قد تكون من اطوال ماعرف من حالات الانتقال، قبل تبلورماتنطوي عليه من مستجدات، تعود بداياتها الى ثورة تموز 1958، حين وقع الانفصال، أوبداياته الأولى، بين الوطنيات المستعارة، وبين الذاتية الوطنية غير المعبر عنها، واستمر يتشكل عبر محطات تتابعت من الستينات، انشقاقات، ولحظات واشكال تعبير مختلفة متلاحقة، الى اليوم، دون توفره على موجبات التحول الصعبه، والمتعلقة لابالحال والاشتراطات الرافدينية العراقية فقط، بل وبالعالم، ومسارات التاريخ المتجه الى "مابعد غرب"، والى صعود الذاتية الرافدينية الازدواجية التحولية، بصفتها بؤرة الانتقال المدخرة في قلب المجتمعيات الانسايوانية، قبل إلا نسانية مابعد المجتمعية.
كل هذا سيكون موضع تدبير استثنائي من نوع غير مسبوق، الاغلب ان الالتقاء عند نقطة اجتماع وتواصل توفرله التمركز ووحدة الزخم كمثل "الزوراء العراقية"، هو اليوم من اهم واخطر مايمكن تصوره من منجزات عرفت من قبل، ربما على مر التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ترافقت التحديثية في بداياتها في مصر وساحل الشام، بالتصادم مع العثمانيين من منطلق الالتحاق بالمشروع الحداثي الغربي، في حين قام العثمانيون في العراق بانفسهم، وبالأخص مدحت باشا، بارساء أولى ملامح التحديثية مابعد المملوكية، والتي بدت في حينه وكانها تنطوي على احتمال تعزيز موقع المماليك، على حساب النفوذ العثماني، مادفع بالاخيرين لإزالة داود باشا من منصبه، بتجريد حملة عام 1831 المعروفة بالاحتلال التركي الثالث.
* مثال بحث الدكتورسليمان عبدالعزيز نوار، وهو أطروحة دكتوراه "داود باشا والي بغداد" الصادر عن وزارة الثقافة المصرية، بالاشتراك مع المؤسسة المصرية العامة للتاليف والنشر/ 1967
*هذا ماقاله السير برسي كوكس في حينه، ويذكر إبراهيم علاوي في كتابه ( البترول العراقي والتحرر الوطني)/ دار الطليعة بيروت ص 56 نقلا عن كتابي ولسن "الولاء" و " تعارض الولاء" النص الدال التالي :" لقد حدثت في نهاية عام 1919 ونهاية 1920 احداث جسيمه في العراق كادت ان تؤدي الى هزيمة محققة لقوات الاحتلال البريطاني، فلقد قامت الثورة في نهاية حزيران 1920، واشتعلت نيرانها في الفرات الأوسط، وسرعن ما انتشرت الى منطقة الغراف والعمارة وديالى، وبقية انحاء العراق . ولقد تكبد البريطانيون خسائر كبيرة مما اضطرهم للشروع بالانسحاب العسكري من العراق، وبالفعل اعد الكونيل ولسن مشروعا مفصلا بالانسحاب العسكري من العراق، لكن السلطات البريطانية في لندن رات انه مازالت هناك فرصة لتدارك الهزيمة الكلية، فاستدعت السير برسي كوكس واطلعته على الموضوع، فاشار الى ان هناك املا " خمسين بالمائة" بالنجاح في انقاذ النفوذ البريطاني في العراق، ولكن بشرط تشكيل حكومة عراقية تستعمل كواجهة للحكم البريطاني في العراق"