البدء الثاني والعماء الحداثوي الغربوي/1

Submitted on Mon, 04/08/2019 - 15:28

عبد الامير الركابي

تبدا مسيرة التحولية البشرية، مع اكتمال مقومات وعناصر "التحول" المضمرة في الكينونة المجتمعية وهو ماكان قد تحقق ابتداء في الشرق المتوسطي، في ارض مابين النهرين، ومن ثم وادي النيل، قبل ذلك كانت اشكال من "التجمعيات/ ماقبل المجتمعية التحولية" قد ظهرت تباعا على مستوى المعمورة، ومثلت طورا من الانتقالية بين عصور اللقاط والصيد، وعصر مجتمعية انتاج الغذاء والتحولية. البدء الشرق متوسطي الكوني، ارتكز لثلاثة اشكال مجتمعية: ازدواجي رافديني من مجتمعي، "لادولة" اسفل، ودولة تمايزية قاهرة في الاعلى، ومجتمع / أحادية دولة في ارض النيل، وفي وقت لاحق تشكل ظهيرثالث، هو مجتمع اللادولة الأحادي الجزيري، إضافة لمجال مفتوح بلا صيغة مجتمعية غالبة، ومن ثم لا تبلور كياني، ميز ارض الشام.
وهذه الأنماط، المحتشدة في بقعة واحدة متصلة جغرافيا، هي نفسها الأنماط التي كتب على المجتمعيات على مستوى المعمورة الانضواء تحت خاصياتها، مع تمايزات من نوع تلك التي منحت الكيانية الاوربية، اعلى اشكال الدينامية داخل نمطها الأحادي الدولوي بفعل انشطارها الافقي الطبقي، او التي منحت الكيان الأحادي الجزيري الصحراوي المعاكس طبيعة للمجتمعين النهريين، طاقاته الحربية الاستثنائية على مستوى المعمورة، وبين اشباهه من مجتمعات أحادية اللادوله، في أمريكا قبل الغزو الأوربي الابادي، وفي المايا والازتك في أمريكا اللاتينية، او استراليا وبعض افريقيا، وتجليات منها في اسيا، بان وجد محكوما لاقتصاد الغزو، وقانون الاحتراب، الذي يجعل من القتال كينونة وجودية، تتلقى مع الرضاعة، تحت وطأة احتمالية شظف يصل حد "اقتل لتعيش"، ماجعل المجتمع هنا في حال انتقاله من القبيله الى المجتمع العقيدي، كما حدث مع الدعوة المحمدية، قوة حربية لاترد، قادرة على ان تدحر بكل يسر وباقل القدرات، أي نوع من أنواع "الجيوش"، أي ماهو متعارف عليه من فئات التخصص الحربي، مقابل الكينونة المجتمعية المحاربة، المنطلقة من ارضها تحت دفع اشتراطات اختناق محتمل بسبب الامبراطوريات المهيمنة على المنطقة قبلها (في معركة الخندق اليائسة راى النبي محمد في قدح شرر فاس ضرب حجرا صلدا عرش كسرى الفارسي).
والفتح الجزيري هو بدء ملحق بالبدء لاول، الذي ارسى معالم الوجود، وعلاقة الانسان بالكون والحياة، وعقلنتها ضمن الاشتراطات المطابقة للتحول الناظم للوجود، قبل ان يصاب بالانقطاع الأول، مع انهيار بابل على يد الفرس وامبراطوريتهم الأحادية الشرقية، المقابلة لامبراطورية الغرب الأحادي الطبقي الرومانية. حين اختفى وقتها كيان الازدواجية الامبراطوري الرافديني، المباين والمخالف بنية واغراضا ومنطويات، لاشكال الامبراطوريات الأحادية الشرقية منها والغربية وغيرهما ومنها الصينية، المتشابهتان في الجوهر رغم اختلافاتهما الجزئية في الاليات والفعل والتكوين التفصيلي.
