تاريخ حزب الدعوة الإسلامية: ستون عاما على ولادة جماعة العلماء/ج2 الاستيلاء على التركة

Submitted on Thu, 03/21/2019 - 00:37

حسين سميسم

تحطمت جماعة العلماء بعد فترة قصيرة من نشوئها وغمرها التيار السياسي، وكان لاختلاف مشارب الأعضاء، واختلاف خلفياتهم السياسية، وخوفهم من العمل السياسي المباشر، وعدم تجانسهم، ومساهمة أحد أبناء السيد الحكيم في جر الجماعة تحت لواء والده أسبابا مباشرة وغير مباشرة في وأد هذه الجماعة، وجرى بعد ذلك استيلاء مجموعة شبابية مندفعة تسربت اليها وسيطرت على كل ميراثها وأفشلت اهدافها، وأبدلت المجموعة المؤسسة بمجموعة جديدة شكلت فيما بعد حزب الدعوة كالسيد مرتضى العسكري والسيد محمد باقر الصدر والشيخ عارف البصري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد طالب الرفاعي والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ مهدي السماوي وعدنان البكاء. وحل هؤلاء مكان جماعة العلماء بدعم من السيد محسن الحكيم، وظلوا يتكلمون باسمها، ونشروا البيانات عوضا عنها، وأصدروا مجلة الاضواء وهي تتصدر اسم الجماعة في وقت لم يبق واحد من مؤسسيها ضمن المجموعة الجديدة، وتبدل الهدف الأساسي من وجودها واستعيض عنه بأهداف سياسية مباشرة.

وتبين لهذه المجموعة الشابة فيما بعد بأن الولوج للسياسة بشكل مباشر يلزم تشكيل حزب سياسي منظم يضم قيادة معروفة وله نظام داخلي وأهداف آنية وبعيدة، وتمخض ذلك عن ولادة حزب الدعوة بمباركة من السيد الحكيم ومشاركة وكلاء مرجعيته. لكن هذا الحزب لم يعلن عن نفسه وظل متواريا خلف اسم جماعة العلماء. وقد استنكرت الجماعة تحدث هذه المجموعة الجديدة باسمها، لكن استنكارهم لم يجد آذانا صاغية خاصة وأن السيد محسن يساندهم ويمدهم بالمال ويحميهم.فأصبحت منظمتهم (جماعة العلماء) تؤكل امامهم وهو عاجزون عن الرد.

وقد قام السيد محمد باقر الصدر بنشاط كبير متعدد الجوانب في الاستيلاء على تركتها، فقد كتب سبعة بيانات باسم جماعة العلماء ولم يك واحدا منهم، وصاغ بعض الكلمات التي ألقيت في مناسبات ميلاد الإمام علي. ومن الجدير بالذكر أن مهرجان ميلاد الإمام الحسين (2 شعبان) وميلاد الإمام علي 12 رجب جرى الاحتفال بهما بعد ثورة تموز 1958 لأول مرة، وجرى الاستفادة من تلك الاحتفالات الدينية في تجميع وتنظيم العناصر المضادة لثورة تموز والوقوف بوجه الشيوعية، فقد تجمع فيهما كل المناوئين لعبد الكريم قاسم من قوميين وبعثيين واقطاعيين وبقايا العهد الملكي. فكان البعثيون والقوميون يريدون الوحدة الفورية مع مصر جمال عبد الناصر، وكان الإقطاعيون يريدون إرجاع أراضيهم والعودة للنظام السابق، ويريد حزب الدعوة تطبيق الشريعة الإسلامية بإشراف المرجع، ولا يرضيهم إلا رأس الزعيم أو التنازل عن قوانينه الثورية والوطنية ولف الدفة باتجاه النظام السابق وهو ما يبرر حمى النشاط المكثف الذي أصاب تلك الفئات الساكنة الهادئة في ظل النظام الملكي.

