حين وقف القطب البغدادي عبد القادر الجيلاني "الگيلاني" ضد التكفير والمتاجرة بالدين!

Submitted on Wed, 03/20/2019 - 12:26
الصورة للحضرة القادرية في بغداد اليوم.

علاء اللامي

"قطب الأقطاب البغدادي" هو أحد ألقاب الإمام الصوفي عبد القادر الجيلاني "الكيلاني". ولد سنة 470 هـ الموافق 1077م، (وحول مكان ولادته ثمة روايتان: الأولى، إنه ولد في قرية جيلان وتقع على مسافة 40 كم جنوبي بغداد، قرب قضاء المدائن، وهو ما تعترف به الأسرة الكيلانية الكريمة حتى اليوم، رواية أخرى تقول إنه ولد في منطقة جيلان على بحر قزوين شمال إيران. ونسبه - كما يجمع كاتبو سيرته - يعود إلى الإمام علي بن أبي طالب، فهو حسني أبا وحسيني أمّا.
*بزغ نجمه في فترة اشتدت فيها ظاهرة تكفير المسلم الآخر وكانت السلطات تعمد إلى إشهاد الآخرين على كفر الشخص المتهم بالكفر، وقد ذهب ضحية هذه الظاهرة أقطاب تصوف وقادة معارضة اجتماعية وسياسية عديدون، لعل أشهرهم القطب الشهيد الحسين بن منصور الحلاج في عهد حامد بن العباس الوزير الفاسد للمقتدر العباسي، ومن المبكرين الشاعر بشار بن برد الذي قتلته المهدي العباسي لسبب آخر لا علاقة بالزندقة بل بالمعارضة السياسية والهجاء الذي قاله بحق الخليفة :
(خليفَة ٌ يزنِي بعَمَّاتِه... يلعبُ بالدبوق والصَّولجانْ. 
أبْدَلَنا اللَّه به غَيْرَه...ودسَّ مُوسى في حِرِّ الخَيْزُرَانْ).
كما قُتل المتصوف العرفاني شهاب الدين السهروردي بعد أن جمع ضده تجارٌ ورجال الدين في مدينة حلب مضبطة تحتوي على شهادات ترى أنه كافر ورفعوا تلك المضبطة الى والي حلب وهو أحد أبناء صلاح الدين فقتله. والحلاج والسهروردي كلاهما محسوب على مذهب أهل السنة والجماعة. في ذلك العهد، الذي بدأ فيه انحدار الحضارة العربية الإسلامية ورافقته الظواهر المرادفة للانحدار كالتكفير والقمع وانتشار الخرافات والسحر والأدب الرخيص والجشع الى المال والنصب والاحتيال، وقف قطب الأقطاب البغدادي عبد القادر الجيلاني ضد التكفير وقفة شجاعة فأعلن أنه لا يقبل في مدرسته (هي كانت في الأصل مدرسة القطب سعيد بن المبارك المخزومي ثم فوضت إليه بعد وفاة معلمه وتحولت إلى شبكة مدارس في العديد من الدول والبلدان وأصبحت تستقبل الطلبة من الجنسين حيث (سجل التاريخ نساءً بدرجة الإفتاء، ففي الشام مثلا وفي الفترة التي تولى فيها صلاح الدين الأيوبي بلغ العدد ثمانمائة امرأة هنَّ خريجات مدرسة الجيلاني الأصلية أو فروعها!)، لا يقبل المريدين والطلاب إلا بشروط عشرة منها: 
الشرط الرابع: أن يجتنب - المريد والطالب - لعن أي شيء من الخلق، وإيذاء ذرة فما فوقها.
الشرط السادس: أن لا يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك أو كفر أو نفاق.
*فأين هذا القطب السامي والمتسامح من أئمة التكفير وهادري الدماء البشرية كابن تيمية من القدماء أو من المعاصرين وهم كُثُر ومن مختلف الطوائف والمذاهب؟
ومما عُرف وتَميز به قطب الأقطاب البغدادي أنه (كان شديد الحملة على الذين يتاجرون بالدين، ويساهمون في ارتكاب المحظورات ويرى أنهم أحقُّ بالتوبة من عامة الناس، وأحقّ بالاعتراف بالذنوب) وقد قال في إحدى مواعظه كما ينقل مؤلف كتاب "هكذا ظهر جيل صلاح الدين" د. ماجد عرسان الكيلاني، على ص 217 وما بعدها، (هذا النفاق إلى متى؟ يا علماء، يا زهاد، كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها؟ وأنتم وأكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة خونة في مال الله عز وجل وفي عباده؟) وقال في موعظة أخرى (اترك التعصب في المذهب واشتغل في شيء ينفع في الدنيا والآخرة)، أما أشواقه المساواتية والمشاعية المعادية للملكية الخاصة فيعبر عنها قوله الشهير (تمنيت لو أن الدنيا كانت بيدي لأطعمتها للجياع!) فسلام الله والفقراء عليه وعلى مناقبه وأشواقه وعلى السالكين معه وإليه!

#شذرات_من_ذهب_التراث