ولايتاتى غياب كيان الازدواج التحولي الرافديني، وخضوع تاريخه لقانون الدورات والانقطاعات التي ستتكرر مع سقوط بغداد العباسيين، القمة الأعلى من البابلية الأولى، بالمصادفة، او كتكرار عفوي خال من الدلالة، لظاهرة عادة ماتاتي ذات ابعاد ونتائج كونية، مثلها مثل التأسيس وإرساء ملامح البدء الأول، ففي هذا الإيقاع المتواتر، يكمن قانون يطبع حركة التاريخ والكائن "الانسايوان"، ويعين وجهته السائرة الى "الانسان"، خضوعا لقوانين وجودية كونية، ارفع واشمل فعلا وحضورا، من تلك المنسوبة على سبيل المثال للطبقات وقوانين صراعها ومالاتها المفترضة*.
والمنظور الشائع لدى "الانسايوان" عن التاريخ والمجتمعية مع مايتصل بهما، احادي وواحدي، أي هو منظور الأحادية المجتمعية المتغلبة تاريخيا على المنظور التحولي الازدواجي، فما ساد وتمكن من العقل الانسايواني تاريخيا، ليس المنظور الازدواجي المحكوم للانقطاعية، ولاشكال تحوير المنظور التاسيسي الأول وفق بنى الأحادية الارضوية الاحادوية، وهنا يتعين التنويه بواقعة استحالة حضور وتحقق التحولية المجتمعية المتضمنه في مجتمع الازدواج، الا بعد ثلاث دورات وانقطاعين تاريخيين، من المحتم مرورهما قبل توفر الأسباب المادية الضرورية، والتي لاانتقال تحولي من دونها. وهذه تعني في الواقع الفعلي، وعلى مستوى وسائل الإنتاج، الانتقال من الإنتاج اليدوي، الى المعرفي التكنولوجي، بعد اجتياز وعبور زمن الإنتاج الالي.
يعني ذلك، ان التحولية المجتمعية "كينونة بنيوية" من دونتحقق، قبل ال"تحقق"، وهي تظل تعبر عن ذاتها، وتتشكل عبر التاريخ ودوراته وانقطاعاته، على امل وباتجاه بلوغ الكينونة الأولى هدفها النهائي، الامر الذي يجب ان يذكر هنا بالفارق بين ماتخيله ماركس من "شيوعية بدائية"، و "شيوعية عليا"، فمايحكم الازدواج والتحولية التي هي جوهر المجتمعية على مستوى الكوكب، هو الصدوع المستمر عما يطابق بنيتها من صعودية مافوق وماوراء مجتمعية، تتجلى بمختلف الاشكال، لتنتكس او تغيب عن الوجود تحت وطاة الافتقار للعنصر المادي الضروري واداة التحول الحاسمة، الامر الذي يمنح البنى الأخرى الأحادية، فرصة طويلة زمنيا، تكون خلالها هي الغالبة، ونمطها هو الغالب الاسيد مع تفكراته، واشكال رؤاه، وقصوره العقلي الانسايواني.
هذا النوع من غياب الحاضر التحولي الازدواجي، وعيا وادراكا عقليا، يسهم في تكريسه عامل أساس وفعال، يشابه القصور البنيوي، هو "القصور العقلي الموضوعي"، فالظاهرة المجتمعية تنشا متفوقة على الطاقة العقلية، التي تظل وتستمرعاجزه عن احتوائها والوصول لمنطوياتها، وفي موضع التحولية بالذات، يستحيل التعبير السببي ابان البدء الأول ومبتنياته التصورية، مايكرس فعل الحدس الأعلى بصيغته / النبوية الأولى *، والذي هو نوع من مطابقة عبقرية تحولية، لاشتراطات التحول في طور "الغيبة"، والاختفاء الادراكي، مع الوقوع تحت ثقل، الحاضر الأحادي، العامل على اسباغ كينونته ومنجزه التصوري على العالم.