إن المتابع لأحداث تلك الفترة يلاحظ عدم ترحيب مرجعية السيد الحكيم بثورة تموز، فقد زاره متصرف كربلاء بعد يومين من الثورة طالبا منه تأييد الثورة، إلا أن السيد أصر على عدم كتابة برقية، فسأله السيد مهدي (سيدنا لماذا لاتكتب؟) فأجابه (إن لكل شيئ حسابا وهؤلاء لا أعرفهم)، وبتاريخ 24 تموز أبرق السيد برقية بعد أن أرسل عدد كبير من رجال الدين كالسيد الحمامي وكاشف الغطاء برقيات تأييدا للثورة، وكانت صيغة برقية الحكيم إملائية تشترط تطبيق العدل وأحكام الإسلام، وأتخذ السيد هذا الموقف قبل أن ينبس الزعيم ببنت شفة، وبعد تشكيل جماعة العلماء وسماح الزعيم لهم بإذاعة كلمة أسبوعية من إذاعة بغداد لم يتقدم واحد من جماعة العلماء لأخذ دوره وكتابة أو إذاعة هذه الكلمة، لأنهم كانوا يحرمون العمل السياسي المباشر، ولم يجرؤا على ممارسة هذا الدور، فكلف السيد الحكيم السيد محمد باقر الصدر لكتابتها وكلف السيد هادي الحكيم أحد خطباء المنبر الحسيني بإذاعتها من الإذاعة الرسمية (الحياة السياسية للإمام الصدر ص 469). لقد اتخذت الكلمات المذاعة منحى محدد غرضه جر الزعيم إلى صف الإسلام السياسي عن طريق كيل المديح له، وترغيبه بالاختيار الإسلامي وإبعاده عن الشيوعيين فوصفوه بنصير الإسلام بدل نصير السلام. كما حاولت تلك الكلمات التحدث مع الجمهور والقول بأن الحكم الإسلامي هو الحل لجميع المشاكل التي يمر بها المجتمع.

إن من يقرأ الرسائل السبعة التي كتبها السيد الصدر باسم جماعة العلماء يكتشف حجم التناقض والوسائل غير المعقولة لتحقيق الهدف. فالوقوف بوجه قاسم والتآمر عليه كان على قدم وساق مما لا يبرر أبدا لغة المديح المتطرفة، وسأقدم شواهد على قولي هذا:-

1- المنشور الأول (آن الأوان ولأول مرة منذ مئات السنين تشرق في بلدنا الحبيب أضواء الحرية والاستقلال بفضل الثورة التحررية الكبرى، التي وقف فيها الزعيم الأوحد والبطل المنقذ سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم حفظه الله رائدا للإسلام والمسلمين...). (أما الآن وقد تحرر البلد من نير الاستعمار والنفوذ السياسي للمعسكر الانتهازي، ووجدت السفينة ربانها الأفضل في شخص الزعيم المحبوب...).

2- المنشور الثاني (يا شعب العراق المسلم المتحرر بثورة الزعيم الفذ عبد الكريم قاسم... 8جمادي الثانية 1378 المصادف 20 كانون الأول 1958

3- المشور الثالث (إن قائدكم البطل الذي أعاد إلى الامة كرامتها وهزم عدوها صرح مرارا وتكرارا بأنه فوق الميول والاتجاهات) (15 جمادي الثانية 1378).

4- المنشور الرابع (.. إلى العامل الذي آمن بأن حقوقه وقيمه الإنسانية تصان كلها في ظل الإسلام إذا طبقته قيادة فذة كقيادة البطل اللواء الركن عبد الكريم قاسم.) (30 جمادي الثانية 1378المصادف 11 كانون الثاني 1959.

5- المنشور الخامس (أيها الشباب المسلمون الذين نذروا نفوسهم لخوض معركة التحرير والسيادة في ظل قيادة الزعيم المنقذ اللواء الركن عبد الكريم قاسم) (13 رجب المصادف 23 / كانون الثاني 1959.

6- المنشور السادس (إن السفينة قد وجدت طريقها المهيع بعد أن أزال البطل اللواء عبد الكريم قاسم العقليات الاستعمارية التي كانت تعترضها...) (27 رجب

7- المنشور السابع (مخلفات العهد الاستعماري الذي قوضته ثورة العراق الجبارة بقيادة الزعيم الكريم الموفق).

وتوقفت المنشورات في رمضان 1378 بعد فشل حركة الشواف في 8 إذار 1959.

ومن الأمور الطريفة أن عارض السيد محسن الحكيم ذكر الزعيم وامتداحه بهذه الصورة بعد المنشور الرابع، لكن السيد مهدي الحكيم أفهمه بأن ذلك هو جواز مرور لتلك المنشورات. كما عارضها الحزب الإسلامي العراقي (فرع الاخوان) وحزب التحرير، ثم أوقفوها نهائيا. ومن الجدير بالذكر أن أعضاء جماعة العلماء عارضوا بعض الألفاظ المذكورة كلفظ المنقذ، وهو لفظ خاص بالمهدي المنتظر، فكيف يتساوى معه الزعيم؟. إن الدولة التي يؤمن بها جماعة العلماء هي دولة المهدي المنتظر التي تقيم العدل التام وعليه لا يمكن تأييد أي حكم سياسي قبل ظهور المهدي ولا يمكن رفع أية راية قبل ظهوره.

لقد تزايدت خلال تلك الفترة المؤأمرات المحلية والدولية على عبد الكريم وازداد نشاط مرجعية الحكيم، وأقامت أول احتفال في تاريخها بمناسبة ميلاد الإمام علي ع في كربلاء ليلة الخميس 12 رجب 1378المصادف 21كانون الثاني 1959، واقامت احتفالا اخرا في اليوم التالي في النجف لنفس المناسبة.ثم جرى الاحتفال بميلاد الإمام الحسين ع في 3 شعبان. وكانت تلك الاحتفالات قمة التحريض على ثورة تموز. ولا أدري أين كانوا عن ذكرى ميلاد الإمام علي والحسين قبل ثورة تموز؟.

توقفت المنشورات بعد مؤامرة الشواف في 8 آذار 1959 لكن الشباب الذين أسسوا حزب الدعوة بعد حين قرروا مرة أخرى التواري خلف اسم جماعة العلماء ليؤسسوا مجلة شهرية أطلقوا عليها اسم الأضواء بتمويل مالي من الحقوق الشرعية التي بحوزة السيد محسن الحكيم، وأجيزت وكان صاحب الامتياز هو الشيخ كاظم الحلفي. وقد كتب في صفحتها الأولى (إشراف الجمعية التوجيهية لجماعة العلماء). كان طابعها سياسي بألفاظ دينية، لذلك تبرى منها أعضاء جماعة العلماء، وأكد الشيخ محمد حسن الجواهري أنه لا علاقة إطلاقا للجماعة بمجلة الأضواء (انظر السيرة والمسيرة ص 359)، وكان رأي حسين الصافي أن المجلة لا تعبر عن رأي جماعة العلماء وإنما تعبر عن رأي تنظيم سياسي وديني سري، وكذلك كان رأي السيد حسين الهمذاني. وكان هذا التنظيم الوليد يخشى ظهوره للعلن نظرا لوجود مخاوف سياسية واعتراض معظم العلماء على نشاط رجال الدين الحزبي، فلا يوجد حزب شيعي شارك به الفقهاء من قبل لأن ذلك يتعارض مع الإجماع المؤسس منذ الغيبة الكبرى عام 41 م.

لقد أدى هذا الحراك إلى تأسيس حزب الدعوة بحضور واضح لحركة الإخوان وحزب التحرير، وفي منتصف عام 1959 ظهر هذا الحزب للوجود، وتم تناسي جماعة العلماء وأهمل دورهم، وجرى الانقلاب الكامل على ما كان يفكرون به في مأسسة المرجعية والحد من نفوذ أبناء الفقهاء، وتكوين حركة علمائية على أسس منظمة تتيح التبادل الطبيعي لدور العلماء والحفاظ على الأموال الشرعية لاستخدامها بما يرضي الإمام الغائب، وتحويلها إلى مسارها الطبيعي الواصل إلى الفقراء والمساكين ولا  تظل الحقوق الشرعية بأيدي أبناء المراجع بعد وفاة آبائهم، ولا يحولوا عمل الفقيه إلى مرجعية سياسية لاعلاقة لها بالفقه أو المراجع.