لاشك بناء عليه في انطواء حالة، او مظهر الهيمنة المفهومية والنموذجية الأحادية الراجحة موضوعيا على مدى قرون مديدة، على استبعاد وإلغاء تداول حقائق من نوع مايعود الى إمكانية او احتمال حضور ديناميات هامة واساسية مغفلة، وجار انكارها بداهة، بوضعها خارج البحث حتى من دون تقصد، قد تكون من أهمها تلك التي تعود الى مايتصل بايقاع الدورات والانقطاعات الرافيدينة خصوصا، والشرق متوسطية، وهو ماقد تفاقم وجرى الايغال فيه الى اقصى حد، مع صعود الغرب الحديث، وهيمنته المفهومية والنموذجية على مستوى المعمورة، وهو سبب مستجد مضاف، وقع على سبب اصلي، زاد بقوة في تكريس مثل هذا الاستبعاد، وعزز من وطاته الغامرة، بحيث لم يعد بالإمكان اطلاقا، التساؤل عن احتمال استمرار اليات التاريخ الانقطاعية الصعودية الحاضرة تاريخيا، والتي هي المنطلق الاول وموئل البدء المجتمعي الكوني.
وليس مثل هذا الحال بالغريب، او ممالم يسبق حصوله ضمن سياقات العلاقة بين العقل وحدود مدركاته للظواهر المجتمعية والكونية، ف "صراع الطبقات" كمثال كان موجودا يوم كانت الرؤى التوراتية، ومفهوم النبوية المسيحية كاسحة على مدى القرون، بما هي القراءة النبوية الملائمة لاوربا ل " مملكة الله"، وهذه قد استمرت مهيمنة تماما، ومانعه لماعداها كليا، حتى القرن التاسع عشر.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• تظل مشكلة النظر للإنسان وتاريخيه، ومايعرف بنشاة المجتمعية، تفتقد بحكم الحدود التي تتسنى، او المتاحة للعقل الغربي، وما قد ارساه من قواعد خاصة بهذا الجانب من ظاهرة المجتمعية، قاصرة، وخارج نطاق مقاربة احتمالية خضوع الوجود البشري لقوانين مضمرة غير مكتشفة بعد في الكيانية المجتمعية على مستوى الكوكب، ولايعني هذا ان الغرب يختار بناء عليه تخليص المجتمعات والكائن البشري من فعل السماء، فهو وفي اعلى تجلياته الحديثة قد ذهب ل" اكتشاف" خضوع الظاهرة الاجتماعية لقانون ملزم، مقترن ب "حتمية تاريخية"، لم يقل لنا من اين أتت، ولا من الذي زرعها في قلب الظاهرة الاجتماعية، ولماذا لاتكون مثلا دليلا على خضوع المجتمعية لقوانين مصممة مسبقا، مايظل يثير الأسئلة عن ماهيتها وماذا يمكن ان تكون ؟
خلاصة القول ان "الماركسية " المادية جدا، هي من زاوية أخرى، ربوبية، تثيربقوة الأسئلة عن مصدر مثل هذا القانون المحكم، الناظم لوجود الانسان، والخارج عن إرادة البشر، من "المشاعية البدائية"، عبر مراحل العبودية،، والاقطاع، والراسمالية، الى " المشاعية النهائية"، مايجعل المرء يسبح اذا أراد بدون تردد، بعظمة الخالق الموجد، وعلو تدبيره.
• يقسم هيغل مراحل الوعي العقلي الى : ( اسطورية / ثم دينية/ ثم فلسفية) وهو نمط معتمد واحادي المصدر من تاريخ متابعة تطور العقل، خارج الحقيقة المجتمعية المضمرة، فالعقل البشري التحولي، والمحكوم لاليات التحول اللامجتمعية، سائر على إيقاع ( الحدسية الأولى وذروتها النبوية/ العقلانية السببية المتاخرة والعارضة/ الى الحدسية السببية الراهنة) والأخيرة تطابق مو جبات واحتمالات الزمن التحولي المتشكل اليوم كونيا.